الإسلاميون إزاء الكراهية المستدامة: ما العمل؟

باحث وأكاديمي مغربي، يعنى بالتاريخ والفكر السياسي الإسلامي.

16 نوفمبر , 2014 الشرق الأوسط


أظهر انقلاب عبد الفتاح السيسي على نظام محمد مرسي، الذي جاء محمولا على أكتاف ثورة 25 يناير حجم الكراهية الشديدة للحركة الإسلامية وفي طليعتها جماعة الإخوان المسلمين بمصر، والتي تسكن نفسَ نُخب واسعة من الشعب المصري، يجمعهم وصف الليبراليين أو الحداثيين، ومعهم بعض «الغَلابة» من جهة، ويسكن سياسات قوى إقليمية ودولية، نافذة ومؤثرة من جهة ثانية. وإذا كانت هذه الكراهية بدت سافرة في الحالة المصرية، فإنها – في الحقيقة – عامة، وتعاني منها بنسب متفاوتة سائر تجسيدات الحركة الإسلامية بالعالم العربي، وخارجه.

وقد جمعتني إحدى المناسبات العلمية منذ مدة قليلة بعدد من قادة الحركة الإسلامية من أقطار مختلفة، وكان اندهاشهم شديدا من حجم الكراهية الذي يواجهونه، وتساءلوا عن الذنب الذي اقترفوه حتى يعاقبوا هذا العقاب الشديد من طرف خصومهم. وقد أسرَّ لي أحدهم بعبارة يظاهر فيها الأسى الأسف، لماذا يكرهوننا؟ ما السر وراء هذه الكراهية الحيوانية؟

إن هذه الكراهية التي تداعت على الواقع العربي، وتسببت له في كوارث سياسية واقتصادية، وأعاقت جنين التطور في مهده، ولا زالت تغذي الكثير من الأحداث والتطورات إلى اليوم، تشكل معضلة حقيقية، تحتاج إلى تحليل هادئ وفهم بارد. والتساؤل عن خلفياتها وأسبابها من أوجب الواجبات في الظرف الراهن.

فهل سببها كُره الكارهين للحى الإسلاميين، وعقيدتهم، ونمط تدينهم، أم سببها مشروعهم الإصلاحي والنهضوي؟، ألا يكون منهج الإصلاح لدى الإسلاميين وممارستهم عبر عقود سببا في ذلك؟، هل أسباب هذه الكراهية واحدة بين الداخل والخارج، أم أنها مختلفة، ولكل سببه الخاص في الرفض والكراهية؟، ألا يمكن اعتبار هذه الكراهية صناعة حصرية للاستبداد وآلته الإعلامية على مدى عقود؟.

فهذه الأسئلة عن خلفيات الكراهية وغيرها كثير، تقودنا إلى سلسلة أخرى من الاستفهامات تتعلق بسؤال العمل، من قبيل: ما السبيل لمواجهة هذه الكراهية المدمرة؟، ما التعديلات التي يجب أن يُدخلها الإسلاميون على فكرهم وحركتهم حتى يجنبوا أنفسهم، ومشروعهم، والمنطقة حريقا لا يستطيع أحد التكهن بحدوده ونهايته؟.

إن تفسير هذه الظاهرة والخوض في أحشائها من القضايا الجدلية، التي تسهل المماحكة فيها وحولها، فمن الصعب جدا – والحالة هاته – التوافق على سبب وراء ظاهرة الكراهية وإقصاء أسباب أخرى، وحتى إذا حصل التوافق في هذا المستوى، فمن المستبعد أن يتعداه إلى سبل المعالجة، التي تتفرق بالعقول، وتحملها إلى آفاق مختلفة، غير أن هذه الزئبقية في مقاربة هكذا موضوع، لا تعفينا من مسؤولية الاشتغال النظري عليها، والسعي لاقتراح حلول لها…

