إعمار غزة بين انقسام فلسطيني وواقع صهيوني

أكاديمي وباحث مصري

19 أكتوبر , 2014 الشرق الأوسط


palestinian-israel-conflict-gazapalestinian-israel-conflict-gaza

لما كان قطاع غزة يحتاج إلى الإسراع في عملية إعادة الإعمار، فإن المؤتمر الأخير بالقاهرة محطة لتكفير الذنوب عن الصمت العربي والدولي المخزيإزاء الاحتلال الصهيوني، ولما كان القطاع بحاجة إلى إزاحة حماس منه، فإنه لن يُسمح بضخ أموال الإعمار إلى الفلسطينيين، ولما كانت فلسطين واقعة في الأساس تحت احتلال صهيوني غاصب، فإنه ليس من المجدي استجداء المجتمع الدولي لإعادة إعمار قطاع غزة!

تكالبت الأقلام الإسرائيلية والعربية والدولية حول مؤتمر إعادة إعمار قطاع غزة، الذي جرت وقائعه، في الثاني عشر من الشهر الجاري بالعاصمة المصرية، القاهرة، وحضرته أكثر من 69 دولة، بعد أن ساده التفاؤل بالخروج من عنق الزجاجة التي حلَّت بعد الخراب والدمار الذي وقع بالقطاع في أعقاب الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة، حرب ” الجرف الصامد “، التي اندلعت، في السابع من شهر يوليو الماضي، واستمرت 51 يومًا كاملة، وكأن المجتمع الدولي لم ير في الصراع العربي ـ الصهيوني إلا تكفير الذنوب والنأي بنفسه عن مسؤولية القضية الفلسطينية بمنح الشعب الفلسطيني بضعة مليارات من الدولارات فحسب، ونسي أنه تعمد محاكمة الكيان الصهيوني على جرائمه المستمرة، بحق الفلسطينيين وهو الفيصل في هذا الصراع، وطالما استمر تغافل المجتمع الدولي عن مسؤوليته تجاه الفلسطينيين فإن الصهاينة سيستمرون في تعنتهم وتصلفهم، بل سيدخلون في حروب جديدة في القطاع بعدة بنوك من الأهداف، لعل من أهمها القضاء على روح المقاومة التي دَّبت في أوصال الفلسطينيين.

المقاومة الفلسطينية في الحرب الأخيرة أجبرت تل أبيب على احترامها حتى قبيل المجتمع الدولي نفسه، والتي استجارت بمصر لإصدار أو إعلان مبادرة ما للخروج من المأزق العسكري والسياسي اللذين وضعت فيهما إسرائيل، جراء صمود المقاومة، التي لم تكتف بذلك، بل وجهت قذائفها وصواريخها صوب عاصمة الكيان، ووصلت حتى أقصى شمال فلسطين المحتلة، وهو ما لم تكن تتوقعه “إسرائيل”، فتشتتت ذهنية القائد والسياسي الصهيوني، ما بين مواصلة الهجوم، وإسقاط آلاف الشهداء والمصابين، يقابله صمود فلسطيني واضح وعنيد، وبين كيفية التصدي للصواريخ الفلسطينية، التي أصابت الجبهات الصهيونية كافة. فكان بدهياً من تل أبيب أن توجه أسلحتها المدمرة كافة تجاه البنى التحتية الفلسطينية في قطاع غزة، فاجتاحت الأخضر واليابس، في وقت لم تعر اهتماماً يذكر بالضمير العالمي!

على الجانب الآخر من الصراع، فإن ثمة صراعاً فلسطينياً ـ فلسطينياً يحاك ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وفي معيتها حركات وفصائل المقاومة المشروعة في قطاع غزة، بغية التخلي عن سلاح المقاومة، ورفع الراية البيضاء، والانكفاء وراء طاولة مفاوضات عبثية مع كيان صهيوني غاصب، نجح في زرع الفتنة، وبثها بين أبناء الوطن الواحد، لدرجة أن الكثير من أبناء الوطن الفلسطيني كالوا الاتهامات لحركة حماس، بدعوى تسببها في إثارة الغريزة الصهيونية القاتلة والمدمرة للقطاع، واعتقدوا أنها مَن بدأت الحرب الأخيرة، واستفزت الجيش الإسرائيلي في استمراره في تدمير القطاع! والحركة منه براء.

الثابت أن الكيان الصهيوني نجح في تصدير هذه الفكرة للجميع، بدليل أن أحد المسؤولين الفلسطينيين المرافقين لأبو مازن في القاهرة يرى أن ضخ الأموال المخصصة لإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي في غزة لن يتم إلا بعد أن تتسلم حكومة التوافق الوطني الفلسطيني مهامها وصلاحياتها الكاملة في القطاع، وأن تخرج حركة حماس من السلطة، وهو ما يضع “العقدة في المنشار”، وكأن هذا المسؤول “يزيد الطين بلة”، ولكن من المؤكد أن هناك توافقاً من قبل السلطة الفلسطينية بوجوب تنحي حماس جانباً حتى يتسنى للمسؤولين الفلسطينيين في السلطة الانفراد بالأموال، وصرفها حسب أهوائهم الشخصية، كما جرى من قبل مع أموال تم ضخها للسلطة من مؤتمرات دولية عُقدت للأمر نفسه! الغريب أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (أبو مازن) صدَّق على كلام مسؤوله بالإيجاب خلال حوار صحفي على هامش المؤتمر بالقاهرة!

