من بين أسئلة مثيرة شتى تطرح أمام التحالف الدولي والإقليمي لمحاربة “داعش” وأعوانه فى العراق وسورية، يطل برأسه التساؤل عن مشاركة إيران فى هذا المضمار.

وبينما تنظر طهران إلى تنظيم “داعش” السني المتطرف على أنه تهديد خطير لها، حيث ترابط قواته على مسافة 180 كيلومتراً من الحدود العراقية الإيرانية، فيما لا يكف أبو بكر البغدادي عن التهديد بنقل المعركة إلى إيران بعد العراق وسورية، بقيت مشاركتها فى التحالف الإقليمي والدولي بشأن محاربة ذلك التنظيم مرتهنة بعدة اعتبارات لعل أهمها: عوامل التغير والاستمرار فى العلاقات الإيرانية مع كل من واشنطن وتل أبيب، فضلا عن الدول العربية والسنية، إضافة إلى نظام بشار الأسد.

أهمية الدور الإيراني:

إلى جانب موقعها الجيواستراتيجي المميز الذي يتيح لها ملاصقة كل من سورية والعراق بحدود برية تمتد مئات الكيلومترات، تكمن أهمية مشاركة طهران فى التحالف الدولي لقتال “داعش” وأعوانه، فى الدور الإيراني القوي والبارز هذه الأيام، على الصعد الأمنية والعسكرية والسياسية، داخل سورية والعراق، حيث معاقل “داعش” و”النصرة” وغيرهما من التنظيمات الإرهابية المستهدفة إقليميا ودوليا.

فإلى جانب تأثيرها اللافت على نظام الأسد، المدين لها بالبقاء والصمود حتى الآن، جراء الدعم العسكري واللوجستي الهائل، وتموضع قوات وقيادات عسكرية إيرانية فى سورية، إلى حد الدفع بمراقبين كثر إلى القول بأن إيران هي التي تدير الأمور فى سورية وليس الأسد، ما برحت إيران تحتفظ بنفوذ جم فى العراق برغم رحيل المالكي وحكومته، فالرؤساء الثلاثة الجدد للجمهورية والبرلمان والحكومة لا يدورون بعيدا عن الفلك الإيراني، ذلك أن رئيس الجمهورية الجديد ينتمي إلى فريقِ سلفِه جلال طالباني الذي ظل يحظى بدعم طهران ومباركتها طوال سنوات.وفيما لا يمكن الزعم بأن رئيس مجلس النواب الجديد على غير وفاق مع طهران، رهن أوباما البدء عمليا فى تشكيل التحالف الدولي المرتقب ضد “داعش” ثم الشروع فى تحركه داخل العراق بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة التي يكاد يتساوى رئيسها المكلف حيدر العبادى مع المالكي فى درجة القرب من النظام الإيراني.

ولما كانت واشنطن تصر على عدم التورط بريًا فى سورية أو العراق مكتفية بضربات جوية وصاروخية ضد المراكز العسكرية لـ “داعش”، يجمع خبراء استراتيجيون وكذا البنتاجون نفسه على أن تلك الضربات لن تكون كفيلة وحدها بدحر “داعش”حيث يتطلب الأمر عملا عسكريًا بريًا على الأرض، حيث سينحصر حاصل هذه الضربات فى تعطيل تقدم قوات “داعش” مؤقتا بما يمنح واشنطن متنفسًا لإعادة تسليح قوات البيشمركة الكردية التي تواجه الآن هجمات المسلحين، فضلا عن إعادة بناء وتسليح وتدريب الجيش العراقي الذي انهار تقريبا في يونيو/حزيران الماضي.

وهنا تبرز أهمية دور إيران التي عززت من وجودها السياسي والأمني داخل العراق وسورية من خلال التموضع العسكري والتجييش المذهبى حتى صارت القوة الوحيدة التي تجمع ما بين النفوذين السياسي والعسكري فى العراق. سياسياً من خلال حزب الدعوة أي في داخل عقل حيدر العبّادي، وعسكرياً من وراء الجيش العراقي وفي غرفة عملياته وأجهزته الاستخبارية ومن خلال الميليشيات الشيعية. أما في سورية، فالحضور واضح من خلال قيادة قوات الأسد والتخطيط لتحركاته والإشراف على أجهزته وعملياته وعلى تدريب ميليشياته.

