استمرار المأزق الوجودي للمشروع الصهيوني الاستيطاني بعد 66 عاما على قيامه

4 يونيو , 2014


لا تمر ذكرى قيام المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الإمبريالي في فلسطين في أي عام من الأعوام دون أن ينشغل السياسيون والمؤرخون والمفكرون والاستراتيجيون داخل الكيان وخارجه بالإجابة على سؤال واحد لا يتغير: ما هو مستقبل هذا الكيان؟ والحقيقة التي ربما لا يفطن إليها الكثيرون هي أن هذا الكيان هو المكان الوحيد في العالم الذي يطرح فيه ذات السؤال/الهاجس باستمرار. ولم تكن ذكرى نكبة فلسطين وقيام الكيان منذ أيام استثناءا من القاعدة.

قد تتغير بعض تجليات النكبة، لكن حقائقها الثابتة عنيدة تأبى الطمس والإنكار. فلا يزال الأحياء من اللاجئين وأبنائهم بمناطق الشتات الفلسطيني متشبثين بمفاتيح وكواشين طابو (وثائق ملكية) منازلهم بانتظار يوم العودة إلى وطن اختلط ترابه منذ آلاف السنين بعظام أجدادهم وعرق آبائهم، واكتسب ملامحهم، وانطبعت في رباه ووهاده وحقوله ونسماته بصماتهم وخطواتهم وأنفاسهم. ولهؤلاء ملايين الأبناء والأحفاد لم يستنشقوا يوما عبير فلسطين ولم تكتحل عيونهم برؤية مدنها وقراها ومنازلها، لكنهم لا يرون لأنفسهم هوية أو مصيرا أو مستقبلا غير ذلك الوطن.

مآزق الاستيطان

يواجه مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين مأزقا تاريخيا مشتركا مع كل مشروعات الاستعمار الاستيطاني التي فشلت في القضاء على الشعوب الأصلية بمناطق الاستيطان؛ فقد كان التفكك مصير هذه المشروعات في الجزائر وروديسيا (زيمبابوي) وجنوب أفريقيا. في العصور الوسطى، تفككت وانهارت مشروعات الاستيطان الأوروبي في الشرق العربي، والتي سماها الأوروبيون حملات صليبية، وسماها العرب حروب الفرنجة؛ فهي لم تكن أكثر من غارات همجية في سبيل النهب والاستيطان، ولا علاقة لها بأي مقدس. ولا يبدو في الأفق التاريخي والاستراتيجي ما يستثني المشروع الصهيوني من ذات المآل، بصرف النظر عن المساحة الزمنية التي يستغرقها الفعل التاريخي.

فقد نما شعب فلسطين سكانياً داخل وخارج وطنه، فتجاوز عدده عدد الإسرائيليين بملايين. وحتى داخل حدود فلسطين التاريخية، يفوق عدد الفلسطينيين عدد اليهود، مما يشكل أزمة ديموغرافية مستمرة لإسرائيل، تنعكس بوضوح في برامج وسياسات حكوماتها في السنوات الأخيرة. كذلك، يتمتع الفلسطينيون كشعب بمستويات تعليم عالية، وقدرة على الصمود والتكيف، وحركة وطنية متجددة بتعبيرات فكرية متعددة، وتراكم خبرات سياسية ونضالية مركبة، وجذور ممتدة في العمق العربي والإسلامي والإنساني، وانتماء لأمة تتسع قدراتها على الإبداع والمقاومة، وقدرة على الاستجابة للتحديات التاريخية، والتكيف، واسترداد زمام المبادرة والفعل التاريخي.

رغم الديباجات التي قدمتها الصهيونية كمبررات لمشروعها الاستيطاني: الوعد الإلهي (أرض الميعاد)، والحق التاريخي لليهود، وأرض بلا شعب لشعب بلا أرض، والتعويض عن الاضطهاد الأوروبي والمحرقة النازية؛ لم يكن لهذا المشروع أن يتحقق خارج سياق وغايات ومصالح المشروع الامبريالي الأنجلوسكسوني. ويظل الارتباط بين المشروع الصهيوني والامبريالية بمعظمه ارتباطا مصلحيا وظيفيا، وليس عضوياً. ولم يكن للكيان الصهيوني الاستيطاني أن يتحقق بدون قدر هائل من العنف المتراوح بين الإبادة والردع.

