تسعى هذه الدراسة إلى بناء رؤية معرفية حضارية كلية مسنودة بأدوات تحليلية، تحاول أن تبلور رؤية متحيزة في قراءة المشهد العربي من خلال اجتهاد نموذج تفسيري مرن مواكب للديناميات المتحركة،  يحلل في مستوى أول الحالة الانتفاضية الثورية الديمقراطية وأنماط الخطاب السائدة حولها، كما يتفاعل مع أسباب تفاوت مسارات دول الربيع العربي واختلافها من خلال طرحها لمؤشرات أولية مساعدة على فهم تعددية نتائج حالات التغيير وتنوع مشاهدها؛ كما تفكك أجزاء هذه الدراسة تحديات الانتقال الديمقراطي ومستقبله في ظل تطلعات الثورة وعوائق الانتقال وسياسات الإجهاض.

إذ تمنح ظاهرة الربيع العربي وتحولاتها، في خصوصيتها وتركيبيتها، فرصة تاريخية للباحثين والمثقفين من أجل تجديد أدوات التحليل النظري، وإبداع نماذجَ تفسيرية متحيزة للخبرة العربية الحضارية، تغني التراث العالمي في النظرية الاجتماعية والسياسية؛ وهذا يقتضي تجنب بناء الأحكام النمطية والجاهزة في النظر إلى التحولات التاريخيّة بأحكام التخويف أو التخوين أو التحريف أو التشويه.


اختلفت مستويات النظر إلى مرحلة الربيع الديمقراطي ومساراته وتدفق سيل من التحليلات والكتابات تجمع بين الوقائعية المنغلقة على الحدث، والتحليلات السياسية الصحفية والتقارير الرصدية التجميعية. كما سادت كتابات انطباعية سردية تحاول الوصف الشاعري لأجواء تفجر اللحظة ويوميات الثورة والثوار.

في حين ظهر جزء من الخطاب السياسي العربي سعى إلى محاولات تشويه الثورة الشبابية وصناعة صورة معاقة وسيئة عن ربيع الشعوب، من خلال التأكيد على أن هذا الربيع:

1- عبارة عن مؤامرة أمريكية وصناعة أجنبية أو انتفاضات سطحية عابرة، خططت لها سياسات الفوضى الخلاقة في المنطقة، من أجل مزيد من إحكام السيطرة والهيمنة، وليست حالة حضارية تحررية من قيد الاستبداد والتبعية وعودة السيادة المستلبة والإصرار على الحرية والكرامة والعدالة.

2- ثورة جياع أو دهماء وغوغاء فاقدة لأي بوصلة تسعى سد حاجاتها المادية ويمكن عن طريق الرشاوى واستغلال حالتها الاجتماعية أو بأسلوب الدعاية الماكر الانقلاب على حالة الثورة وإعادة إنتاج أنماط الاستبداد، ومن ثم فهي ليست ثورة جيل جديد من الشباب الحر في أفق انفتاحه الكوني على مكتسبات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات المدنية.

3- جلبت “شبح الإسلاميين” مما ينذر بعودة الظلامية والرجعية إلى المجتمعات العربية المهددة بالحكم الديني والوصاية على العقائد والاختيارات الفردية، والإجهاز على مكتسبات التحديث والحداثة والعلمانية والكونية؛ في محاولة ديماغوجية لتصوير الخلاف الرئيسي مع التيار الإسلامي فقط، وجرّ الصراع على أساس هوياتي ديني/مدني وإسلامي/علماني؛ لتخلص هذه الخطابات إلى أنها ابتداء كانت انتفاضات ديمقراطية واعدة واستثنائية فجرها جيل شاب طاهر ونقي ولكن قوى “الإسلام السياسي”التي ستتهم لاحقا بالإرهاب، لوثتها واستولت عليها وحرفتها عن مسارها الصحيح.

ورغم تنوع الكتابات الكثيرة حول موضوع الربيع وبعديّاته، فإنها انزلقت إلى الوقائعية التجزيئية والانطباعية والاختزالية من جهة، ووُفقت بعض المقاربات التحليلية النسقية والتفسيرات السوسيوسياسية والكتابات المتوازنة التي ركزت على دراسة كل حالة ثورية بعينها في تقديم معرفة مركبة حول تعقد الظاهرة وتشابكها.

