الانتفاضة الديمقراطية: نموذج لم يكتمل بعد (الجزء الثالث)

كاتب وباحث في العلوم السياسية والاجتماعية

10 سبتمبر , 2014 الشرق الأوسط


A man uses his a cellphone to record theA man uses his a cellphone to record the

 الجزء الأول

الجزء الثاني

-3-

يؤكد توتر مشهد الانتفاض الديمقراطي وتعثر مساراته، الاندراج في تحولات عميقة أكبر من توصيفها بتغييرات سياسية أو ثورات أو انتفاضات بل نحن إزاء تحول ديمقراطي ودورة تاريخية-حضارية طويلة المدى، لا يمكن إدراكها من خلال مناهج التفكير الاختزالية أو الإسقاطية لمرحلة ثورية تاريخية سابقة على وضعنا الراهن أو استعمال نماذج مستودعات التفكير الغربي في تفكيكها وتحليل أبعادها، إذ تبرز الحاجة الاجتهادية المستمرة إلى فهم طبيعة النموذج الانتفاضي التحرري المتحرك في متابعة الظاهرة الثورية العربية ومآلاتها وتحدياتها، ووضع ذلك ضمن إطار منهجي ومعرفي كلي يسعى لتفكيك بعض دلالاتها وأبعادها ورموزها، مستندين إلى ملاحظة دالة تحكم هذا الحراك وهي: ثنائية الاتصال والانفصال وجدلية التقدم والتراجع، وتناوب التوتر والتعثر والتوثب، كما تسود مشاعر التفاؤل والأمل والإحباط واليأس، اليقين وفقدان الثقة في مسار ثورة الشعوب نحو الديمقراطية والحرية والعدل والكرامة.

ينفصل نموذج “التغيير الثوري الانتفاضي المقاوم” عن الاستبداد والظلم والقهر وفي الوقت نفسه يتصل بالهوية الجماعية والذاكرة المشتركة والقيم الجامعة، ويقاوم أشكال الاستلاب والتغريب والتبعية والفساد وأشكال التزييف الإعلامي والتلاعب بالعقول؛ فمنهج الاتصال والانفصال في النموذج يتجاوز منطق القطيعة الجذرية النهائية والإبادة العنيفة، ويفك الارتهان بكوابح النهوض ويحافظ على الجوانب الإيجابية في الواقع، ويعيد بناء علاقة جديد بين الدولة والمجتمع، كما تكابد الانتفاضة الديمقراطية من أجل الانفصال عن نموذج “الدولة ضد الأمة”[1] والاتصال الثوري والحضاري بنموذج “الأمة الفاعلة والقادرة والقوية”، المكافحة لاستعادة سيادتها على نفسها حتى تكون مناط الشرعية ومصدر السلطات، في تطلع نهضوي عميق لبناء علاقة جديدة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتأسيس علاقة أساسها عقد اجتماعي وسياسي جديد بين الدولة والمجتمع.

إن طبيعةَ العلاقة التي نحاول تفكيكها وإعادة تركيبها من خلال جدل الاتصال والانفصال، ليست علاقةً ميكانيكيةً جامدةً، بل هي عمليةٌ حضاريةٌ مركبةٌ، تحكمها ثنائيةٌ فضفاضةٌ مرنةٌ غير جامدةٍ، يؤثر كلُّ بعدٍ في الآخر، ويتأثر به ضمن نمطٍ تبادليٍّ، يعتبر المتغير الثوري الانتفاضي والشبابي فيها فاعلاً محدداً في أطراف العلاقة، لكنه عنصر ضمن عناصر أخرى قد تضم القوى الدافعة والقوى الكابحة للثورة ونخب الدولة العميقة في كل من مجالات الإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية ولوبيات الاقتصاد…إلخ، بالإضافة إلى طبيعة موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية وصراع استراتيجيات الفاعلين من قوى سياسيةٍ ومدنيةٍ وشبابيةٍ ودوليةٍ في مراحل الانتقال الديمقراطي والتحول الثوري. كما أن نموذج الاتصال والانفصال هو نموذجٌ إدراكيٌّ غير واعٍ وكامنٌ في بنية الأمة الثائرة، لأنه يشكل رؤيتها للعالم والكون والمجتمع والإنسان، ويستبطن النموذج الإدراكي للإنسان والمجتمع الثائر في حالتنا القيم المرجعية الموجهة والخبرات الجماعية الكونية والذاكرة التاريخية والهوية الحضارية والمنظومات الأخلاقية والرمزية والأيديولوجية سواءً المباشرة أو غير المباشرة في شكل خريطةٍ إدراكيةٍ تتفاعل بطريقة مركبة ومعقدة مع الظواهر والوقائع المادية والسياسية والاستبدادية[2].

