الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية: من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي


هذه دراسة عن الأزمة الدستورية للحضارة الإسلامية تعتمد النصَّ الإسلاميَّ معياراً، والتجربةَ التاريخية الإسلامية موضوعاً، وخروجَ المسلمين من أزمتهم السياسية غايةً. والمقصود بالأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية تلك المفارقة بين المبدأ السياسي الإسلامي والواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون سياسيا، ولا يزالون يعانون تبعاته حتى اليوم، ثم ما نتج عن تلك المفارقة من صراع على الشرعية السياسية في تاريخ الحضارة الإسلامية منذ منتصف القرن الأول الهجري إلى اليوم.

وقد قدَّم الكاتب هذه المفارقة في شكل توتر دائم بين مقتضيات المبدأ النصي وأعباء الواقع المتخلِّف عنه أو المقاوِم له. فقد خلَّفت هذه المفارقة بين المبدأ النصي والواقع السياسي ألماً ظاهرا على الجسد الإسلامي، وتشاؤما مضمَراً في حنايا الضمير المسلم عبر القرون.

تتألف الدراسة من مقدمة ومدخل تمهيدي، وثلاثة أقسام يشتمل كل منها على فصلين، ثم خاتمة. اعتنى القسم الأول “التأمر في الأمير” بالنص السياسي الإسلامي، بينما اهتم القسم الثاني “التأمر عن غير إمرة” بالتاريخ السياسي الإسلامي، وتلمس القسم الثالث “الخروج من فقه الضرورات” سبيلا للخروج من الأزمة السياسية الإسلامية. والتعبيران الأول والثاني مستمَدَّان من نصوص السنة النبوية، بينما التعبير الثالث مستمَد من المعاناة الفقهية مع تاريخ المسلمين السياسي المضطرب. حيث تم توصيف تاريخ المسلمين وحاضرهم السياسي بكونهما محكومان بالتزاحم الدائم ما بين “التأمر في الأمير” الذي هو المبدأ والأصل، و”التأمر عن غير إمرة” الذي هو حكم الضرورة والاستثناء. وهذا التزاحم هو النموذج التفسيري المتحكم في الدراسة من البداية إلى النهاية.

بدأ المدخل بالحديث عن “سيف الإمامة المسلول” على رقاب أمة الإسلام في معظم تاريخها، وقدَّم التعاريف الضرورية للمفاهيم الأساسية المشار إليها في عنوان الدراسة، وشرَحَ طبيعة الدراسة ومداها وغايتها، والمنهج المتَّبَع فيها، وإسهامَها المرجو في فهم المسألة السياسية الإسلامية، وبياناً للنموذج التفسيري السائد فيها. وقد أسهب المدخل في شرح جملة مفاهيم استعارتها الدراسة من فلاسفة وباحثين سابقين، واتخذتها أدوات تفسيرية مساندة لنموذجها التفسيري الأساسي، في سبيل شرح المفارقة القائمة بين النص السياسي الإسلامي والواقع السياسي الإسلامي.

و يجمل القسم الأول -بفصليه الأول والثاني- القيم السياسية الإسلامية في صيغتها النصية المعيارية، ويسعى للكشف عن دلالاتها الأخلاقية والقانونية المباشرة، ومعانيها المجرَّدة من غواشي التاريخ، وذلك بتحرير معناها الأصلي في القرآن والسنة، ثم في إجماع الصحابة خلال الحقبة الراشدة، قبل التلبس بالمواريث الإمبراطورية السابقة على الإسلام. وقد صنَّفت القيم السياسية الإسلامية صنفين: “قيم البناء السياسي” وهي موضوع الفصل الأول، و”قيم الأداء السياسي” وهي موضوع الفصل الثاني.

تتسم قيم البناء السياسي بشيء من التعميم والتجريد، وهي تشمل المعنى الفلسفي والأخلاقي للاجتماع الإنساني من منظور إسلامي، ثم المبادئ والأحكام السياسية الكبرى السابقة على وجود السلطة أو المواكبة له. أما قيم الأداء السياسي فتركز على صناعة القرار وعلاقة الحاكم بالمحكوم بعد تأسيس السلطة السياسية.

ويدل استعراض الكاتب للقيم السياسية الإسلامية في صورتها النصية التأسيسية، وكشفه عن دلالاتها الأخلاقية والقانونية المباشرة، على أن الأزمة الدستورية التي أنهكت الحضارة الإسلامية على مر العصور لم تكن جرَّاء فراغ في التنزيل القرآني، أو نقص في الهدي النبوي الدال على النظام السياسي الرشيد، وإنما كانت وراءَ ذلك أسبابٌ تاريخية وثقافية. فالفهم السديد للأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية يكمن في أمرين:

أولهما البحث في الفراغ السياسي في جزيرة العرب التي ولد فيها الإسلام، وليس في البحث عن فراغ تشريعي في النص الإسلامي. فضعف تقاليد السياسة والدولة والنظام في ثقافة العرب قبل الإسلام أثر تأثيراً سلبيا جدا في الطريقة التي تم بها تلقي القيم السياسية الإسلامية، وفي عجز المسلمين الأوائل عن المحافظة عليها لفترة طويلة، فاتسمت تجربتهم السياسية بالهشاشة المؤسسية، رغم عظمتها الأخلاقية.

