أثر ثورة النفط والغاز الصخريين في أمريكا الشمالية على الخليج


كتب الأستاذ أنس الحجي دراسة استشرافية[1] لواقع ومستقبل النفط والغاز كان أهم ما فيها ما يلي:

الثورة غير المسبوقة التي يشهدها قطاع النفط والغاز في أمريكا الشمالية، يؤكدها الخبراء الآن ويجمعون على أن المستثمرين الباحثين عن الربح عليهم التوجه لتلك المنطقة التي قلبت الوضع بعد اكتشاف النفط والغاز الصخريين، وستكون لهذه الهزة موجات ارتدادية عالمياً لابد أن تطول قطاع الطاقة الخليجي.

إنتاج النفط والغاز أخذ يرتفع بعد انخفاض استمر سنوات عدة. في المقابل هبطت واردات النفط إلى الولايات المتحدة التي كانت تستورد الغاز المسال منه، والآن تبني محطات خاصة بتصديره، وبحلول العام المقبل من المتوقع تحولها إلى مصدّر لهذه المواد.

أثرت هذه التحولات في توجهات تجارة النفط العالمية ودول أوبك، خصوصاً في دول الخليج وغرب أفريقيا، ومن المتوقع تفاقم هذا التأثير في السنوات المقبلة ليشمل صناعة البتروكيماويات الخليجية التي ستنافَس من قبل الصناعات الأمريكية بسبب الانخفاض الشديد في أسعار الغاز الطبيعي والسوائل الغازية والمكثفات، فبعد ثورة الغاز الصخري أصبحت الولايات المتحدة جاذبة لمثل هذه الصناعات بعد أن كانت طاردة لها.

التغيير كان في الطلب على النفط وليس في إنتاجه وحسب، فهذه أول مرة ينخفض فيها الطلب عليه في فترة نمو اقتصادي،ففي الولايات المتحدة تراجع الطلب على النفط بمقدار 2.2 مليون برميل يومياً في حين زاد إنتاج النفط فيها بمقدار 3.8 برميل يومياً منذ عام 2007 مما يبرر انخفاض صافي وارداتها بمقدار 5.3 مليون برميل يومياً.

وفي كندا سجل إنتاج النفط ارتفاعاً بمقدار 900 ألف برميل يومياً منذ 2007 ليصل اليوم إلى حدود 3.5 مليون برميل يومياً، ويجري حالياً بناء أنابيب عبر الولايات المتحدة إلى خليج المكسيك، وتعديل بعض الأنابيب لنقل النفط إلى الساحل الشرقي لكندا مع خطة لمد الأنابيب إلى ولاية بريتش كولومبيا في الغرب ومن ثم إلى آسيا.

كل هذه التطورات تنجم عنها الآثار التالية:

تراجع واردات النفط إلى أمريكا وكندا، من النفط الخفيف الذي زاد إنتاجه في أمريكا كون نفطها كله من هذا النوع، أدى ذلك إلى انخفاض استيرادها لهذا النفط في كل من أنغولا والجزائر ونيجيريا، ولم تتأثر دول الخليج بشكل مباشر كون استيراد أمريكا منها يعتمد على نوعية نفطها الثقيل.

زيادة صادرات المنتجات النفطية: يحظر القانون تصدير النفط الأمريكي الخام، إلا أن بعضه يباع لكندا بموجب اتفاقيات خاصة. أسهم هذا الحظر في زيادة المعروض من النفط، وانخفاض أسعاره داخل الولايات المتحدة مما شجع المصافي على تكرير النفط الرخيص وتصديره للاستفادة من الأسعار العالمية المرتفعة. يعني هذا التزايد أن المنتجات النفطية الأمريكية ستنافس الخليجية وهو ما سيؤثر في اقتصادات المصافي الضخمة التي تبنى الآن في دول الخليج.

تصدير النفط الخام الأمريكي محظور دون أمر رئاسي أو تصريح من وزارة التجارة لبيعه في الخارج، وبرغم مطالبات شركات النفط برفع الحظر لازال الكونغرس يعارض بشدة. وإذا افترضنا أن الحظر رفع في مرحلة قادمة، فإن آثاره ستكون محدودة لاقتصار التصدير على النفط الخفيف، إلا أنه سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام الأمريكي وبالتالي تراجع صادرات المنتجات النفطية. أما إذا استمر الحظر على ماهو عليه فإن المؤسسات النفطية الأمريكية ستقتصر على بيعه للمكسيك بموجب اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا، المكسيك الآن تستورد 800 ألف برميل من الدول المصدرة للنفط الخفيف0 خصوصاً في غرب أفريقيا وشمالها، فإذا استوردت هذه الكميات من جارتها الشمالية فإن ذلك سيشكل ضربة لكل من أنغولا والجزائر ونيجيريا.

