إعادة بناء مفهوم الأمة: التحولات والتصورات

جامعة القاهرة

26 مايو , 2014


تصاعد الاهتمام بمفهوم الأمة في القرن العشرين نتيجة الحراك الفكري الذي أثمره صعود “عصر الأيديولوجيات” كما نسميه، فقد أدى بزوغ الفكر القومي العربي والخلاف حول أسس وحدود مفهوم الأمة بينه وبين تيارات الفكر الإسلامي؛ فضلا عن ظهور أدبيات اليسار عن دولة البوليتاريا، بالتوازي مع بروز الدولة القُطرِية كنموذج تحت الاستعمار ثم بعد الاستقلال، أدّى إلى انصراف الكثير من الجهود باتجاه “تحرير المفهوم” أي تأصيله، سواء أكان بتقديم رؤية قومية عربية لمفهوم الأمة، أم صناعة رؤية وطنية حداثية قُطرية، أم برؤية إسلامية تستعصم بالجوهر الديني للمفهوم وتسعى لاحتواء الرؤية القُطرية والقومية.

نشأة وتحولات المفهوم

وقد وصلت الحوارات تارة والصراعات تارة أخرى بين تلك التوجهات الفكرية وما أثمرته من تجارب سياسية إلى قدر من الاستقرار بنهاية التسعينيات، فقد قبل القوميون مع امتداد الحركات السياسية والاجتماعية الإسلامية أن المكون الإسلامي – عقديا وثقافيا – مكون هام من مقومات مفهوم الأمة العربية، وقبل الإسلاميون أن العروبة والوطنية مفاهيم لا يلزم القفز عليها بل يمكن اعتبارها مكونات أصيلة في حلقات ودوائر الهوية وتعريف الذات، وأدرك دعاة الوطنية أن الهوية مفهوم معقد لا يمكن اختزاله تحت سقف المواطنة القانوني، وأنه أرحب من ذلك، دون أن يهدد الانتماء لوطن ما في رقعة متسعة ينتمي لها الفرد حضاريا. ويمكن الرجوع إلى حوارات ونقاشات المؤتمر القومي الإسلامي في دوراته المتتالية وما أسفر عنه من توافقات، رغم أنها بقيت توافقات نُخب للتيارات وظلت القواعد (وبخاصة الشبابية) بعيدة عنها، حيث سعى كل تنظيم وحزب للحفاظ على تماسك كوادره حول منظومته الخاصة حتى وإن أدرك الحاجة إلى مد الجسور مع التيارات الأخرى لظروف السياسة.

 تصورات الأمة والدولة

وباستعراض العديد من الأدبيات التي لا مجال للتفصيل فيها؛ نجد أن ظلال ارتباك العلاقة المفاهيمية بين خريطة مفهوم الدولة القومية وخريطة مفهوم الأمة ظلت قائمة، بما دفع البعض إلى التأكيد على الدولة تارة كتراكم أسمى لقوة الدولة ( المودودي مثالا)، وفي المقابل نجد حذرا من الدولة تأثرا بواقع هيمنة الدولة المركزية في العالم العربي بعد الاستقلال وتقديم الأمة كحقيقة أخلاقية وحضارية وتاريخية أسمى (منى أبو الفضل ومحمد عمارة كمثال). وهناك التنظيمات الإسلامية التي قامت بعد سقوط الخلافة تطالب بعودتها وتجعل ذلك غايتها والتي اعتبرت أن بناء الأمة هو مقدمة استعادة الدولة، وذهب بعضها الأكثر راديكالية إلى أن الوصول إلى الحكم هو سبيل بناء الأمة.

كل هذه التصورات سنجد الخيط الجامع بينها إشكالية موازنة الأمة والدولة، فالحقيقة الثقافية للأمة بقيت قائمة في حين أَربَك سقوط الخلافة الجميع، وبقي خيال إقامة الدولة الإسلامية مرتبطا بمواقف متنوعة من الدولة القومية التي كرست وجودها واقعًا مهيمنًا على الأرض، وعلى الخيال. وبالقطع كان الضلع الثالث للتفكير هو الاحتلال والعلاقة بالغرب، والذي بقي بعد إعلان استقلال الدول القومية متحكما في خرائط العالم ومتحديا فكرتَيْ الأمة والدولة في أي تصور للمستقبل.

والملاحظ أن بعض الدراسات الغربية تبنت نفس التصور، “إرنست جيلنر” كباحث اجتماعي متخصص في دراسة مجتمعات العالم الإسلامي أراد أن يجعل الأمة مفهوما نمطيا مثل تنميطه الشهير لصورة “لإنسان الحداثي”، ومرة أخرى يقرن جيلنر الدولة بجدل الأمة، فقد ذهب أن مفهوم الأمة يمكن استعارته من التصور الإسلامي كنموذج لمجتمع مدني يتجاوز الانقسامات الجهوية، لكن هذا المجتمع المدني لا يزدهر إلا في ظل دولة قوية.

المفهوم وافتقاد بعدي العالمية والبشرية

في ظل هذا الجدل بقي تصور الهوية الأوسع بمعنى  انتماء الإنسان إلى هذه البشرية متواريا، ولم يجد مفهوم المواطنة العالمية حفاوة تليق به، ولم يخضع للكثير من النقاش، إما لضغط الانشغال بنقد العولمة التي ارتبطت بالهيمنة الرأسمالية الدولية من قبل كل التيارات السابقة، أو لاعتباره فكرة طوباوية يغلب عليها الرومانطيقية بالنسبة لبلدان العالم الثالث التي ما زالت تناقش قضايا الهوية والثقافة والسياسة في مساحاتها المكانية بما لا يسمح لها بالنظر لما وراء ذلك من أبعاد مؤجَلَة.

والأمر لا يتعلق هنا بفكرة المواطنة العالمية ذاتها أو بالعولمة كمجال لعلاقات هيمنة، إنما يتعلق بالحفاوة التي لقيها مفهوم الأمة على حساب مفهوم الناس والإنسان في العقل العربي بمدارسه، واعتبار التيارات الفكرية الاسلامية واليسارية أن هذا المسار إما تكريس لليبرالية أو إعلاء للفرد على المجموع الذي يسعون لتأكيد وشائجه، وهكذا بقي النظر للرابطة السياسية أسيرا لفكرة الأمة بمستوياتها.

ويسعى هذا المقال لاستعادة الخيال النظري وتصور الأمة الإسلامية من هذا الارتباك وإعادة تأسيسه على قاعدة مفاهيمية تتمايز عن الدولة القومية القطرية الحداثية من جهة، ثم ربطه بالواقع الجغرافي والعملي من ناحية أخرى.

ويمكن اقتراح ثلاثة مفاهيم للبدء بإعادة بناء مفهوم الأمة:

مفهوم الفطرة: الذي يضع الأمة كرابطة عقدية وإيمانية في سياقها الإنساني الأوسع ورسالتها العالمية؛ كمنطلق وليس كمنتهى، أي التحرك على أرضية المفهوم منذ البداية باعتباره قرينا لمفهوم الناس كما نصت آية “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، وهو ما حاولت د.منى أبو الفضل تلمسه في مفهومها عن “الأمة القطب”، لكن التركيز هنا يكون على الأصل لا على الدور، وإذن نفهم رؤية القرآن  للناس وبني آدم  والطبيعة الإنسانية ابتداءً، وهي المبحث المركزي في كل الفلسفات والنظريات السياسة والاجتماعية المعاصرة.

مفهوم العالمين: وذلك لإخراج تصور الأمة من أسر الدولة لفهم ما يقترب من تصور الفارابي عن المعمورة الفاضلة؛ فكيف يمكن تصور الأمة الإسلامية كحقيقة أخلاقية دون أن نقع في وصم كل ما هوغير إسلامي بأنه غير أخلاقي (كما فعل سيد قطب في المعالم على سبيل المثال-حلف الفضول كنموذج للفهم)؟، أي كيف يمكن فك الارتباط بين الجوهر الأخلاقي للأمة الإسلامية وهذه الغلبة لعداء مستأصل مع كل ما هو غير ذلك، كي يمكن عبور فجوة الانشغال بفقه الجهاد الحربي إلى فقه الجهاد الحضاري السلمي، دون إنكار أو تعامٍ عن واقع الصراع الدولي والأدوات المختلفة للتعامل معه؟.(سعى الدكتور القرضاوي لذلك في كتابه “الجهاد” الذي صدر 2009 ليتوج فقهاً غزيرا برؤية أوسع للجهاد، وعلى ذلك أسست د.نادية مصطفى تصورها عن “الديمقراطية العالمية” بتقديم مفهوم الجهاد فيه كمفهوم حامل لرؤية العدالة الدولية).

مفهوم المجتمع المدني العالمي: الذي سمح نظريا بتجاوز فكرة “القومية المنهاجية” ليقدم أفقا جديدا للتفكير في العولمة من منطلق الحركات والأفراد والأفكار والتدافع مع فكرة العولمة التي زعمت تجاوز الدولة لكنها في الحقيقة حجبتها ولم تتحدها ولا رصدت تحولات الدولة ومنطقها وطرق عملها قطريا ودوليا في علاقتها بالمجتمع والسوق. وقد حاول مشروع المجتمع المدني العالمي بجامعة لندن عبر 10 أعوام من 2003 إلى 2013  تجميع الباحثين من مرجعيات شتى للتفكير في تحولات العالمية وطبقاتها وتحدياتها وآفاقها، وحرص على الاستماع للرؤية الإسلامية في هذا المجال وما زال المفهوم قيد البناء وقيد مراجعة المنظومات المفاهيمية السائدة مثل الديمقراطية العالمية والحوكمة العالمية والحكومة العالمية وغيرها؛ وهذا يدفعنا للتفكير حول تجاوز بقاء الشغف المتزايد في حدود مقارنة الإسلام والغرب دون أدنى عناية ببحث مفاهيم الرابطة الإيمانية والثقافية والمواطنة من أمم منظور الجنوب والشرق.

