إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة عند طه عبد الرحمن (3)

باحثة في سلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، ومهتمة بمجالات الفكر الإسلامي والسياسي والفلسفي.

26 يوليو , 2015


الجزء الأول

الجزء الثاني

مدخل:

المحور الثالث: نقد دعوى الإسلاميين (الديانيين)[1]:

بدأ د. طه نقده للتوجهات الإسلامية في العمل السياسي في بواكير كتبه “العمل الديني وتجديد العقل” رغبة منه في توجيه مسار “اليقظة الدينية” أو ما يسمى بـ “الصحوة الإسلامية”، وحينها أسس دعائم مشروع التزكية الصوفية بالجمع بين التجربة الإيمانية الحية والاستناد على المناهج العقلية والمعايير العلمية، ثم ما لبث أن وجه سهام النقد لحركة “تسييس الدين” بتعبيره في كتابه “سؤال الأخلاق[2]، حيث رأى أن “تسييسَ الدين” مقاربٌ لمقتضى الثقافات الأجنبية العلمانية، لأنه يقتل في النفس القيم التي ترفع الهمة ويستبدل مكانها قيما مادية لا مطمع في الآخرة من ورائها، وفي هذه المرحلة، أي قبل أكثر من اثنتيْ عشرة سنة من تأليف كتاب “روح الدين”، أقر طه بأن اتجاه “تسييس الدين” يُضَيِّقُ أفقَ دعوة الإحياء الإسلامي بما لا مزيد عليه، إن لم يخرج بها إلى نقيض مقصودها، ليقرر وقتها أن السياسة التي يجوز أن توافق الدين لا تكون إلا السياسة الأخلاقية لإصلاح فئات المجتمع، وليست السياسة اللا أخلاقية لحيازة السلطة[3].

     لكن في “روح الدين” جاء نقده أكثر تفصيلا خصوصا بعد تطور حركات “الإسلام السياسي” بشقيها السني والشيعي، وتأسيسها نماذج معرفية ومؤسسات عملية على أرض الواقع، ولا يمكن فهم نقد طه للدعوى الإسلامية دون العروج على نهجه في نقد الدعوى العلمانية[4]، والتي تقول بالفصل بين الدين والسياسة، وكذا أطروحته الائتمانية التي ختم بها كتابه “روح الدين“.

وقد سبق معنا أن التصور الائتماني يقوم على أن الدين والسياسة طريقان متناظران في تدبير مختلف النشاطات، وقد أقام د.طه التقابل بين التدبير الديني والتدبير السياسي بناء على التنظير الخلدوني للخلافة والسياسة، فلكأنه ألحق التدبير الديني بالخلافة والتدبير السياسي بالملك السياسي، ولما انتقد طه من رام تنزيل المنهج السياسي التسيدي في التدبير كالعلماني، فإنه لم يستثنِ المنهج الديني التعبدي في التدبير عند الإسلاميين أو “الديانيين” باصطلاح طه.

فما هي الانتقادات التي وجهها د. طه للإسلاميين؟ وهل الإسلاميون على نهج واحد؟ أَلم يعرف الإسلاميون مراجعات في بنيتهم الفكرية وتطورات حتى صار الاتجاه الواحد اتجاهات؛ فما هو الثابت في فكرهم من المتغير؟ وكيف يمكن مجاوزة أطروحات الإسلاميين إلى أطروحة أكثر توافقا مع “الدين”؟ وهل يعتبر تصور طه البديل ناجعا واقعيا؟ وما هي إشكالاته المعرفية والعملية؟

لتحميل الدراسة كاملة

pdf-icon2

——————————————————————

[1]– والناظر للكتابات التراثية سيجد استعمالات للدياينين قريبة لاستعمال طه، حيث كان يطلق على الإسلاميين الديانيين؛ يقول أبو حيان التوحيدي: “وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من الديانين الذي يصلحون أنفسهم ويصلِحون غيرهم بفضل صلاحهم” ، ويقصد بالديانين أهل الإصلاح من ذوي العلم والمعرفة الدينية. الإمتاع والمؤانسة، تح: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2003، ص23، لكن سأستعمل في المقالة مصطلح “الإسلامي” بدل “الدياني” الذي استعمله طه عبد الرحمن نظرا لاتحاد المعنى ورفعا للتشويش الذي يثيره استعمال مفهوم “الدياني”، والله أعلم.

[2] – سؤال الأخلاق، ص78.

[3] – سؤال الأخلاق، ص79.

[4] – ينظر الجزء الثاني من هذه الدراسة والمخصص لنقد الدعوى العلمانية، http://fairforum.org/?p=2608