لكن، وقبل التفسير والافتراض، وقبل الحديث في السبل أيضا، يجب التنويه إلى أن الفرضيات التفسيرية لهذه الظاهرة بشكل عام يمكن تقسيمها إلى نوعين رئيسين: فرضيات موضوعية تردُّ الظاهرة إلى أسباب تاريخية وواقعية كسياسات الاستبداد، التي أمعنت في الإساءة للإسلاميين، وزرعت بذور الكراهية في كل الحقول والعقول، والصراع السياسي الحاد الذي دخلته الحركة الإسلامية في التاريخ المعاصر مع معارضيها ومخالفيها في الرأي والمشروع..؛ وفرضيات ذاتية مرتبطة بالنواقص التي يعاني منها المشروع الإسلامي، والتي تغذي الكراهية، وتعمل على استدامتها.

وإذا كانت عوامل الكراهية ومصادرها الموضوعية أو السياسية يمكن التخلص منها بردود من جنس العمل أي بردود سياسية، وبرامج تواصلية، وهو أمر مهما كان صعبا فإن النجاح فيه ممكن ووارد، فإن الكراهية التي تتسبب فيها ذاتية الحركة الإسلامية أخطر وأعصى عن الإدراك، والتغيير، فبالرغم من الجهود التي بذلتها وتبذلها الحركة الإسلامية لتحسين صورتها في الداخل (النخب الحداثية)، والخارج، فإن الحصيلة لحد الآن متواضعة، ولا تؤشر على حل قريب.

ومن ثم، فإننا في هذه المقالة القصيرة سنعالج السبب الذاتي وراء الكراهية المستدامة للحركة الإسلامية، وسننبه إلى مجموعة من الضوابط تصلح أن تكون مرجعا لحل هذه الآفة المدمرة، لأكبر قوى النهوض والاستنهاض العربي.

فانطلاقا مما تقدم، نفترض أن الكراهية التي تعاني من آثارها الحركة الإسلامية في كل مجالات عملها الإصلاحي وفي علاقتها بالعامل الذاتي، تعود لسببين رئيسيين:

أ- إن كراهية الغرب للإسلاميين ترجع في العمق إلى إدراكه (أي الغرب) المشروع الإسلامي على نحو عدائي، حيث يرى فيه تهديدا جديا وقويا لمصالحه الاقتصادية، والاستراتيجية بالعالم العربي، ويرى فيه – أيضا – على المدى البعيد تهديدا لتفوقه الحضاري، وسيادته على العالم.

ب- أما كراهية التيار الحداثي عموما للحركة الإسلامية، فهي ناتجة بالأساس عن اعتباره المشروع الإسلامي تهديدا جذريا لنمط الحياة المعاصر، وتهديدا للحريات والحق في الاختلاف على مستوى الرأي والعقيدة ونمط العيش.. إلخ.

إن العلاقة بين «العرض السياسي والحضاري» للحركة الإسلامية من جهة، وبين الكراهية المتأصلة لدى الغرب والتيار الحداثي من جهة ثانية قوية، ولا تحتاج إلى أدلة، وتقدم تجربة الحركة الإسلامية في اللحظة المعاصرة، وخاصة في فترة الحراك الثوري على الصعيدين النظري والعملي أدلَّة حقيقية وملموسة على نية الإسلاميين تحطيم النموذج الحضاري الغربي، ونقض سلطانه، وبالتَبَعِ القضاء على ما تعتبره الحركة الإسلامية امتدادات للغرب في الداخل، والتي تجسدها التيارات الحداثية أو المدنية بتعبير آخر. ومثل هذا الكلام لا يخلو من عمومية نحن ندركها، ولكن قصدنا الإشارة إلى الوصف الغالب ولا عبرة بالاستثناءات القليلة، التي بَذَلت، ولا زالت جهودا مضنية للتأقلم مع الظرف الحضاري الراهن.