من البدهي على مسؤولي حركة حماس أن يتبعوا أسلوب المرونة ومسار الدبلوماسية بهدف وصول الأموال والمنح العربية والدولية إلى مستحقيها في القطاع، وذلك ما أعرب عنه عدد منهم عن وجوب الإسراع في تدفق تلك الأموال وبدء عملية الإعمار فوراً، ونزعهم لكافة الذرائع التي تُمكِّن الكيان الصهيوني من تأخير إعمار القطاع، والثابت أن المقصود هو تقليم أظافر حماس والفصائل الفلسطينية المقاوِمة، وهي رغبة بعض المانحين، بدعوى ذهاب الأموال إلى حكومة التوافق وليس للفصائل نفسها، وبينهما يتأرجح الفلسطينيون في القطاع، ولكن الرغبة الحقيقية تكمن في عدم تمكين فصائل المقاومة من استغلال هذه الأموال في عملية تصنيع الأسلحة الفلسطينية، والتي نجحت فيها تلك الفصائل أيما نجاح، بعدما تدرب كوادر ونشطاء فلسطينيون على تصنيع الأسلحة بأيدي فلسطينية، على يد كوادر وخبرات خارجية، سواء إيرانية أو سورية أو لبنانية؛ ولكن المهم هو أن عملية التصنيع الفلسطينية باتت محلية الصنع؛ بمعنى أن أموال إعادة الإعمار باتت ورقة تُستغل ضد المقاومة المشروعة، وكأن العديد من أبناء المجتمع الدولي يشترون سكوت المقاومة بأموالهم!

الخروج الهادئ من المشهد السياسي الفلسطيني، هو النتيجة الحتمية لحماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية المقاومة، التي سجلت نجاحات لا تعد ولا تحصى، وفقاً لإمكاناتها الضعيفة والمحدودة، مقارنة بأعتى الأسلحة الصهيونية والأمريكية، وكأن أموال إعمار غزة جاءت لتصب الزيت فوق النيران المشتعلة بين السلطة الفلسطينية وحماس، وهو ما لا نتمناه، خاصة وأن الكيان الصهيوني يؤجج هذه النيران باستمرار، بدعوى تحمُّل حماس عواقب عدم الخروج من ذلك المشهد السياسي، لتبدو ـ كما سبق وأكدنا ـ وكأنها تقف حجر عثرة في سبيل إعادة اعمار ما دمره الاحتلال الصهيوني. وهو ما يعني تأليب الشارع الفلسطيني على المقاومة وحماس معاً !

ومن هنا، فإن عملية إعادة الإعمار لن تتم سوى بقرار من الكيان الصهيوني، وستظل أموال المانحين المتعهد بها في المؤتمر الدولي بالقاهرة في حسابات مصرفية لسنوات طويلة، ولن يُسمح بالحصول عليها إلا بعد تقديم تنازلات فلسطينية للجانب الإسرائيلي، الذي يتحكم في المعابر الواصلة بين الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة، وهو ما يعني أن تل أبيب ستتحكم تماماً في عملية الإعمار، ويعلل ذلك ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان بأنه لا يمكن إعادة إعمار غزة بدون بلاده، بدعوى أن هناك تفاهمات صهيونية ـ أمريكية تمنحه صك رفض الطلبات الفلسطينية والدولية.

الغريب أن المؤتمر الدولي لم يطلب نهائياً رفع الحصار الاقتصادي الصهيوني عن الأهالي في قطاع غزة، وإنما نادى بتخفيف القيود، وكأنه يرضى باستمرار فرض الحصار، ولم يدرك أن الآلاف من الشهداء قد ارتقوا إلى بارئهم، وجرح عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتدمير آلاف البيوت والمصانع في القطاع، لتبقى توصيات ذاك المؤتمر حبراً على ورق ما لم ينفذ على أرض الواقع التي يتحكم فيها الكيان الصهيوني!

قصارى القول، إن المستفيد الأول من مؤتمر إعادة إعمار قطاع غزة هو الكيان الصهيوني نفسه الذي لم يدنه أحداً، فلم يطلب المجتمعون فك الحصار، كما إنه من الواجب على الفصائل الفلسطينية كافة التوحد وراء كلمة سواء، والابتعاد عن الخلافات والانشقاقات بغية إعمار ما تبقى من ركام غزة، مع الاحتفاظ بسلاح المقاومة، وعدم المساس به، فهو الورقة الأخيرة بحق الأهالي الفلسطينيين، وإن مثَّل المؤتمر نقطة بداية جديدة في الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية!