الإسلام وسؤال الهوية


عادة ما تُطرح إشكالية الهوية والفكر الهوياتي في الفضاء الثقافي العربي الإسلامي في أحد سياقين:

الأوّل: هو الهوية والتحديث، حيث يتم التعاطي مع الهوية كأحد جيوب المقاومة للحداثة في العالم العربي الإسلامي، أي إن النزعات الهوياتية قد ظهرت كرد فعل لعمليات التغريب والعلمنة والحضور الثقافي والاستعماري للحداثة الأوروبية في الحاضرة الإسلامية (وهذا التشخيص صحيح تاريخياً) إلا أن السياق الذي تُطرح فيه هذه الإشكالية عادةً ما يستتبع في نهاية المطاف ضرورة تجاوز (أوهام الهوية) بتعبير داريوش شايغان[1] و التخلي عن هذا الميكانيزم الدفاعي والتصالح مع الجرح النرجسي (بتعبير طرابيشي) [2] الذي خلفته الحداثة في الشخصية المسلمة والمضي قدماً في هذه الحتمية التاريخية (العروي مثالاً).

أما السياق الثاني (وهو الأكثر حضوراً في الإعلام المعولم): فهو الهوية والعنف[3] ، إذ إن الهويات المغلقة والتمامية هي البيئة المنتجة للحركات الأصولية (وما بات يُعرف بالإرهاب)، ومهمة المثقف المستنير إذاً هو تفكيك هذه الصلابة الهوياتية، تمهيداً لقبول الآخر وفتح فضاء التعددية الدينية والطائفية وإحلال السلام العالمي ونبذ العنف والتطرف.

وبما أن هذه الورقة هي محاولة نقدية لتجاوز براديغم الهوية وتخطي مأزق الفكر الهوياتي نحو براديغم الذات والحركة (وفق فلسفة محمد إقبال) فسأضع بعض الملاحظات التمهيدية لإعادة طرح سؤال “الإسلام والهوية” خارج السياقين الأيدولوجيين سابقي الذكر:

نشر عالم الإسلاميات الألماني توماس باور كتاباً لم يترجم بعد، عنوانه “ثقافة الإلتباس، تاريخ آخر للإسلام”، وهو في هذا الكتاب يعمد إلى تفكيك المقولات الاستشراقية التي تسم الثقافة الإسلامية بأنها ثقافة أحدية مغلقة على نفسها، غير قابلة جوهرانياً للتعدد والاختلاف، وموسومة بالثبات والواحدية، هذه المقدّمات غير المفحوصة وغير العلمية التي يتخذ منها الخطاب الاستشراقي الكلاسيكي مقدّمة للقول بأن محنة التخلف العربي الإسلامي اليوم هي بنت مشكلة ثقافوية في طبيعة الإسلام وهي ناجمة عن تشوه خلقي وأصلي وليست نتيجة لظرف تاريخي[4]. وأن خلاص الشرق بالتالي لن يمرّ إلا عبر مهمة الرجل الأبيض التحضيرية.

ويرى باور في كتابه أن “التسامح مع الالتباس”، كان روح الثقافة الإسلامية حتى قدوم الاستعمار، الذي أدى فائض عنفه على العالم الإسلامي، إلى حالة من التمترس وراء الهوية في محاولة للدفاع عنها ضد الآخر الغازي، ولنا أن نرى في هذا المشهد البذرة الأولى للنزعات الهوياتية. ويمكن لنا أن نلحظ التغير الذي طرأ على خطاب مفكري عصر النهضة قبل بروز الاستعمار كمعطى مهدد للوجود والثقافة الإسلامية وبعده، إذ يبدو أن السؤال البريء الذي يطرحه الطهطاوي وخير الدين التونسي هو: كيف نقنع المسلمين أن التنظيمات السياسية ومبادئ الدولة الحديثة وتشكيلاتها الديمقراطية لا تتعارض مع الإسلام؟ إلا أن ضغط الاستشراق والاستعمار جعل موقف كلّ من الأفغاني ومحمد عبده متراجعاً خطوةً من سؤال النهضة إلى سؤال الهوية إذا ما قيس بموقف مفكري عصر النهضة الأوائل، فثمة شعور عام لدى الرجلين بأن الإسلام نفسه قد صار مهدداً، ولذا فإن جهداً كبيراً بُذل من الرجلين في محاولة كلاميّة لرد الشبه وإثبات أن الإسلام ينطوي على إمكانات التحديث الداخلية ، وأنه لا يتعارض مع مبادئ العقلانية وحقوق الإنسان والعلم الطبيعي، ولنا أن نلحظ هنا أن الحداثة بدأت تبرز كمرجعية ثقافية أكيدة، وأن الإسلام تحول من معطى بدهي إلى مُسائل ينبغي عليه الدفاع عن نفسه أمام دعاوى الاستشراق التي تنزع إلى اعتبار الإسلام ذاته هو مكمن التخلف، ولو تقدّمنا بالزمن إلى كتابات المودودي وسيد قطب فسنلمح هذه النزعة في أوجها، فالحداثة هي الغزو الثقافي وهي الجاهلية الحديثة، والإسلام النقي يرتكز إلى مقولات راسخة ومطلقة ومتعالية عن التاريخ لا يعكرها الزمن ولا يغيّرها، وإن كان الاستعمار قد بدأ يغرب في تلك اللحظة التاريخية فإن تبعاته الامبريالية متمثلة بالنخبة السياسية والثقافية التغريبية قد ضاعفت هذا الشعور بتهديد الذات والخوف من ذوبان الهوية.