وإذا كان تفوق الإسلاميين على خصومهم من أبناء الوطن ظاهرا، ولا يحتاج إلى إثبات، وكل الوقائع السياسية، والتدافعات المدنية من انتخابات، وعمل اجتماعي وخيري… تؤكد ذلك، فإن الأمر مختلف تماما مع الغرب، فكل الصدامات المباشرة وغير المباشرة التي تمت بين الطرفين في العقود القليلة الماضية انتهت بهزيمة الإسلاميين، وأكرهوا على التقوقع، والتطرف (الموت)، وحوصروا في حدود ضيقة، مضبوطة تختلف من بلد لآخر، تسميها الأدبيات المغربية بـ «سياسة التحكم»، التي يتفاعل ويتناغم فيها الداخلي مع الخارجي.

لقد أدت الثورات العربية – في هذا السياق التحليلي – إلى انهيار قواعد وآليات التحكم الغربي في دول الربيع، التي سادت منذ الاستقلالات الوطنية، وتأسيس الدول القطرية، وخرج العفريت من القمقم، وكان من أثر ذلك وصول الإسلاميين إلى السلطة، حيث أمسى بإمكانهم إعاقة، ومعارضة المصالح الاستراتيجية الغربية (الاقتصادية والأمنية) بالمشرق العربي، وغلب على الكثيرين – في هذا السياق – الإحساس بدنو آجال العودة الحضارية للمسلمين، والشهادة على الناس.

كما أحدث – أيضا – هذا الانهيار الفجائي لآليات التحكم، وما استتبعه من تحولات جذرية في البنية السياسية ببلدان الثورة، وعلى رأسها هيمنة الإسلاميين على الحكم حالة «إرهاب» غير طبيعية لدى النخب والتيارات الحداثية، التي سبق الخوف على مستقبلها السياسي والثقافي والمدني إلى قَرَارِها، وأمست مضطربة السلوك، مستعدة للتحالف مع الشيطان لإنقاذ نفسها مما اعتبرته تهديدا وجوديا، وبدأت تشتغل بوتيرة غير طبيعية، ولا معهودة للإطاحة بحكم الإسلاميين وإرغامهم على التنازل عن السلطة طوعا أو كرها، وقد تبدى هذا الأمر بوضوح في النموذجين المصري والتونسي، وتبدى بدرجات أقل أو بشكل مختلف في النموذجين اليمني والمغربي، والسبب نفسه كان وراء إعاقة نجاح الثورة السورية.

إن الانقلاب العسكري في مصر، وما جرى في تونس والمغرب من تحجيم لوجود الإسلاميين في السلطة، وما جرى، ويجري الآن في اليمن وسوريا والعراق هو لحظة أخرى من لحظات إنتاج قواعد وآليات تحكم جديدة بالإقليم العربي من طرف الغرب، التي تكررت مرات ومرات في التاريخ الحديث والمعاصر، تضمن له استدامة مصالحه وأمنه الاستراتيجي بالمنطقة، وتضمن له – أيضا – إعاقة وعرقلة المحاولات النهضوية للعرب، وذلك بالتحالف مع التيارات الحداثية، وبعض القوى الإقليمية التي ترى في الإسلاميين والديمقراطية تهديدا لوجودها السياسي.

إن كيفية تعامل الإسلاميين مع هذه اللحظة التاريخية (لحظة إنتاج آليات التحكم) التي تشبه غيرها في تاريخ العرب القريب، مسألة بالغة الصعوبة، والدقة، يتوقف صواب البصر والبصيرة فيها على تقدير الموقف من ثلاث نواح رئيسة:

– الأولى: قدرة الحركة الإسلامية على إعاقة عملية إنتاج هاته القواعد والآليات التحكمية؛

– الثانية: الكلفة الحضارية لعملية الإعاقة هاته، بغض النظر عن إمكانية نجاحها؛

– الثالثة: تتعلق بالطريق الذي يسلكه الإسلاميون بحثا عن السيادة الحضارية، والنظر فيما إذا كان طريقا سالكا، وموصلا – فعلا – للمقصود.

إن تأمل اللحظة الراهنة في ضوء اللحظات التاريخية المشابهة التي مرت بها الأمة العربية، وفي ضوء التحولات الحضارية الراديكالية التي شهدها العالم في الثلاثة عقود الماضية، والتي إن رمنا تفصيل القول فيها لاحتجنا إلى دراسة وافية ليس متاحا لنا في هذه المناسبة الخوض في معمعانها، والإتيان بأدلتها، وقد عالجناها في موضع آخر، ولكن نستبقها – ها هنا – بتقرير ثلاثة أمور أساسية، تعتبر نتائج هذه الدراسة، وتصلح أن تكون ضوابط النظر والعمل بالنسبة للحركة الإسلامية في المستقبل:

أ- إن إعاقة المشروع الغربي الذي يتوخى إعادة بناء قواعد التحكم ببلدان ما بعد الثورات من خلال أدواته بالمنطقة تكاد تكون مستحيلة، وغير ممكنة، وأي إصرار على هذا الطريق، سيؤدي مباشرة وبسرعة إلى «سرينة الثورة»،* وتبديد كل الرصيد النهضوي الذي تحقق قبل الدولة الوطنية وفي إطارها على مدى أزيد من قرن تقريبا، وهذا مصير لا يرضاه أي عاقل.

فالحركة الإسلامية المصرية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، إذا ما أصرت على ما تسميه إسقاط الانقلاب وما ترتب عنه، وذلك من خلال تثوير الشارع، وتأزيم الوضع الأمني والسياسي..، ستُودي بمصر إلى الهاوية، ومزيد من الانهيار، قد تتحول معه – لا قدر الله – إلى حالة فوضى أمنية، وحرب أهلية غير متحكم فيها، ذلك أن قادة الانقلاب ومن يقف وراءهم من قوى إقليمية ودولية، مُصِرين على عودة مصر إلى حظيرة التحكم، ومهما كلفهم من ثمن، وبالمقابل عجز قوى الثورة وفي مقدمتها الحركة الإسلامية على فرض مطالبها، بسبب ضعفها وعجزها الواضح، فهي غير قادرة على الانتصار سواء بالحرب أو السياسة. قد يكون هذا التقييم قاس، ولكنه الحقيقة، التي تلزمنا أخلاقيا بالاعتبار.

وبناء عليه، بدل تبديد قوى الإصلاح في الاعتراض على المشروع الغربي وحلفائه بالمنطقة، مع كل الأخطار التي يستتبعها، وجب العمل على بناء استراتيجية بديلة، استراتيجية قائمة على مبدأ رئيس: وهو استعادة الاستقرار، ووقف الانهيار، تحت شعار «الإصلاح في ظل الاستقرار»، وتوسيع الممكن الإصلاحي في سياق الواقع الجديد. وذلك حفاظا على ما تبقى من إمكانات قوى الإصلاح البشرية منها والمادية، وصونا للرصيد النهضوي العربي، وإبقاء على الأمل القريب.

إن هذا الذي نطالب به الحركة الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين أمر قاس، وبالغ الصعوبة، غير أنه ضروري، وممكن، للأسباب التي ذكرنا آنفا، كما أنه مسؤولية جميع الأطراف المعنية بهذا الصراع، فكل الوطنيين مهما اختلفت مواقعهم معنيون بالمساعدة، وتسهيل هذا التحول داخل الحركة الإسلامية، والدفع باتجاه المصالحة التاريخية.

ب- إعادة تعريف المشروع السياسي الإسلامي بصورة تجعله مشروعا حداثيا، قائما على الحرية والمواطنة الحقة، فكثير من الخوف الذي يقود خطوات وأفكار ومبادرات التيار الحداثي والنخب الداعمة له، سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية سببه الخصاص في خطابي الحرية والمواطنة وممارستهما لدى الإسلاميين. وتتخذ القوى المتربصة بالعالم العربي من هذا الخصاص والخوف الناجم عنه حصان طروادة لتحقيق مآربها الاستراتيجية بالمنطقة.

ونظرا لما لهذه القضية من أهمية فقد ذَكَّر بها الباري، وجعلها أحد موجبات العبادة، فالإحساس بالأمان، يجلب الإيمان، وقد قال تعالى في هذا المعنى: ﴿فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ (قريش، 3- 5).

إن السلطة التي يتطلع إلى امتلاكها أي مشروع سياسي لا يجب أن تكون أداة للحد من ممارسة الحرية في أبعادها الاجتماعية والثقافية، والتضييق عليها، بل على العكس من ذلك يجب أن تكون أداة لمزيد من التحرير، ذلك أن السلطة في إطار الدولة الحديثة لم تنشأ لتدبير الشأن الروحي والثقافي أساسا، وتركت هذين الأمرين للمجتمع المدني، ونشأت وازدهرت في سياق تدبير الشأن المادي، وأي استعمال للسلطة يبعد بها عن جوهرها الحداثي، يؤدي إلى عدوان على الحرية.

فالإسلاميون المشغولون بأمر العقيدة والثقافة والسلوك ليس من المناسب لهم الاشتغال بالسياسة، أو التفكير في السلطة كأداة للتغيير والإصلاح، بل يجب عليهم الاندماج في المجتمع المدني، واستخدام وسائله للتأثير الثقافي، وتغيير الأفكار والقناعات.

إن إلغاء المدخل السلطوي في الإصلاح الثقافي والأخلاقي بالنسبة للإسلاميين ليس قرارا سهلا، ومتاحا أمام الجميع، بل على العكس من ذلك محفوف بكثير من المخاطر والمنزلقات، ويتوقف النجاح فيه على أمرين رئيسين: تبني قراءة جديدة للإسلام، تحرر رسالته الروحية والأخلاقية من أسر السلطوية؛ وفهم عميق للتحولات الجذرية التي شهدها مفهوم السلطة السياسية في الفترة المعاصرة.

ج- إن المطلوب الحضاري الذي يشغل بال معظم الإسلاميين لن يتحقق من خلال مشروع سياسي متحيز في مجال (وطن)، كما يعتقد الكثيرون، تحت تأثير المقايسة التاريخية غير العلمية، التي تفكر في نهضة إسلامية بتقاسيم جيوسياسية وسيطية، بل يتحقق في سياق التحولات العميقة التي شهدها العالم في القرن العشرين وبداية هذا القرن من خلال التثاقف والاتصال مع الآخر، حيث تنتفي الحدود والحواجز، ولإدراك هذا الأمر على نحو أفضل، يكفي تأمل آثار الحضور الإسلامي بالغرب، وخارج البلاد العربية، والمشاركة الفعالة لكثير من المسلمين في القرار العالمي، وخاصة على المستوى العلمي، والثقافي العام..

كما أن هذا المطلوب يقع خارج دائرة المتاح، ولا يحيط به النظر، والتحول في إطاره يستغرق مددا طويلة، تعد بالقرون، ومن اشتغلوا، ويشتغلون بتاريخ الحضارة يدركون جيدا هذه المسألة الدقيقة، ومن ثم، فتدبير أمر «العودة الحضارية»، غير ممكن وغير علمي، وسير على غير هدى وبصيرة.

فالحركة الإسلامية وإن تحدثت عن التطلعات والأشواق الحضارية، فإنها عمليا لا تقوم إلا بعمل سياسي وثقافي في أمد زمني منظور، يتجاوب مع اللحظة بكل إكراهاتها وموازينها، أما مصير الحضارة فهو من الغيبيات التي لا يحصدون من الانشغال بها، والحديث عنها، إلا المشاكل والإخفاقات.

إن استناد الإسلاميين إلى المرجعية الحضارية، والفهم الخاطئ للخيرية ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله﴾ (آل عمران، 110)، وبناء المشروع الإصلاحي على هداهما، يؤدي بالضرورة إلى مزيد من التقاطب الحضاري، الذي يغذي بدوره الروح العدائية بين أطراف المجتمع الإنساني، ذلك أن المشروع الحضاري الإسلامي شأنه شأن غيره لا يتحدد إلا من خلال الاختلاف، والتميز عن الآخر.

وقد يكون هذا الأمر طبيعيا، وليس معيقا للتعايش بين المختلفين، غير أن رسوخ وسريان روح الهيمنة والتفوق لدى الحضارتين المتجاورتين (الإسلامية والغربية)، يجعل من إمكانية التعايش بينهما ضعيفة، ويجعلهما دائما في وضع التقابل والمواجهة عقديا، وقيميا، وثقافيا.

وإجمالا؛

إن هذه الاعتبارات والضوابط الضرورية والمستعجلة، إذا ما تمت على وجهها الصحيح ستجلب للحركة الإسلامية منافع شتى، منها على سبيل المثال لا الحصر: الاندماج في الجماعة الوطنية والإنسانية؛ تقلص الخلاف بينها وبين التيار الحداثي والإنسانية إلى درجاته الدنيا؛ التخفيف من الانقسام الاجتماعي على أساس مذهبي أو سياسي؛ والتخفيف من حدة الاستقطاب والتقاطب في الساحة السياسية وغيرها من الساحات.

لكن هذه المقترحات عادة ما تواجه من طرف جمهور الإسلاميين بالخوف، ويظن كبراؤهم الذين يعلمونهم الحكمة والكتاب، أن مثل هذه الأفكار تهدد وجود الدعوة الإسلامية، وتفتح الباب لاستباحتها، وهذا الكلام ومثله يعكس سوء فهم كبير، فمصير الإسلام ومستقبله، ومن منظور إنساني ليس مهمة حصرية خاصة بالحركة الإسلامية، بل تشترك معها فيه الكثير من التيارات والأطراف التي لا يصدق عليها وصف «الإسلامية»، كما أن هذه الضوابط وما ينشأ عنها، عكس ما يتصور هؤلاء، توفر للإسلام والدعاة مساحات واسعة للعمل والتأثير، وفي اتساق تام مع مطالب العصر، ومن منطلق مدني وسائلا، وأهدافا.

إن هذه الأفكار/الضوابط في المحصلة النهائية، إذا ما اعتبرت في بناء استراتيجيات الإصلاح بالعالم العربي ستجعل الحركة الإسلامية بين اختيارين غاية في الصعوبة، إما التخلي عن السياسة والتوجه إلى العمل الإرشادي والمدني تحت مظلة دولة مدنية تصون الحريات؛ أو التخلي عن العمل المدني (خاصة في بعده الإرشادي)، والتحول إلى حركة سياسية تتأسس على قيم الحرية والمواطنة، وفي كلتا الحالتين، تتحرر عمليا من المرجعية الحضارية (طلب الحضارة)، وتحتكم إلى إحدى المرجعيتين: السياسية أو المدنية.

فبهذا الأسلوب تستطيع الحركة الإسلامية أن تنزع الغِلَّ من قلوب الذين يكرهونها، وتحدث حدا أدنى من التوافق الخلاَّق، والمثمر مع خصومها، فعلى سبيل المثال بناءُ الإسلاميين على قيم مشتركة بينهم وبين تيار الحداثة من قبيل الحرية، والمواطنة، والديمقراطية، والدولة المدنية…، من شأنه أن يحصُر ويحاصر الخلاف بين التيارين الإسلامي والحداثي في قضايا سياسية أو جزئية لا تهدد اللُّحمة الاجتماعية، ولا تحوله إلى كراهية.

أما بالنسبة للغرب، فعدول الإسلاميين عن المرجعية الحضارية الكلاسيكية، والاستناد إلى مرجعية سياسية ومدنية من شأنه أن يمد الجسور بين الطرفين، ويصور الخلاف بين الطرفين في صورة أخرى تتيح إمكانية التعاون، والاختلاف، ويخرج العلاقة من الإطار الأمني والعسكري إلى المجال السياسي والمدني.

—————————————–

*نسبة إلى الحالة الثورية السورية.