لقد تعددت مسارات الربيع العربي وتباينت مآلاته ونتائجه السياسية القصيرة الأمد، وذلك حسب طبيعة النظام السياسي القائم ودرجات عنفه ومرتكزات الشرعية لديه، وموقف الجيش وحجم المؤسسة العسكرية والأمنية في بنية النسق السياسي والاقتصادي وشبكة تحالفاتها، ومستويات الاندماج الاجتماعي والتماسك الأهلي ومدى وحدة أو تفكك النسيج المجتمعي، بالإضافة إلى مدى الإصرار على سلمية ومدنية الحراك الاحتجاجي والديمقراطي أو سرعة عسكرته وتسلحه، ومدى نضج/تأزم النخب السياسية ما بعد الثورات وحجم التوافقات التاريخية الكبرى المبرمة بينها ووعيها الاستراتيجي بالتناقضات الرئيسة للمرحلة، وطبيعة استراتيجيات الفاعلين (الإصلاحية، التدرجية، التوافقية، التصالحية، الثورية الجذرية) بعد اللحظة الثورية، وخياراتهم ومواقفهم من شبكات النظام القديم ورموزه ومراكز نفوذه وتحالفاته وكذا هامش حركية ومناورة قوى الثورة المضادة ونخب الدولة العميقة، وطبيعة تراكمات الإرث الاستبدادي في بنية النسق السياسي والاقتصادي وخصوصيته، ونضيف أيضا البيئة الإقليمية والدولية الحاضنة أو الطاردة للمد الثوري وتطلعاته؛ وقد يكون أيضا الموقع الجيو-ستراتيجي للدولة/الثورة عاملا ضاغطا إذا كانت مرتبطة برهانات قوى دولية وصراع حول النفوذ والتفوق والامتيازات والمصالح في المنطقة المشتعلة.

تعد هذه المؤشرات الأولية أحد أسباب التمايزات بين دول الربيع العربي بخصوص مسار الانتقال الديمقراطي وإشكالاته وتحديات بناء الدولة الحديثة الديمقراطية. طبعا تبقى هذه مؤشرات كلية أولية في تحليل نتائج تنوع التجارب الثورية وتغير مصير الثورة ومساراتها الانتقالية، وما نتج عنها من مشاهد ما بعد ثورية مغايرة ومتفاوتة ومتعددة؛ كما أن هذه المؤشرات أسهمت بدورها في تحديد مستوى التقدم/التأخر أو الفشل/التعثر/الانتكاس في مراحل إنجاز التحول إلى الديمقراطية رغم عدم ادعائنا وجود نظرية كلية واحدة قادرة على تحديد أسباب الثورة وسبل نجاحها أو نموذج جاهز وموحد للانتقال إلى النظام الديمقراطي.

إن صعوبة امتلاك المسافة الكافية للحديث من زاوية الاستخلاص النظري الكلي والحضاري عن ظاهرة ثورية عربية ديمقراطية في طور التشكل والتحول، لا تزال تعيش توترات الردة الديمقراطية ومحاولات التشويه والإجهاض ومخاضات الانبعاث والانتفاض، وصراع الإرادات والمصالح وما تزال تعيش تطورات مفتوحة الاحتمالات وتفاعلات داخلية وخارجية؛ يجعلنا أمام حالة ثورية/انتقالية لم تكتمل بعد، ونموذج حضاري وتحرري يستحق الدراسة المركبة والتأمل العميق والنظر الفاحص.

إننا نميز في الحالة الثورية المتحركة، بين ثلاثة مشاهد قد تكون أساسية ومساعدة على وعي مسار التحولات وطبيعتها:

– المشهد الأول؛ يتمثل في اندلاع اللحظة الثورية الانتفاضية التأسيسية، بعد وصول المجتمعات العربية حالة من الانسداد والاستبداد فجّرتها الثورة التونسية ووسّعت أفقها التحرري والانتفاضي ثورة 25 يناير، وهكذا تخلق من رحم الثورة العربية لحظة فارقة في مسار الحياة السياسية العربية، تُتَوِج لانبعاث دورة حضارية جديدة للأمة بوصفها فاعلا جوهريا في حركة التغيير، الأمر الذي أشّر على تخلق الرأي العام والجمهور منتفضا من سلبيته وخوفه، ومغادراً فضاءه الخاص لاستعادة الفضاء العام دفعاً للظلم، وتحقيقاً لقيم العدل والحرية والكرامة، وقد برزت في هذا المشهد القيم الإيجابية والنبيلة للإنسان العربي، وجعلته مندهشا من قدراته وطاقاته ورومانسيته ورقيه الأخلاقي والحضاري، مكسرا بذلك حاجز الخوف وسيكولوجية الإنسان المقهور، وظهرت في أجوائه ذاتية مستقلة متمردة ومتحررة من القيود التنظيمية والحسابات السياسية في شكل قوة شبابية وحركة اجتماعية ما فوق حزبية، عابرة للهويات والطائفيات والإثنيات والأيديولوجيات المنغلقة ومن خلال خلق أيقونات مكانية ومن خلال خلق أيقونات مكانية جامعة كالميدان في مصر مثلاً (مساحة ودلالة).