هذه النزعة للدفاع عن الهوية المهددة هي نزعة بشرية عابرة للثقافات ، فلنا أن نلحظها في مدرسة كيوطو اليابانية بعد انفتاح ميجي، وتبيئة المدرسة لوجودية كيركغارد ونيتشة وهايدغر في التراث البوذي والكونفوشي لنقد مقولات الحداثة التقنية والعقلانية، ولنا أن نلحظ هذا الجهد الدفاعي والهوياتي في الفكر الإيراني الحديث كذلك، فمفكرون مثل أحمد فرديد وجلال آل أحمد استدخلو من التراث الحداثي كتابات هايدغر (وبالأخص فكرته عن العودة إلى الأصول والجذور) وكتابات مدرسة فرانكفورت النقدية لنقد سياسات الشاه التغريبية كما يظهر في كتاب جلال آل أحمد الشهير (غرب زدگی أي ضد التغريب) وهي ذات الاستراتيجية التي سيتبعها المسيري ومدرسة إسلامية المعرفة لاحقاً، في حرص لإثبات التمايز الكلي عن الحداثة، والتشبث بنموذج إسلامي نقي، يمكن سحبه على جميع الفروع العلمية والعملية وإسباغ ذات الدرجة من التمايز الجذري عليها.

يرى توماس باور أن التنوير كان باستمرار بحثاً عن الأحدية ونبذاً للإتباس، أي إنّ النزعة الهوياتية هي نزعة حداثية، فإذا كانت الهوياتية تعنى أن الذات الفردية تذوب في الذات الجمعية وتبحث عن مطلق نقي تستند إليه وتعرف نفسها بانتماء أحدي، فإن هذه السمة كانت لصيقة باللاهوت السياسي للحداثة، وهو ما تجلى في النزعات الفاشية والنازية لاحقاً، ولنا أن نرى في السلفية الجهادية اليوم باستنادها إلى منطق “الفرقة الناجية” الوجه المقابل للحداثة الفجّة المتمثل بمقولة “العرق النقي” ، الحداثة التي تحوّلت في لحظاتها الأولى إلى لاهوت مقلوب يتأسس على مقولات يقينية مضادة، أفاض عنفاً على العالم وعلى نفسه، وهو مصير كل جماعة تُشكل هويتها بانتماء أحدي تتوهم نقائه التام وتعاليه عن عبء التاريخ وحركته وترى في نفسها الفرقة الناجية من هذا الاختلاف والتنوع البشري الأزلي والضروري، الذي هو غاية الخلق في الآية القرآنية “ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم” [5].

يتتبع ستيوارت هول تحوّلات مفهوم الهوية في السياق الأوروبي في مقاله “حول الهوية الثقافية”[6] مُشيراً إلى أطوارها الثلاث: الهوية التنويرية وتتجلى في فلسفة عصر النهضة والتنوير: وهي ترتكز على مفهوم الإنسان بصفته ذاتاً موحدة، تمتلك نزعة مركزية بالكامل: أي إن الهوية وفق هذا المنظور هي لب داخلي ينشأ مع ولادة الذات ويبقى جوهرياً ومتماهياً مع أصله مع النمو، وينطوي هذا المفهوم عن الهوية، الذي يظهر مع ديكارت، على تغير جذري ألا وهو أن الهوية الذاتية تتأكد بمعزل عن التقاليد والبنى الخارجية عنها، وأن الفرد السيد يمتلك قيمة مركزية لكونه فرداً لا بسبب موقعه في التراتب العظيم للوجود بتعبير هول، وقد ساهمت عدة عوامل في صياغة هذا المفهوم الجديد عن الذات: الإصلاح البروتستانتي (تحرير الضمير من المؤسسة الكنسية)، والنزعة الإنسانوية التي وضعت الإنسان في مركز الوجود، والثورات العلمية، والتنوير الذي تأسس على مفهوم النقد والشك المنهجي.

أما الطور الثاني فهو الهوية السوسيولوجية التي برزت مع الوعي بأن التشكل الحديث للمجتمع والبُنى السياسية والاجتماعية المعقدة فيه، لا يُبقي الذات متماهية مع نفسها، فالهوية الفردية ليست مكتفية بنفسها وليست ثابتة ، ولكنها تتشكل بالعلاقة مع الآخر، فالهوية وسيط بين الذات والمجتمع الذي يقدّم للفرد هويات عدة ويقوم الفرد بدوره باستبطان هذه الهويات وترتيب انتماءاته لها، فالهوية أشبه ما تكون بخياطة الذات إلى البنية الخارجية، أما الطور الثالث فهو: الهوية ما بعد الحداثية، وإن كانت هوية ما بعد الحداثة (الحداثية المتأخرة بتعبير غيدنز) قد نزعت هذا التمركز حول الذات، بجهود كلّ من ماركس (الذي نفى أن نكون كتبة للتاريخ) وفرويد (الذي نفى أن نكون كتبة لهويتنا الشخصية) وسوسير (الذي نفى أن نكون كتبة للبيانات والخطابات) وفوكو (والذي نفى أن نكون كتبة لوعينا بأجسادنا وممارساتنا الحياتية) والحركات النسوية والاتجاهات الثورية الاجتماعية الجديدة التي تبنت استراتيجية الاحتجاج على أساس الهوية بعد غياب الطبقة كأرضية للنضال والاحتجاج، فإن هذه الهوية ما بعد الحداثية تُبقي الذات في حالة من عدم الاستقرار والسيرورة والتفتت والانقطاع المستمر .

فإذا كانت الذات التنويرية تؤمن أن الهوية مغلقة ومكتفية بذاتها، فإن الذات السيوسولوجية تؤمن أن الهوية هي وسيط بين الذات والمجتمع وهي إذا مفتوحة على تفاعلات المجتمع، فإن الذات ما بعد الحداثية تجعل الهوية مفتوحة تماماً على احتمالات التاريخ (والفوضى أحيانا).

ولكن هذه الذات ما بعد الحداثية ما زالت جزرا ثقافية وفنية تعوم على بحر الحداثة ، أي إن العلاقة السياسية بين العالم العربي والغرب بقيت أسيرة الذاكرة التاريخية المتأزمة، ويمكن أن نكون أكثر قسوة بأنها ما زالت في الأفق السياسي البدائي لعلاقات العدو والصديق، إذ إن سياسات الإدماج والتعددية والاعتراف لا تنطبق على العالم العربي الإسلامي، ولنا أن نلحظ أن أحد أهم منظري التعددية الثقافية، أعني ويل كيميلكا الذي يقسم الأقليات في كتابه “أوديسا التعددية الثقافية” إلى أقلية أصلية وأقلية ثانوية وأقلية مهاجرة، ثم نراه يحصر الأقليات الأصلية في الهنود الحمر والسكان الأصليين في استراليا وكندا متناسياً عن تعمد أو عن غفلة الأقلية الأصلية الفلسطينية داخل حدود “إسرائيل” التي يجري التمييز على أساس الهوية بشكل دائم عليها[7] ، وإذا كان سارتر قد قال على أثر السجال الأوروبي حول معاداة السامية “بأن اليهودي إنسان، ينظر إليه الآخرون على أنه يهودي، إن المعادي للسامية هو الذي يصنع اليهودي”  فإن هذا الصوت بحق المسلم يبدو غائباً في الفضاء الغربي إلا من بقية ينهون عن الفساد في الأرض.