وإلى كردستان العراق حيث ثاني أكبر قوة عسكرية منظمة يعتمد عليها التحالف الدولي ضد “داعش”، فقد وصل الدور الإيراني من خلال ما تقدمه طهران من دعم عسكرى لقوات البيشمركة-حسبما أكد رئيس الإقليم مسعود برزاني خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي كان يزور أربيل فى السادس والعشرين من أغسطس الماضى -من أن إيران كانت من أوليات الدول التى زودت بالسلاح والذخيرة قوات البيشمركة الكردية العراقية، وهي التى تعتمد عليها استراتيجية أوباما فى مواجهة “داعش”. وقد برز جليا على الأرض دور إيران بهذا الخصوص من خلال تعاون قوات الجنرال قاسم سليماني وميليشيات “الحشد الشعبي” مع قوات البيشمركة لتحرير مدينة آمرلي الشيعية من حصار “داعش” تحت غطاء جوي أمريكي. وبناء عليه، تتحرى طهران كافة السبل للمشاركة فى التحالف الدولي والإقليمي ضد “داعش” بغية بلوغ حزمة من المقاصد والأهداف التي يأتي فى صدارتها: توظيف هذه المشاركة من أجل إعادة صياغة الاصطفافات والتحالفات الإقليمية في المنطقة من جهة، ولترميم علاقاتها الدولية من جهة أخرى بما يعينها على التفلت من أي صدام جديد محتمل مع الغرب على خلفية برنامجها النووي الذي يستتبع بدوره جولة جديدة من العقوبات.

وتراهن طهران على أن يفضي تطييف الحرب على “داعش” و”النصرة” -باعتباره يمثل إرهاب الإسلام السني الراديكالي- إلى تعزيز فرص نجاح جهودها الرامية إلى تهيئة الفرصة لحليفها بشار الأسد كي يكون جزءًا من التحالف الدولي والإقليمي المنخرط فى تلك الحرب بطريقة أو أخرى، بوصفه نظاما علويا شيعيا يحارب ما يعتبره “إرهابا سنيا” يسمي نفسه ثورة شعبية للإطاحة بنظام طائفي فاشل ومتسلط. خصوصا بعدما طالبت المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس السوري بشار الأسد بثينة شعبان أن تكون بلادها جزءاً من التحالف الذي تقوده واشنطن لمواجهة “داعش”. هذا في الوقت الذي ترى واشنطن أن الأسد يمثل تهديدا محليا بينما تمثل “داعش” تهديدا عالميا.

وفي هذا السياق، لم يستبعد الباحث في معهد أبحاث الأمن القومي الأمريكي، يوئيل غوجانسكي، في مقال مطول نشره على الموقع الإلكتروني للمعهد قبل أسابيع قلائل أن تقبل السعودية ودول الخليج العربية بمشاركة طهران في التحالف الدولي ضد “داعش” درءًا للتهديدات الفكرية والمخاطر الأمنية والسياسية الهائلة التى يمثلها التنظيم على هذه الدول مجتمعة. [1]

بيد أن هذه الأهداف الإيرانية تصطدم بتحديات عدة لعل أبرزها: استمرار دعم طهران لنظام الأسد، فضلا عن مخاوف واشنطن من اعتبار الدول السنية أن التحالف الدولي ضد “داعش” موجه ضدها بالأساس، علاوة على تربص إسرائيل التي تؤكد مصادر غربية وإسرائيلية أنها تحاول بطريقة غير مباشرة أن تكون جزءًا من التحالف الدولي ضد “داعش” عبر القيام بدور استخباراتي تقدم خلاله معلومات استخبارية وصورا التقطت عبر الأقمار الاصطناعية لدعم الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد التنظيم. حيث تدرك تل أبيب جيدا النوايا الإيرانية ويتملكها قلق بالغ من مشاركة إيران فى التحالف المناهض ل”داعش”، حيث تخشى حسب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق ورئيس “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب عاموس يادلين من أن تصرف الاهتمام في إسرائيل والعالم عن البرنامج النووي الإيراني الذي هو الخطر الاستراتيجي الحقيقي على أمن العالم وأمن إسرائيل أو أن تغري واشنطن والدول العظمى بالتسامح مع إيران في المحادثات المقبلة حول البرنامج النووي الإيراني على نحو قد يسفر عن رفع العقوبات الدولية عن طهرانكمكافأة لها على تعاونها فى محاربة “داعش”.

تجاذب أمريكي – إيراني:

ثمة ضبابية لافتة ومراوغة مثيرة تلفان موقف واشنطن من مشاركة إيران فى التحالف الدولي لمحاربة “داعش” . فمن جهة؛ تصر إدارة أوباما على نفي أي احتمالات لتعاون أمريكي إيراني بهذا الخصوص، حيث أكد جوش إيرنست المتحدث باسم البيت الأبيض نهاية أغسطس الماضي بأن واشنطن ستنسق مع الدول السنية فى المنطقة ضمن جهود محاربة الإرهاب و”داعش”. وفي ذات السياق أكدت نائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماري هارف في تصريح بفضائية العربية منتصف سبتمبر الفائت “لنننسق أي عمل عسكري مع إيران ولن نتقاسم معلومات معها وليس لدينا أي خطط لذلك”. لكن هارف من جانب آخر أبقت الباب مواربا مع إيران حينما أشارت إلى أن داعش يهدد الجميع بما في ذلك إيران وأن الحاجة تقتضي إسهام الجميع في مواجهته من دون أن يعني ذلك قيام علاقة أو تنسيقبين الولايات المتحدة وإيران في هذا الشأن”. وبينما يروج أمريكيون إلى أن الطلعات الجوية الأمريكية قد ساعدت القوات الشيعية والكردية فى كسر الحصار الذي فرضه “داعش”على بلدة إمرلي الشيعية، نفي الناطق العسكري الإيراني أى دور لواشنطن بهذا الصدد.

وتحت عنوان “إيران خطر جيواستراتيجي وداعش خطر عابر”،كتب هنرى كيسنجر لموقع “ناشيونال بابليك راديو” الأميركي يوم السادس من سبتمبر مؤكدا أن خطر إيران يفوق خطر “داعش”، فقد بسطت الأولى حزام نفوذ شيعي يمتد من طهران مروراً ببغداد إلى بيروت وهو فرصتها لإحياء الإمبراطورية الفارسية القديمة لكنها ستكون امبراطورية شيعية هذه المرة. ففي الميزان الجيواستراتيجي، يبدو أن إيران هي مصدر مشكلات أفدح من مشكلة تنظيم “داعش” المؤتلف من مجموعة مغامرين يلتزمون أيديولوجيا عنيفة وعدائية متطرفة. ولكن لن يقوم لهذا التنظيم وزن جيواستراتيجي قبل أن يسيطر على أجزاء أوسع من الأراضي وقبل أن يرسخ حضوره. والسيطرة على النزاع مع “داعش” – مهما بلغ حجمه – أيسر بكثير من تحديات المواجهة مع إيران “.

وخلال مناسبات عدة أعقبت خطاب أوباما كاجتماع جدة ومؤتمر باريس المعني بتوزيع الأدوار والمهام على الأطراف المشاركة في التحالف الدولي، جدد وزير الخارجية الأمريكي التأكيد على رفض مشاركة طهران في الجهود الحالية الرامية للتصدي ل”داعش” كونها “دولة راعية للإرهاب” وتواصل دعم النظام الأسدي.

ومن جانبها تستبد بإيران شكوك فى نوايا واشنطن خصوصا مع تكرار أوباما بعد احتلال التنظيم للموصل وهزيمة الجيش العراقي لشعار “التحالف مع الدول السُنَّية” و”دول الاعتدال” فى المنطقة. ولم يتورع النظام الإيراني عن اتهام واشنطن بدعم”داعش”، إذ اعتبر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف فى تصريحات لوكالة “مهر” الإيرانية للأنباء” أن الولايات المتحدة لم تكن جادة كثيرا حتى الآن في محاربتها للتنظيمات المتطرفة التي تمكنت من السيطرة على مناطق واسعة في العراق وسورية، معتبرا أنه لا يوجد بعد فهم جدي لهذا التهديد ولم يقم الأمريكيون بعد بتحرك جدي ضد المتطرفين”. وبدورها، أكدت صحيفة “كيهان” اتهامات طهران لواشنطن بالضلوع فى دعم “داعش” حيث ذكرت في 16 حزيران /يونيو المنصرم: “عندما فشلت الأطراف الدولية والإقليمية والكتل المحلية المفلسة في كسر إرادة الناخب العراقي لتشكيل حكومة وطنية مستقلة لجأت إلى تنظيم “داعش” الإرهابي وهيأت له أرضية التحرك في الموصل للضغط على بغداد للعودة عن قرارها لكن هذه الأطراف وللأسف لم تتعظ من الدرس السوري المرير ونزلت عارية إلى الساحة العراقية التي ستلقنها درساً لن تنساه مدى الدهر”. وفى ذات السياق، أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني “أن أمريكا قامت بدعم الإرهابيين في العراق وأفغانستان بهدف إيجاد تيارات بديلة تحاول تشويه صورة الإسلام ولتكون لعبة بيدها”.

ويبدو أن إصرار واشنطن على استبعاد طهران من هذا التحالف بسبب دعمها لنظام الأسد ستدفع بها إلى تشكيل ما يشبه التحالف المضاد أو المعرقل مع كل من روسيا وسورية الأسد، إذ بدأت طهران تتبنى ذات الأطروحات الروسية التي تعتبر أي تحرك عسكري في العراق وسورية بغير مظلة من القانون الدولي أو تفويض من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي يعد عدوانا على سيادة الدولتين وانتهاكا صارخا للقانون الدولي بذريعة محاربة الإرهاب. وبينما اعتبرت طهران أن التحالف الدولي والهجمات الجوية المزمعة سوف يشعلان المنطقة، وصفت مؤتمر باريس الذي لم تدع إليه بالمسرحية الهزلية، معلنة عدم رغبتها في التحالف الدولي ضد “داعش”. هذا في الوقت الذي هدد نظام الأسد بإسقاط أي مقاتلات تجوب سماء بلاده لتوجيه ضربات ضد معاقل “داعش” داخل سورية، ردًا على إصرار واشنطن على استبعاده من المشاركة فى التحالف الدولي ضد “داعش” وحرصها على حرمانه من توظيف الحرب ضد التنظيم الإرهابي لتحسين صورته أمام العالم وخلق فرص للبقاء فى السلطة برغم جرائمه.

ومن جهة أخرى، لم يخل الأفق من إشارات عديدة تشى بإمكانية حدوث تفاهم أمريكي إيراني خلال الحرب الممتدة ضد “داعش” حيث راجت معلومات عن لقاءات جمعت خبراء عسكريين إيرانيين بنظراء أمريكيين فى كردستان العراق بعد موافقة المرشد علي خامنئي، حيث أكد تقرير بثته الـ BBC مطلع الشهر الجاري أن الزعيم الروحي الإيراني آية الله علي خامنئي صادق للجيش الإيراني على التعاون مع الولايات المتحدة في العراق وكردستان خلال الحرب ضد تنظيم “داعش”، كما طلب من الجنرال قاسم سليماني قائد قوات القدس- وهي وحدة خاصة في الحرس الثوري- التنسيق والعمل مع القوات التي تقاتل التنظيم بما في ذلك الولايات المتحدة.وأكد مسؤولون إيرانيون ل”بى بى سي” قائلين”بالطبع نحن مستعدون للتعامل معهم كما فعلنا سابقا، على الأخص في أفغانستان”.

وبينما ساعدت الطلعات الجوية الأمريكية القوات الشيعية والكردية بكسر الحصار الذي فرضته “داعش”على بلدة إمرلي الشيعية التابعة لمحافظة صلاح الدين شمال العراق، قال مصدر عراقي مطلع إن قائد فرقة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني فرع الخارج، قاسم سليماني، شارك في عملية فك حصار فرضه تنظيم “داعش” لمدة شهرين على بلدة آمرلي وهو ما يشي بتنسيق أمريكي إيراني بشأن “داعش” لا تنقصه عدم ممانعة عربية.

وبعدما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنها فرضت عقوبات على أكثر من 25 فرداً وشركة بما في ذلك مصارف وشركات طيران وشحن بحري، اتهمتهم بمساعدة طهران في برنامجيها النووي والصاروخي ودعم الإرهاب والالتفاف على العقوبات الدولية، شهدت مدينة جنيف السويسرية مطلع الشهر الجاري اجتماعات بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين للبحث فى سبل تخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واليوم، هناك تسريبات غربية بأن يكون هناك تنسيق غربي سري مع إيران على صعيد العمل الميداني بالتوازي مع دور آخر معلن فى التحالف الدولي ضد “داعش” يتجلى فى قيام النظام الإيراني بتقديم الدعم والاستشارات لأكراد العراق في مواجهة مسلحي “الدولة الإسلامية”.

مخاطر اللغم الطائفي:

يبدو أن المساعي الغربية المزمنة لتعزيز الفجوة بين السنة والشيعة فى المنطقة بغية حماية المصالح الغربية والإسرائيلية والحيلولة دون حدوث تفاهم أو تنسيق استراتيجيين بين الدول والشعوب الإسلامية، تفخخ جهودها الحثيثة هذه الأيام لتشكيل ائتلاف دولي إقليمي ضد “داعش” .ففي الوقت الذي تبحث واشنطن عن غطاء عربي سني لحربها على “داعش” لدحض إدعاءات الأخيرة أنها تتحدث باسم السنة المضطهدين فى سورية والعراق الآن، وكي لا يفسر التحالف الدولي ضد الإسلام الراديكالي السني على أنه انحياز أمريكي إلى جانب الشيعة ضد السنة فى المنطقة، تبدو إدارة أوباما مضطرة للتنسيق مع إيران صاحبة التأثير الأكبر فى سورية والعراق.

وتطوي سحب الغموض التى تخيم على علاقات واشنطن وطهران ونظام الأسد بين ثناياها بواعث لتأجيج الهواجس الطائفية لدى الدول السنية فى المنطقة، خصوصا مع تفاقم التوتر وعدم الاستقرار الداخلي فى اليمن وسط تدخل إيراني سافر وتواطؤ أمريكي جائر. فهناك تخوف سني من جنوح الغرب وإيران لشيطنة الإسلام السني، استنادا إلى تصور مفاده أن الإسلام السني دونا عن نظيره الشيعى هو معمل تفريخ الحركات الراديكالية المعادية للغرب على شاكلة “القاعدة” و”داعش” و”النصرة” وغيرها. وقد عزز من هذا الهاجس السني أن الحرب على الإرهاب لا تستهدف سوى التنظيمات المتطرفة السنية فقط دون الشيعية منها، إذ يغض الغرب الطرف عن تنظيمات إسلامية شيعية متطرفة تعمل في سورية والعراق ولا يتورع نظام الأسد عن الاستقواء بها فى مواجهة الثورة الشعبية ضده كـ”حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”سرايا الأشتر” وآخرون يبلغ عددهم 28 فصيلا شيعيا.

ولا يخفى العرب مخاوفهم من أن تفضي الحرب على “داعش” إلى حدوث تقارب أمريكي إيراني يمهد بدوره السبيل لإمكانية تقبل دور ما للأسد فى المرحلة التالية من تلك الحرب داخل الأراضى السورية، حيث يفرض الاحتياج الغربى لتعاون نظام الأسد نفسه على مسرح الأحداث لاسيما وأن القوى الغربية تبني استراتيجيتها على استحالة التدخل الميداني لأي قوات أطلسية أو غربية وتعول على قوات محلية في العراق وسورية ينتظر أن تحارب بالوكالة نيابة عن الدول الأساسية في التحالف عبر التوغل البري داخل العراق وسورية كالجيش العراقي الذي أعلن كيري عن عملية عاجلة لإعادة تأهيله، وقوات البيشمركة الكردية المنظمة وغير الممذهبة والتي لا تتردد كل من بريطانيا وأمريكا فى دعمها وتزويدها بالعتاد العسكري لصد تمدد “داعش”، إضافة إلى بعض وحدات الجيش السوري الحر.

وفي ظل عدم استبعاد تعاطف بعض العشائر في العراق وسورية مع “داعش” و”النصرة” ضد الشيعة المتعاونين مع الغرب ضد السنة، ليس من السهل على الدول السنية بالمنطقة تقبل أي تدخل إيراني مباشر في الحرب على “داعش” بالمحافظات الغربية والشمالية وتدمير مدنهم كالموصل والرمادي والفلوجة وتكريت وغيرها كثمن باهظ لدحر الإرهابيين.