هبوط واردات السوائل الغازية والمكثفات وارتفاع صادراتها: قد تكون زيادة صادرات السوائل الغازية كالبروبان والبوتان والجازولين الطبيعي إلى أمريكا الوسطة واللاتينية وكندا هو أخطر أثر لثورة النفط والغاز الصخريين الأمريكية. لسببين الأول أن هذه المنتجات بدأت تحل محل صادرات الخليج كونها أقل سعراً، ومن المتوقع حدوث زيادة ضخمة في انتاجها في الولايات المتحدة مما سيؤدي إلى مزيد من الصادرات، وبالتالي خسارة  دول الخليج أسواقها في أمريكا الوسطى واللاتينية. والسبب الثاني يتمثل في توقع ارتفاع إنتاج الجازولين الطبيعي الذي تحتاجه كندا لمزجه مع نفطها الثقيل وبذلك تتمكن من رفع صادرتها النفطية ومنافسة نفط الخليج. بالإضافة لمزجه مع النفوط الأخرى مصافي أمريكا وزيادة إنتاجها هي الأخرى.

تشكل هذه المنافسة الأمريكية في الانتاج معضلة حقيقة لدول أوبك والخليج خاصة ؛ لأن أوبك زادت وستزيد إنتاجها لهذه السوائل بمعدل يفوق إنتاجها في أي مادة أخرى،  ليس بسبب وجود سوق لهذه المادة ولكن لأنها تدخل في الحصص الإنتاجية التي تطبق على النفط الخام فقط وتسعر بناءً على أسعاره دون أن تدخل في حصص الغاز وأسعاره لكونها منتجات نفطية، وتستخدم في كثير من الصناعات البتروكيماوية.

زيادة إنتاج النفط الكندي: وتشكل هذه الزيادة خطورة على نفط الخليج أكبر من زيادة إنتاج النفط الأمريكي؛ لأنه نوعية مماثلة لما تستورده الولايات المتحدة من الخليج من جهة، وبسبب إمكانية تصديره عالمياً من جهة أخرى، وهي ميزة لا يتمتع بها النفط الأمريكي ذي النوعية المختلفة والمحظور حتى الآن تصديره كخام عالمياً، وتتركز خطورة النفط الكندي في أمرين: الأول أنه قد يصدر من خليج المكسيك عن طريق الأنابيب التي تنقل النفط من ألبرتا في كندا إلى ولاية أوكلاهوما الأمريكية. والأمر الثاني فهو تصدير النفط من غرب كندا حيث سيكون عبر أنابيب يمكنها نقل 1.2 مليون برميل يومياً بعد 2018 و يتفق عليها حالياً.

نصيب أسواق الغاز العالمية:

ارتفع إنتاج الغاز الأمريكي بنسبة 36% منذ عام 2005،  ما أدى إلى انخفاض صافي الواردات بنسبة 56%، وانخفاض واردات الغاز المسال بمقدار 83% في الفترة نفسها، كما نتج عنه هبوط كبير في أسعار الغاز ، ويتوقع زيادة انتاج الغاز وتناقص تكاليف انتاجه وزيادة صادراته الأمريكية مما سينتج عنه الآثار التالية:

انخفاض أسعار الغاز الطبيعي بشكل كبير، مما سيساعد على عودة صناعة البتروكيماويات إلى الولايات المتحدة بعدما كانت تهرب منها مما سيشكل خطراً على غاز الخليج، لأن الولايات المتحدة تعد حالياً المركز الوحيد خارج الخليج الذي يستخدم مادتي الإيثان والميثان الرخيصتين في صناعة البرتوكيماويات بينما تستخدم مادة النافثا الباهظة الثمن في صناعة البرتو كيماويات الآسيوية والأوروبية.

انعدام الطلب على الغاز المسال: تعد دولة قطر الخاسر الأكبر من ثورة الغاز الصخري الأمريكية لأنها لن تؤدي إلى تراجع واردات الغاز المسال فحسب بل إلغاء كل الطلبيات المتوقعة في العقود المقبلة للغاز القطري المسال. وبالفعل تم إيقاف العمل في محطتين لاستيراد الغاز تملكهما قطر بالشراكة مع بعض الشركات العالمية، من المقرر أن تبدأ الولايات المتحدة تصدير الغاز المسال في 2015 أو 2016، وفي حال فاقت ثلاثة مليارات قدم مكعب سيغرق السوق، وتتراجع الأسعار.


[1] مجلة آفاق المستقبل، السنة الرابعة، العدد 20، أكتوبر/نوفمبر/ديسمبر 2013، ص 66