إذا كانت هذه المقدّمة الطويلة تتوخى تجنّب مزالق الوقوع في شَرَك الاستشراق و الاستشراق المعكوس ، وإذا كان لنا أن نُسلّم بأن من حق المسلم اليوم التفكير والتقدّم إلى حداثة بديلة تستند إلى “روح الحداثة” وتكمّل النقص في واقع الحداثة، وأن نسلّم بأن الإسلام بقي جسماً ثقافياً ناتئاً وعصياً على الاندياح في سطح العولمة الأملس، فإن التفكير في الهوية سيصبح جدلاً ذاتياً يتعلق بالإسلام ويتجه إلى الإسلام، وإذا أردنا القفز من الوعي الأنثربولوجي واللاهوتي بأنفسنا (وهما وجهان للعملة ذاتها وكلاهما يتعاطيان مع الإسلام كهوية مغلقة ونسق تام لا مكان فيه للفعل الإنساني سوى التكرار والاستنساخ لا الإجتهاد) إلى وعي سيسولوجي يرى في الهوية وسيطاً رمزياً تفاعياً بين الذات والوجود والآخر، وهي وسيط يتشكل باستمرار، أي يرى في الذات ورشة مفتوحاً ومشروعاً لم يُنجز بعد، فإن الخطوة اللازمة الأولى هي الثقة، والشجاعة لأن نوجد بالإسلام وفي التاريخ.

نصل إلى المتن الآن، وسأحاول أن أتقرى واستقرئ باختصار جهد فيلسوف مهمل في الفكر الإسلامي الحديث، ألا وهو محمد إقبال، فيما يتعلق بالسؤال الذي نحن بصدده.

تقع الذاتية في قلب فكر إقبال، فوجود الذات وفرادتها هي الحقيقة الأكثر بداهة ورسوخاً في وعي الإنسان بنفسه، هذه الذات التي يشبِّهها إقبال بالموجة، التي لا توجد إلا في حركة وتوثّب، فالسكون والثبات هما قرينا الموت، وهو ما يدفع إقبال للنقد الحاد لأثر الفكر اليوناني الذي يقوم في عمقه وجوهره على عنصري الثبات والواحدية كما يُبين شبنغلر[8]، وهو ما يدفع إقبال كذلك لصبّ جهد فلسفي كبير في نقد النزعات الفنائية الصوفية، ولي أن أنوه هنا أن كل نزعة هوياتيه هي نزعة فنائية، أي إنها نزعة تتجاهل الذات المفردة وتدمجها في وجود كلي أعلى (العرق، القومية، تطبيق الشريعة) ، فكما ينزلق الصوفي قطرة في محيط الوجود الإلهي ينزلق السلفي قطرة ذائبة في الشريعة التي تنحصر في كونها قوانين برانية على المسلم أن ينصاع ويخضع لها دون أي فعالية ذاتية أو تأمليّة من قبله، ولكن الإنسان في حقيقته كما يرى إقبال قطرة باقية أبد الدهر[9]، وهو موجود وجوداً حقيقياً حتى أمام الحضرة الإلهية[10]، أي إن التعدد حقيقة أنطلوجية [11] وليس وجود الذوات وتعددها اعتبارياً أو مؤقتاً، ومُبتغى الذات ليس الفناء في ذات الله، إنما مبتغاها أن تتخلق بصفات الله، حتي تحوي اللامتناهي في تناهيهها، أي إن المبدأ الذي يقوم عليه الوجود الإنساني، هو أن وضع الإنسان ليس وضعاً نهائياً في الوجود، وذاته ليست ساكنة ، بل هي حركة مستمرة، وكل فلسفة أو نظام يسعى لضبط الوجود الإنساني في ماهية أو نموذج فهو يحدّ من قدرة الإنسان وقدَره وقدْره.

بل إن مبدأ الذاتية في فلسفة إقبال يشمل الله والوجود، فالحياة ذات، والله ذات، أي إنه ذات نشطة وخلاقة، لا مبدأ أو قناعة ذهنية أو فكرة علوية ساكنة أو محكمة قانونية، الأمر الذي يجعل من الوجود كله كيانا متحركاً وحيّاً[12]. فالذات لا توجد في السكون، بل مبدؤها هو الحركة في الزمن، هذا ما يجعل الفعل هو المقوّم للذات[13] فالذات لا تكتشف نفسها إلا عن طريق الفعل الذي يعرّف الذات بدوره[14]، وينبغي هنا أن أنوّه بأن الهوية هي مبدأ قولي، يتحقق بانتماء ساكن، فالإنتماء الهوياتي إلى الإسلام هو مجموعة من القناعات الذهنية التي يُسلّم المسلم بصحتها، والانتماء إلى القومية هو انتماء يجد في الدم مطلقه ومرجعيته الساكنة، بينما وجود الذات وتحققها هو مكابدة وجودية مستمرة [15]، وحركة استيعابية باستمرار[16]، وجهد لا يتحقق في مطلق إلا من جهة غايته، وهي الله. وكل ما سوى ذلك أصنام ينبغي تحطيمها كما يقول إقبال.