والأمر الثاني هو تأثير الاستبداد الإمبراطوري المحيط بالجزيرة العربية، والضاغط على القيم السياسية الإسلامية معنويا وبنيويا. وهو ما أثمر صراعَ قيم في أحشاء المجتمعات المسلمة، انحسرت فيه القيم السياسية الإسلامية ذات الطبيعة التعاقدية أمام القيَم الإمبراطورية ذات الطبيعة القهرية، في عصر كانت تسود فيه الروح الإمبراطورية العالم كلَّه. ولم يكن المسلمون بدعاً في هذا التراجع القيَمي، فقد انحسرت قبل الإسلام بقرون القيم الديمقراطية في أثينا، ثم في روما الجمهورية، أمام الروح الإمبراطورية، وظلت تنتظر في شكل إمكان تاريخي كامن، حتى تفتَّقت أمامها فرص التحقق واقعاً مَعيشاً مع النهضة الأوربية الحديثة.

تناول القسم الثاني من هذه الدراسة -بفصليه الثالث والرابع – حركة القيم السياسية الإسلامية في الزمان، وتفاعلها مع المكان، من خلال فحص السياق التاريخي الذي ولد فيه الإسلام، وما كان لذلك السياق من أثر بالغ في انهيار النموذج السياسي الذي تأسس على قاعدة من القيم السياسية الإسلامية، وعاش أربعين عاما فقط هي عمر الدولة النبوية والخلافة الراشدة، ثم تأثير ذلك السياق في فهم الناس لقيم الإسلام السياسية، والتشويش على نصاعتها الأخلاقية، وتعطيل إلزاميتها القانونية.

ففي هذا القسم بيانٌ للفراغ السياسي العربي الذي ولدت فيه الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، والبيئة الإمبراطورية التي كانت محيطة بتلك الدولة الوليدة. ويهدف الفصلان اللذان يتألف منهما هذا القسم إلى تحقيق فهم أفضل لأثر السياق التاريخي في تلقي القيم السياسية الإسلامية وتنزيلها على الأرض، من خلال التأمل في ذلك السياق الذي تفاعلت معه تلك القيم وانفعلت به. فإذا كان القسم الأول من الدراسة أقرب إلى فلسفة السياسة، فإن القسم الثاني أقرب إلى فلسفة التاريخ، لأنه يتتبع حركة القيم السياسية الإسلامية في سياقات الزمان والمكان.

أما القسم الثالث من الدراسة -بفصليه الخامس والسادس – فقد سعى إلى تلمس الطريق لإخراج الحضارة الإسلامية من أزمتها الدستورية، فوجد أن هذا الإخراج لا يتم إلا بتوفر شرطين اثنين، أولهما: الانتقال “من الفتنة إلى الثورة”، بمعنى تحرر المسلمين من هواجس الخوف من الفتنة الذي تحكَّم في مزاجهم الثقافي والسياسي عبر القرون، وتبني الفعل الثوري الذي يرفض التعايش مع الاستبداد والقهر السياسي. وقد كان ذلك موضوع الفصل الخامس. أما الشرط الثاني فهو الانتقال “من القيَم إلى الإجراءات،” بمعنى تفعيل النصوص السياسية الإسلامية في واقع الحياة المعاصرة، من خلال ترجمتها إلى مؤسسات سياسية وإجراءات عملية، وذاك موضوع الفصل السادس الأخير.

أوضح الفصل الخامس مركزية الفتنة الكبرى، وأثرها التأسيسي في التاريخ السياسي الإسلامي، ثم عرَّج على الثورات الحجازية والعراقية الموءودة في القرن الأول الهجري، مبيناً كيف أدَّى فشل تلك الثورات، وما صاحبَها أو أعقبها من تقتيل وتنكيل، إلى زرع تشاؤم دفين في الضمير المسلم من أي مسعىً سياسي إصلاحي مهما يكن واجبا، ومن أي ثورة على الظلم السياسي مهما تكن متعينة. وأدرج الفصل هذا الموقف المتوجس ضمن معادلة “الواجب” و”الواقع” التي واجهها خيار أهل الإسلام، فجعلتهم يقبلون الملك القهري بعقولهم ضرورةً مصلحيةً، وإن لم يقبلوه بقلوبهم مبدأً شرعيا.

وقد توصل هذا الفصل إلى رصد ظاهرة جديدة في الثقافة السياسية الإسلامية، برزت أظهرَ ما تكون في ثورات الربيع العربي منذ بضعة أعوام، وهي تحرر الشعوب المسلمة -أخيرا- من مواريث الفتنة الكبرى وذيولها، وتغلبها على هواجس الخوف من الفتنة الذي تحكَّم في الثقافة السياسية الإسلامية منذ صفقة عام الجماعة. فقد تلاشى هذا الخوف من النفوس، وحلَّت محلَّه ظاهرة نفسية-ثقافية جديدة، هي الوقوف في وجه الظلم السياسي، وخوض حرب وجودية ضده.