 مفهوم المجال العام : بشقيه الدخلي والدولي، بناء على ما قدمه “هابرماس” من إسهام في تطوير فكرته المركزية عن “الفعل التواصلي”، وهي مساحة مهمة لتطوير رؤيتنا لدور الأمة باعتبار الفعل الدعوي بالأساس فعل تواصلي، والتحاور واللغة كأدة لبناء اتفاق على ملامح الإدارة المجتمعية والسياسية، وخلق توافق حول حلف فضول مجتمعي ومنه لحلف فضول دولي يتحدى هيمنة الدولة القومية على النظام الدولي.

والحق أن هذه الحزمة من المفاهيم تحتاج لتدقيق ونظر كي يمكن تطوير رؤيتنا للواقع عند بناء مفهوم “الأمة” في علاقته بتحولات معاني مفهوم “الناس”.

ويصعب على باحث العلوم السياسية أن يتصور بناء مفهوم متماسك للأمة دون استعراض تحولات عديدة مرت بها مجتمعاتنا الإسلامية بعد قرن ونصف من الاحتلال الأول ثم الكولونيالية الجديدة في ظل العولمة.

فمع أهمية التأكيد على الرابط الإيماني إلا أن التأمل في تصور علاقة “أمة الدين” ..”بالناس” يبدو مركزيا للتجديد المنشود والتغيير المأمول، وإعادة قراءة وثيقة المدينة تكشف عن تصور دقيق؛

فقد كتب رسول الله كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم :” بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم:

أنهم أمة واحدة من دون الناس

ثم بعد عدة فقرات نجد..

وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين .لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بن عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته .وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
وإن لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف.”

مفهوم الأمة بين المؤمنين والناس وأهل الكتاب في التصور الإسلامي مفهوم مركب الأبعاد..ودستور المدينة يصف الجماعات الدينية بأنهم أمة من الناس، ليُشكل منها كيانا تعاقديا يضم كيانات عضوية وعقائدية، أي بمعنى: الأمة السياسية، فإذا انتقلنا إلى مفهوم الناس في القرآن لنعرف أبعاده ومعانيه وجدنا مفهوم الناس بمعنى: البشرية جمعاء..إن قرآنا يخاطب الذين لا يؤمنون برسالة محمد بآيات مثل {يا أيها الناس} و{يا أيها الإنسان} و{يا بني آدم} يجدر بمن يحمله أن يتعلم كيف يخاطب الناس أجمعين والإنسانية كلها.

 خرائط الواقع وتصورات المستقبل

ثم تكون بعدها المهمة الأعظم: فهم خرائط الأمة في تحولاتها، من هجرات دولية ونشأة أقليات داخل أقطار غير إسلامية وتنامي تواجد عمالة مهاجرة لها حقوق داخل دول الأغلبية المسلمة، وظهور مظالم تستلزم تجميع الجهود على مستوى الناس من جهة العدالة الدولية والسِلم الدولي، وأثر قضايا البيئة على واقع المسلمين، وتحولات صيغ التدين وثورة تقنيات الاتصال بخيرها وشرها، وتنامي النزعات العرقية والمذهبية داخل نسيج الأمة باستحقاقات تاريخية تحتاج تسوية في ظل فهم أشمل للتوازنات الدولية، وخرائط التمدين الحضري وما تثمره من مشكلات عديدة في مجال الاقتصاد.

وينبغي أن نلتفت أنه في ظل مساعي بناء مفهوم الأمة كأساس لوحدة إسلامية عربية أخفقت تجاربها في حقبة الستينات في خطوة الوحدة القومية، وحتى مفهوم الدولة الإسلامية كمفهوم مركزي في الفكر الإسلامي المعاصرة ثار بشأنه تنازع منذ تأسيس دولة الباكستان ثم الثورة الإيرانية ثم لجوء أنظمة عربية لبناء شرعية دينية لتثبيت سلطتها على أركان استبدادية محضة، ونعتها بالإسلامية

جدل الدولة والدين والأمة والوحدة يحتاج للخروج إلى آفاق جديدة من حيث السقف واستكشاف واقع جديد تشكل عبر أجيال على الأرض، ونشأت في ظله مدارس فكرية خارج الإقليم العربي أسهمت في تصور مستقبليات الأمة لم تُترجم للعربية ولم نهتم بمطالعتها كإنتاج فكري للأمة عن الأمة خارج دائرة العروبة.

إن مركزية مفهوم الأمة ستظل قائمة والبحث عن سبل القيام بالخيرية ستظل هما أساسيا على أجندة العقل المسلم، لكن وعي العالم أيضا سيظل تحديا يستلزم المزيد من الجهد، والتفكير،.. والعمل.