عرض كتاب (نحو تنوير إسلامي، حركة فتح الله غولن)

صدر عن منتدى العلاقات العربية والدولية بالدوحة مؤخرًا كتاب بعنوان:”نحو تنوير إسلامي، حركة فتح الله غولن”، تأليف حاقان يافوز، وترجمة شكري مجاهد، في 383 صفحة.
الكتاب دراسة عن حركة فتح الله غولن ومؤسِّسها، وقد قسّم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة أبواب، أما الباب الأوّل فأفرده للحديث عن شخصية المؤسس للحركة (فتح الله غولن)، إذ ذكر مولده ووطنه وتعليمه الأولي، وظروفه الاجتماعية، حيث ولد عام 1941م، لأسرة محافظة، في منطقة: (أرض روم)، وهي منطقة يعيش فيها مسلمون ومسيحيون معًا، كما أنها لا تخلو من مهاجرين قوقاز أقاموا فيها، فكانت موطنًا تعدديًا، وفيها تلقى تعليمه الأولي الذي لا يخلو من نزعة صوفية بحكم البيئة التركية.
تأثر غولن كثيرًا بأطروحات الداعية الكاتب الواعظ المؤثر الشهير بديع الزمان النورسي، ثم أصبح إمامًا لمسجد من مساجد أدرنة، ثم عُني بتعليم الطلاب بعد ذلك العلم الشرعي، والتفت إلى مسألة: كيف نعلم الناس بالقدوة.
اعتقل غولن مدة من الزمن مع مجموعة من المهتمين باتباع أفكار بديع الزمان النورسي بتهمة “الانضمام إلى جماعة دينية سرية”، ثم أفرج عنه بعفو عام، وعاد بعد ذلك إمامًا لمسجد في منطقة إدرمد، وانطلق في نشر تسجيلات صوتية لمواعظه ودروسه، وطوّف في مناطق الأناضول يحاضر ويحتكّ بالناس بهدف تربية جيل تركي مسلم، ولم يخل ذلك كله من مجابهة شديدة، وهجوم من القوى العلمانية على غولن وعلى فكره، حتى خرج من تركيا، واستقر به المقام في بنسلفانيا في الولايات المتحدة عام 1999م، وبقي فيها حتى الآن.
في الباب الثاني، أوضح المؤلف محورية شخصية غولن في تأسيس حركته، فهو كاتب بارع، ذو قدرات فكرية، وهو كذلك قيادي ذكي يستطيع الإقناع والتأثير وإقامة العلاقات الإيجابية مع الأفراد، كما هو قادر على إقامة شبكات للعمل بهدف خدمة تركيا، في كافة المجالات، ولهذا لا يمكن وصف حركته بأنها “تنظيم” أو “حزب” بالمعنى التقليدي للتنظيم والحزب، ذاك أن “الانضمام” إلى تلك الحركة لا يكون عن طريق “عضوية” أو “اشتراك”، بل هو بالعمل على قدر الوسع والطاقة، لذا؛ يمكن القول إن حركة غولن هي – غالبًا – تيّار، يؤثر في الناس، ويهتم أكثر ما يهتم بالفعل والسلوك عن طريق ما يسميه غولن “الخدمة”، وما تحتاجه من “همّة” و”إخلاص”.
أما طريقة العمل فهي في الغالب مبنيّة على إقامة “شبكات” متعددة الاهتمامات، شبكات تهتم بالتعليم، وأخرى بالاقتصاد، وثالثة بالتربية، وهكذا، غير أن التعليم ينال الحظ الأكبر من اهتمام غولن لإخراج “جيل ذهبي” يفهم الإسلام فهمًا عصريًا، ويعيش به في مواجهة التحديات، ولهذا تنتشر المدارس التي تحمل هذا الفكر في جميع أنحاء تركيا، وهي مشهود لها بجودة التعليم وكفاءة المعلمين.
كما تهتم حركة غولن بالنواحي الاقتصادية والسوق، مع الحرص على الأطر الأخلاقية الإسلامية، والاهتمام بالتنمية الاقتصادية، إذ لا بد من قيام شبكات اقتصادية تنافس الشركات العالمية.
كل هذا مع ضرورة تفعيل الإسلام في الفضاء العام التركي – وهو ما خصص له الباب الثالث -، من حيث هو الجزء الأهم من هوية الشعب التركي، ومن هنا لا يفوت غولن دائمًا طرح كل تلك المشكلات التي تواجه الإسلام باسم العلم والفلسفة وغيرهما فيقدم وجهة نظره تجاهها، ليؤكد أنه لا صراع بين الإسلام والعلم، فحقائق الدين لا تعارض حقائق العلم، كما أن الإسلام لا يعارض الديمقراطية.
يغطي الكتاب عددا من الموضوعات المهمة التي لا يستغني عنها من يريد معرفة المجتمع التركي وليس فقط هذه الحركة، كما يطل على الصراعات السياسية والفكرية في مجتمع يقوى وينمو ويعطي القارئ العربي المزيد من الاطلاع على ما يثور في تركيا من تفاعلات. كما أن الكتاب لا ينحاز لطرف دون آخر في الصراع الدائر اليوم بين الحركة والحكومة ولا العلاقة مع الجيش.
ويقدم المؤلف في نهاية الكتاب استعراضًا لأهم من نقدوا حركة غولن، من العلمانيين الكماليين، أو من الإسلاميين المخالفين لها، من حيث المبادئ أو من حيث الممارسة.
هذا، وقد حرص المؤلف في هذا الكتاب على تتبع أقوال غولن في كل الموضوعات التي طرحها، كما استشهد بأقوال بعض المنتمين إلى الحركة، ولم يفته كذلك الاستشهاد بأقوال خصومها.