ويغذي مخاوف العرب السنة ما بدا من انحياز أمريكي فج للأقليات الشيعية العربية في كل الثورات الشعبية العربية، تجلى ذلك فى تمكينها أو تشجيعها على الحراك حيث تلقي بعض هذه الفصائل تدريبات عسكرية على أيدي الجيش الأميركي خاصة في العراق، في حين تماطل الإدارة الأميركية في دعم المعارضة السورية السنية المعتدلة وتتلكأ في تسليح الجيش الحر السني، بينما تتغاضى في المقابل عن جرائم “حزب الله” و”عصائب الحق” وغيرهما من التنظيمات الشيعية المسلحة المتعاونة مع الحرس الثوري الإيراني ضد المعارضة السنية فى سورية والتى تصنف واشنطن بعضها كجماعات إرهابية!، بل إنها تغاضت حتى عن استخدام النظام السوري الأسلحة المحرمة ضد المعارضين السنة من شعبه. وهكذا نراها إما أنها تتدخل لتعزيز موقع هذه الأقلية أو تتغاضى عن جرائمها في موقع آخر.

لذا ترى قطاعات واسعة داخل الشعوب العربية ذات الغالبية السنية أن سعي الولايات المتحدة اليوم للحصول على تأييدها لتحالف دولي، تشارك فيه إيران ولو سرا أو جزئيا، إنما يعد تعاونا أمريكيا – إيرانيا من أجل استكمال مشروع تمكين الأقليات من “الشيعة العرب” على الغالبية السنية، علاوة على وقف تقدم ثورة العشائر العراقية السنية بسبب النجاحات التي حققتها على الأرض، وهى الثورة التى تهدد مشروعا أمريكيا لإعادة هندسة المنطقة جيواستراتيجيا وإثنيا استغرق اثني عشر عاما وكلف مليارات الدولارات.

وإذا كان نجاح التحالف الدولي ضد “داعش” يبقى مرتهنا بقيام توافق دولي وإقليمي على تعليق الصراع المذهبي الشيعي – السني حتى بلوغ مقاصد هذا التحالف، يبدو حريا بواشنطن مثلما راعت حساسية الموقف التركي وحصرت دور أنقرة ضمن التحالف الدولي لمحاربة “داعش” فى وقف عبور العتاد العسكري من السلاح والذخيرة كما تسلل المقاتلون الأجانب عبر أراضيها للانضمام إلى صفوف “داعش” و”النصرة” فى العراق وسورية، أن تحدد معالم أي دور إيراني ممكن فى الحرب على “داعش” بحيث تتعهد طهران وتلتزم بسحب كافة القوات والميليشيات الإيرانية وجميع التنظيمات الشيعية والسنية المسلحة من كلتا الدولتين المنكوبتين. وأن تتوقف طهران عن خلق ودعم الجماعات والميليشيات المسلحة في المنطقة كحزب الله اللبناني وقوات بدر العراقية ولواء أبو الفضلالعباس والحوثيين في اليمن وعشرات أخرى مثلها، كي لا تصير أدوات وأذرعا لإيران في البلدان المحيطة والقريبة.

على أن يواكب ذلك تحرك أمريكي عاجل لتوجيه رسائل طمأنة للدول السنية كالتأكيد على استبعاد الأسد من أي تحالف ضد “داعش” حتى لا يستغله فى إعادة تبييض وجهه أمام العالم، والحيلولة دون استفادته من أية أعمال عسكرية ضد مقاتلي التنظيم ومعاقله داخل سورية في تقوية مركزه القتالي، واتخاذ إجراءات صارمة لتقويض قدراته العسكرية الغاشمة ووقف الجرائم التى يقترفها بحق شعبه كفرض مناطق لحظر الطيران مثلا في الأجواء السورية ورفع مستوى تسليح المعارضة السورية المعتدلة، بالتوازي مع وضع خطة لإحداث تغيير سياسي داخل سورية يمهد السبيل لإبعاد الأسد عن السلطة على غرار ما جرى مع المالكي في العراق.


[1] تقرير خاص: توجس إسرائيلي من احتمال تقارب الغرب وإيران في إطار محاربة "داعش"!
http://www.madarcenter.org/pub-details.php?id=530