هكذا يبقى الكيان الصهيوني النظام الوحيد في العالم، المستند أساسا إلى “قوة القهر” أو “القسر” المميزة للنظم الفاشية، كما يقرر جوزيف ناي، المفكر الأميركي المحافظ. ويمثل الاستيطان الصهيوني آخر ما تبقى في العالم من إرث الاستعمار البشع، وأخذ ينهار بنهاية الحرب العظمى الثانية، وانهارت معه أوهام التفوق العرقي الأوروبي وعبء الرجل الأبيض.

يفاقم أزمة المشروع الصهيوني افتقاده لمبررات الاستمرار التاريخية والحضارية خارج نموذج الصراع والنفي الدارويني (البقاء للأقوى)، وخارج سياق الهيمنة الامبريالية حيث يتموضع كمخلب قط ضمن مثلث الخطر والتهديد والابتزاز، فإسرائيل بامتياز “الدولة الوظيفية” أو “القاعدة الاستعمارية”. يدفع ذلك بالمؤسسة الصهيونية للقفز إلى الأمام بمزيد من الاستيطان والتهويد والمجازر والاقتلاع وهدم المنازل وتجريف الحقول والحصار والتجويع. لكن كل الركام والأنقاض لن تفلح في دفن أو إخفاء مآزق الاستيطان الصهيوني.

يظل التحدي الأكبر لهذا الكيان في تحقيق قبول عام به في محيطه العربي، خاصة داخل وعي شعب فلسطين وحركته الوطنية. وهذا ما لم يتحقق أبدا. يبقى العنف المتصاعد سبيلا وحيدا لاستمرار الكيان، ومأزقه الأول كذلك.

هل تعيش إسرائيل 100 عام؟

منذ بضعة أعوام، كتب المثقف اليهودي الأميركي، بنجامين شوارتز، مقالا لافتا بمجلة أتلاتنك منثلي، بعنوان: هل تعيش إسرائيل مائة عام؟ شكك فيه الكاتب بإمكانية نجاح أي تسوية على أساس حل الدولتين، وطرح التهديدات والأخطار التي تحول دون أن تكمل إسرائيل عامها المائة. تضم هذه التهديدات الخطر الديموغرافي الفلسطيني، والخطر الإيراني، والمقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية، والصراع العلماني الديني بإسرائيل، وخطر تمرد المتدينين الصهاينة على خطط الدولة تجاه الاستيطان ورسم الحدود أحاديا.

فالصراع الفلسطيني الصهيوني عميق الجذور، وسيتفاقم حول قضايا الأرض والسكان. وإن كان آباء الصهيونية قد رفعوا شعارا لافتا في غبائه “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض،” بيد أنهم كانوا مدركين أن تحويل أرض عربية إلى دولة يهودية يقتضي قلب الواقع الديمغرافي بزراعة كتلة سكانية أجنبية ضخمة، ثم بلغة العصر “ترانسفير” أو طرد أعداد كبيرة من سكان فلسطين الأصليين من المناطق المستهدفة للدولة اليهودية … ولا يزال رفض أي دولة يهودية في فلسطين هو المحدد الأهم للحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشأتها في 1920. يعتقد كثير من الإسرائيليين أن هذا الرفض لا يزال يشعل تلك الحركة حتى الآن. ووفقا للمؤرخَيْن الإسرائيليَّيْن باروخ كيمرلنغ وجول ميغدال، يبقى المبدأ الأساس للفكرة “الفلسطينية” هو حق العودة لحوالي سبعمائة ألف لاجئ فلسطيني شتتوا من الأرض “الإسرائيلية” في 1948 وذراريهم، وهم الآن كتلة سكانية تتجاوز 5 ملايين فلسطيني، ويعني نهاية الأغلبية اليهودية في إسرائيل.

يرى شوارتز أنه حتى لو أمكن الوصول إلى تسوية شاملة، فإن آفاق إسرائيل بعيدة المدى تبدو بائسة، فدولة فلسطينية مستقبلية محشورة بين الخط الأخضر والأردن وفي قطاع غزة ستواجه نموا سكانيا فلكيا. فسكان غزة يتضاعفون كل جيل [20 عاماً]، ويبدو مؤكداً حدوث تدفق هائل للاجئين يعيشون في البلاد العربية، معظمهم الآن في الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى ندرة المياه والظروف الاقتصادية الصعبة. وستغلق تماما وبالقوة فرص وصول العمالة الفلسطينية لإسرائيل؛ وإلا ستطيح الهجرة الفلسطينية الزاحفة، على نمط الهجرة المكسيكية للولايات المتحدة، بجهود الحفاظ على يهودية الدولة. بل إن بعض المراقبين للشأن الإسرائيلي، ومنهم الجنرال غيورا إيلاند مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، يتشكّكون بوجود ما يكفي من الأرض والموارد بين نهر الأردن والبحر المتوسط، لاستدامة دولتين سياديتين قابلتين للحياة. وفي أماكن قليلة بالعالم، تستدعي الظروف تطوير علاقة تكافلية بين شعبين؛ لكن فرصها هناك بعيدة المنال.