إذا كانت ماهية الحقيقة، وماهية الإسلام ماهية روحية، فإنّ هذه الطبيعة الروحية لا تجد في المادة أو التاريخ خصما لها، فالدنيا ليس مدنّسة، بل هي مقدّسة وطهور ومسجد كما في الحديث[17]، أي إن هذه الفلسفة التي تتأسس على الذات والحركة والفعل والإخلاص للغاية والوفاء للأصل، لا تجد في التاريخ ضرورة تُفقد المبدأ مثاليته ونقاءه وصفاءه (وهو جوهر النزعات السلفية) إنما ترى فيه إمكان التحقق الوحيد، وترى فيه المعبر الذي تتجلى هذه الروح من خلاله.

هذا المعنى الذي يتضح بفكرة ختم النبوة التي يرى إقبال أنها بترافقها مع إلغاء الرهبانية ووراثة الملك تعني إعلاناً لأهلية الإنسان للاجتهاد، وتعني أن الله منح الإنسان الثقة ليكون خليفته [18]، وليحمل قيم الإسلام إلى مداها وغايتها، فالمهمة إذا ليست الحفاظ على الإسلام، إنما مدّه في التاريخ والاستطراد بقيمه إلى أقصاها، وهو ما يظهر في آراء إقبال الجريئة والمبكرة في قضايا المجالس التشريعية والحدود ومساواة الرجل والمرأة .

ليس محرك الوجدان إذا هو الحنين إلى الماضي النقي، إنما توجّه الذات المفتوحة إلى المستقبل وإلى الإنسانية جمعاء نحو الحداثة الروحية [19]، متمثّلة بخطاب “يا أيها الناس” وهو الخطاب الذي غاب كلية في أفق الدفاع عن الهوية. وهذه الفلسفة كامنة في لفظ الشهادة كما يفهمها إقبال، وكما يستطرد الحبابي على هذا الشرح بأن الشهادة تقرّ أولاً بأحقية الذات بالوجود، والتي تشهد أمام العالم وتنتهي في تأكيد وجودها واكتماله إلى غاية الوجود : الله[20].

 


[1] داريوش شايغان، أوهام الهوية ، دار الساقي، سلسلة بحوث اجتماعية ، 1993.

[2] انظر : جورج طرابيشي ، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، دار الساقي، 2000، ص9.
[3] انظر امارتيا صن ، الهوية والهنف وهم المصير الحتمي ، عالم المعرفة ، 2008.
[4] ورقة رشيد بوطيب (توماس باور، ثقافة الالتباس تاريخ آخر للإسلام ) ، فلسفة الدين مقول المقدس بين الايدولوجيا واليوتوبيا وسؤال التعددية ، منشورات الاختلاف ،الجزائر 2012، ص447.
[5] سورة هود ، آية 118 -119.
[6] ستيورات هول، مجلة إضافات ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، العدد الثاني ، 2008 ، ص143 وما بعدها.
[7] ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية، ترجمة : إمام عبد الفتاح إمام، عالم المعرفة، الكويت ، 2011 ، ج1 ، ص90.
[8] عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني، مكتبة النهضة المصرية، 1943، ص37 .
[9] محمد إقبال ، تجديد التفكير الديني في الإسلام ، ترجمة عباس محمود، دار الهداية ، ص114.
[10] المرجع السابق، ص140.
[11] سليمان بشير ديان، الإسلام والمجتمع المفتوح: الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال ،ترجمة : عبد الله السيد ولد أباه، دار جداول، 2011 ، ص34.
[12] محمد إقبال ، تجديد التفكير الديني ، ص85.
[13] المرجع نفسه، ص123.
[14] عبد العزيز العيادي، فلسفة الفعل، مكتبة علاء الدين ، صفاقس، 2007، ص25.
[15] فتحي المسكيني، الهوية والحرية نحو أنوار جديدة، جداول، 2011، ص13.
[16] سليمان بشير ديان، ص70.
[17] محمد إقبال ، ص183.
[18] محمد إقبال ،ص 149-150.
[19] محمد إقبال ، ص212.
[20] محمد عزيز الحبابي، الشخصانية الإسلامية ، دار المعارف ، ط2 ، ص42 .