وقد سعى الفصل الخامس إلى تقديم عبرة الثورات الكبرى في التاريخ المعاصر، لتكون زادا لثورات الربيع العربي، وتوصل إلى أن هذه الثورات ماضية إلى سبيلها، رغم كل ما صاحبها من ارتباك واضطراب. فقد دلت عبرة تاريخ الثورات المعاصرة -الذي استعرض هذا الفصل طرفاً منه- على أن الثورات العربية ستسلك -على الراجح- ثلاث طرائق إلى غاياتها، هي: الإصلاح الوقائي الذي يلتقي فيه الحاكم والمحكوم في منتصف الطريق، والحرب المفتوحة الطويلة التي تنهك المستبدين وتنقل الشرر إلى مظاهريهم الخارجيين فيضطرون إلى النزول عند إرادة الشعوب، و”الانقلابات العسكرية الديمقراطية” التي قد تظهر في هذا البلد أو ذاك إنقاذاً للموقف من انهيار شامل.

أما الفصل السادس والأخير، فهو يتناول الشرط الثاني لخروج الحضارة الإسلامية من أزمتها الدستورية، وهو الانتقال من القيم إلى الإجراءات، بمعنى ترجمة القيم السياسية الإسلامية المنصوصة التي عرضت في القسم الأول من الدراسة إلى مؤسسات وإجراءات دستورية منسجمة مع منطق الدولة العقارية المعاصرة.

ثم قدم الفصل معايير لإسلامية الدولة المعاصرة في شكل جدول يترجم القيم السياسية الإسلامية المنصوصة في القرآن والسنة إلى أحكام دستورية عملية في دولة معاصرة، مبيناً أن الحد الأدنى لإسلامية الدولة يتضمن شرطي الشورية: بأن تكون الدولة ديمقراطية، والمرجعية: بأن تستند الدولة إلى النص الإسلامي أخلاقا وتشريعا، مع ضرورة التمييز بين الالتزام الأخلاقي والإلزام القانوني، وأهمية الانتقال من ثقافة الإكراه والقهر والزجر إلى ثقافة الإقناع والتراضي.

وقد أفاض الفصل في الحديث عن الديناميكية الثقافية التي ظهرت في صدر الإسلام، وضرورة استلهامها في الزمن الحاضر، من خلال استثمار المحفز الغربي، خصوصا في مجال المؤسسات والإجراءات السياسية الذي هو مجال تراكميٌّ متحرك، ويحتاج المسلمون الاستمداد فيه من الأمم التي سبقتهم على درب التطور السياسي. فلا يمكن حل الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية إلا عبر استمداد واسع من الكسب النظري والعملي الذي توصلت إليه الأمم الغربية الديمقراطية، وهذا الاستمداد سيثري ثقافة المسلمين إذا تعاملوا معه بتواضع المتعلم، وثقة الراشد، بعيداً عن عقد الدونية أو الاستعلاء، وسينبههم هذا الاستمداد على إمكانات معطَّلة في دينهم ما كانوا لينتبهوا إليها دون ذلك. وقد أكد الفصل ضرورة أن يَبذر المسلمون في تربتهم الثقافية الخاصة، وأن يتملَّكوا ما يستمدونه من حضارات وثقافات أخرى، فاستعارة الفكرة في ذاتها لا تكفي لجعلها زاداً صالحاً، بل يتعين تملك الفكرة، ونقعها في رحيق الثقافة المستعيرة، وإخضاعها لمنطقها الأخلاقي والعملي.

إن إيجاد حل للأزمة الدستورية المزمنة في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة أصبح اليوم ضرورة إسلامية وإنسانية أكثر من أي وقت مضى. فهو ضرورة إسلامية من حيث الحاجة إليه في وقف نزيف الدم الحالي في العالم الإسلامي، وبناء الحد الأدنى من التوازن في المجتمعات الإسلامية التي أضناها التمزق والصراعات الوجودية بين الحكام والمحكومين. وهو ضرورة إنسانية من حيث حاجة البشرية إلى قيم الإسلام لتجديد نضارة الحضارة الإنسانية، التي نخرتها الفلسفات الذرائعية والنسبية والعدَمية المعاصرة، وعانت من انبتات الوسائل السياسية عن غاياتها الأخلاقية والإنسانية، وإلى مجتمعات مسلمة متصالحة مع ذاتها ومع بقية البشرية. فإخراج الحضارة الإسلامية من أزمتها الدستورية لن تكون ثمرته مقتصرة على المجتمعات المسلمة، بل سيكون إسهاما في حل أزمة الحضارة الإنسانية المعاصرة.

—————————————————

تأليف: محمد المختار الشنقيطي

 سعر الكتاب: 50 ريال- غلاف عادي/ 60 ريال غلاف مقوى

عدد الصفحات: 607

سنة النشر: 2018

مكان البيع: مبنى منتدى العلاقات العربية والدولية (رقم 28) الحي الثقافي – كتارا / مكتبة جرير /فروع الشبكة العربية للأبحاث والنشر بجميع الدول