يجادل شوارتز بأن الدولة الفلسطينية المستقبلية ستواجه اقتصادا كارثيا واكتظاظا، وسينتهي بها الأمر نحو محاولة استرداد الأرض “الإسرائيلية”. فالقادة الفلسطينيون الساعون إلى مراجعة أوسع لتوزيع الأرض سيجادلون بأن الخط الأخضر ليس إلا خط وقف إطلاق النار، وليس حدودا دولية؛ وأنه يكافئ إسرائيل بأراض كسبتها بالحرب؛ ولا تطابق حدود قرار الأمم المتحدة بالتقسيم والذي تأسست بموجبه الدولة اليهودية. وكان دافيد بن غوريون دائما يحث شعبه على القبول بأصغر دولة يهودية، تصبح نقطة انطلاق التوسع المستقبلي. ورأى بن غوريون أن فلسطين تؤخذ على مراحل. واليوم يشعر الإسرائيليون بخوف (مفهوم) من أن تُسترَد منهم فلسطين، وبنفس الطريقة قطعة فقطعة، عن إرادة وتصميم أو استجابة للضرورات.

هل يهودية الدولة حتمية؟

يخلص شوارتز إلى أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي غير قابل للحل. فعند مستوى معين، يبدو أكثر الإسرائيليين وعياً مدركين لهذه المخاطر المستقبلية. وخلال محادثاته مع إسرائيليين في اليسار واليمين، بالأوساط الأكاديمية والعسكرية والأمنية والحكومية، تفاجأ بتصريحاتهم المتشائمة حول انعدام الأفق أمامهم كشعب، ومخاوفهم إزاء مستقبل الدولة التي سيعيش فيها أبناؤهم. ولكن أكثر ما يفاجئك هو تكرار عبارة يقولونها بحسرة وأسى: “كان يجب أن نقبل بأوغندا!” (التي عرضها البريطانيون على القيادة الصهيونية في 1903).

يبين التاريخ أن كثيرا من المشكلات لا حل لها، وهي حقيقة لا يستطيع الأميركيون سبر غورها. بيد أن الصراع على فلسطين الممتد لقرن هو قصة شعبين، لكل منهما “مزاعمه المعقولة”، بتعبير شوارتز، تجاه نفس قطعة الأرض؛ وكل جانب في تلك القصة تقريبا يؤشر على أنه في النهاية، ولأجل أن تتحقق خسارة وتعاسة الشعبين وإقليمهما وربما العالم كله، لا تجنح تطلعاتهما وغاياتهما نحو حل وسط.

يشاطر مارك فولمان، معلق يهودي آخر، شوارتز تشاؤمه حول آفاق قيام دولة فلسطينية ناجحة بموازاة إسرائيل نظرا لأسباب كثيرة أوردها شوارتز. لكن ذلك لا يعني أن المشكلة كما يرى شوارتز “غير قابلة للحل” بالضرورة. وربما لم يناقش مقال شوارتز إمكانية قيام دولة واحدة، فهذا الحل سيعني نهاية دولة الأغلبية اليهودية. لذلك، ليس متوقعا أن يتخذ يهود إسرائيل هذا المنحى طواعية؛ لكن يبدو باضطراد أن حل الدولة الواحدة هو النتيجة الوحيدة الممكنة، بل والحتمية، للتوسع الاستيطاني في أراضي الضفة الغربية.

وبينما كان شارون ونتنياهو يسعيان لإيجاد “حقائق على الأرض” بالاستيطان؛ فقد قامت تلك الحقائق بالفعل، وهي تؤشر باتجاه دولة واحدة، وليس اثنتين! وهكذا يبدو أن هذا الصراع “قابل للحل”، ما دام الاحتفاظ بـ “دولة يهودية” ليس من المسلّمات!.