– المشهد الثاني؛ ويتعلق بالمرحلة الانتقالية السياسية التي تعبر عن ما بعد لحظة الثورة، والتي تعرف ديناميات متعددة تتمثل من جهة في: حوارات وطنية، أو تعديلات دستورية، أو خيارات جمعيات تأسيسية لإعداد دساتير جديدة؛ وانتخابات برلمانية ورئاسية، وتعرف أيضا توافقات سياسية وأزمات سياسية كبرى وانقلابات وتعثرات؛ ومن جهة أخرى تتميز هذه المرحلة أيضا بتدخل القوى الإقليمية والفاعل الدولي الخارجي في إعادة صياغة مشهد ما بعد الربيع ومحاولة التحكم في مساراته بما يخدم مصالح القوى الأجنبية المهيمنة، وإعادة تأسيس جديد لموازين القوى المحلية والإقليمية في المنطقة، قد يصل إلى الإجهاض الناعم أو الانقلاب الدموي الاستئصالي لتجربة التحول الديمقراطي.وهنا يبدأ الصراع بين القوى على احتكار الميدان مساحة ورمزية وشرعية.

لقد عرفت هذه المرحلة منطقا مختلفا توارت فيه القيم الحضارية الإيجابية إلى حالة من التسرع في الانقسام والاستقطاب والصراع السياسي والانتخابي الضيق، وانبعاث العقلية الطائفية السياسية والمذهبية، حيث ارتدت النخب السياسية المتصارعة عباءتها الأيديولوجية في محاولة لتملك السلطة وادعاء الشرعية الثورية وإقصاء الآخر، فالوصول إلى حالة من الصراع الداروينـي على السلطة. وهكذا اتسم منطق المرحلة الانتقالية بالصراع الحاد بين القوى الاجتماعية والسياسية وانتعاش القيم السلبية، وانتشار الشائعات المغرضة والفوضى الاحتجاجية وشاع الكذب السياسي، وهيمن منطق تبادل التهم ومصادرة الرأي المخالف، مما أدى إلى سيادة أجواء الاستقطاب والاختناق والفوضى واللجوء إلى لغة التخوين والتخويف والتخريب، مما أنتج وضعا تمثل في تحييد جهاز الدولة وفلول النظام القديم والدولة العميقة من التناقض الأساسي وسمح لها بهامش من الحركة والمناورة ، فسقط الفاعل الحزبي في فخ التحالف مع النظام القديم للقضاء على الخصم السياسي الأمر الذي أتاح الفرصة للقوى المضادة للتغيير لتعطيل حركة بناء الديمقراطية وتشويه صورة الثورة وتدبير الانقلاب عليها(مصر) وإرباك حالة التوافق السياسي والمجتمعي مع حصارها السياسي وخنقها الاقتصادي بإستراتيجيات تسثمر التطرف الديني أو الاغتيالات السياسية أو حالات فوضى مسلحة محدودة،  ضمن أفق الإفشال الذاتي للتجربة الديمقراطية كما تجلى في حالات ثورية أخرى (تونس) أو السعي إلى تحوير مسار إرادة الشعوب في التغيير والإصلاح وإلهاءه بتناقضات ثانوية وجره لحرب هوياتية وطائفية وقبلية تتفاوت مستويات العنف والصراع فيها بتأثير من رهانات إقليمية ودولية (ليبيا-سوريا-اليمن) في ظل صراع خيارات عسكريّة أمنيّة وجهاديّة تكفيريّة وثورية مسلحة.(سوريا)

والمشهد الثالث؛ والذي نراه تحديا مستقبليا، هو المرتبط بالوصول إلى مرحلة اكتمال أسس النظام الديمقراطي واستقراره التاريخي وبناء الدولة الديمقراطية الحديثة وتحقيق النهضة المستقلة وسيادة العدالة الاجتماعية والسِلم لأهلي.

إن هناك محاولات مغرضة لفصل اللحظة الثورية التأسيسية (ذاكرة الانتفاض ضد الاستبداد والفساد) عن اللحظات الانتقالية والسياسية من أجل تحوير مسار إرادة التغيير الديمقراطي، يصعب القول إن هذه المشاهد منفصلة بعضها عن بعض انفصالا حديا، وإن الانتقال من مرحلة لأخرى محكوم بقوانين حتمية حدية ميكانيكية، فقد تتداخل المشاهد وقد تتمايز لكنها تستمر في التفاعل والتأثير المتبادل نظرا لتفاوتها من حالة ثورية إلى أخرى ولخصوصية الانتفاضة الديمقراطية ليس فقط في المنطقة بل في المشهد العالمي المعاصر والتي لم تصل فيها الجماعات الثورية إلى الحكم المباشر بسبب لامركزيتها وعفويتها وغياب القيادة الجامعة وهذا سر قوتها وضعفها في الوقت نفسه.

اقرأ (الجزء الثاني)