لا يطرح النموذج المقترح قطيعة كلية مع نظام القيم والمرجعية والهوية وذاكرة الأمة وحضارتها المتألقة وروحها المجددة، بل هو موصولٌ بالأبعاد الحضارية والقيمية والاجتماعية والإيجابية للمجال التداولي العربي الإسلامي المتفاعل مع أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان والانفتاح الكوني على تجارب الحداثة الإنسانية وتأثيرات الفكر السياسي الغربي؛ إذًا فهو نموذجٌ تحكمه ثنائية الاتصالوالانفصال؛ أي اتصالٌ بالهوية والذاكرة والقيم النبيلة والموروث الثقافي العربي الإسلامي الحضاري، وانفصالٌ عن قيم الاستبداد والظلم؛ فجوهر النموذج الحضاري هو الإنسان الثائر في إيمانه بعالم أفضل وقدرته على التسامي على أنانياته ومصالحه الضيقة وطائفيته والتعالي على قيم الانحطاط والتخلف وعن الواقع الاستبدادي، وتحقيق حلمه في انتزاع حريته ومواطنته، ومجاوزة قوانين المادة لأنه يحمل بداخله رؤيته متجاوزة للواقع وتغيرا هائلا في خريطته الإدراكية، فلا تسجنه حاجاته الغرائزية والاستهلاكية فقط بل تحركه رموزه الثقافية وتطلعاته وأشواقه للحرية والعدل والكرامة، إنه نموذج لفعل إنساني مدفوع برؤية مجاوزة للواقع حالمة ومتحيزة للجذور والذات الحضارية[3]، ولعل هذا ما تؤكده العبارة المشهورة:”إنه لا يصنع المستقبل إلا أولئك الذين تجرؤوا على أنه يحلموا به أيام كان مستحيلا“[4].

يتضح أن الحالة المعقدة لبنية النموذج الانتفاضي الديمقراطي ومساراته المتفاوتة والمتعددة ومحاولات إجهاضه والارتداد عليه ومحوه من الزمن السياسي، تجعله يختلف عن تجارب الثورات الأوروبية التي أنجزت في ظل تحرر حضاري من الضغوط الأجنبية والتدخلات الخارجية، أما مخاض النموذج الثوري الانتفاضي الديمقراطي سيكون طويلا وعسيرا ومشوشا، فهو قائمة في ظل ضغوط غربية ونظام دولي يحوي قوى وأقطاب تتصارع حول مناطق النفوذ والمصالح وبيئة إقليمية متوجسة خائفة من انتشار المد الديمقراطي من جهة، والحفاظ على منظومة أمن الكيان الصهيوني في المنطقة وضمان تفوقها الاستراتيجي بإضعاف محيطها العربي وتفكيكه ليكون خادما لمصالح السياسات الأجنبية.

الأمر الذي أثر بشكل كبير في مسار تجربة الثورة، وسينعكس على مراحل الانتقال إلى الديمقراطية وسيحوّلها إلى مراحل: “الأزمات التاريخية الكبرى” و”الانتكاسات الديمقراطية المفجعة” ونكوص “السياسة المدنية” لصالح تأليه “النزعات العسكرتارية” وإضفاء القداسة عليها في التدبير السياسي والعمومي، وربما إعادة التأصيل الحداثي-التنويري للأفكار التقليدية لإعادة إنتاج الاستبداد باسم حماية الاستقرار والحفاظ على الأمن ودرء الفتنة ومحاربة الإرهاب.

إن أبعاد نموذج”التغيير الثوري الانتفاضي المقاوم“، يفتح الطريق اللاهب أمام التغيير الديمقراطي الطويل والتحول الحضاري التاريخي لاستئناف العرب لتاريخهم الكوني[5]، بما هو رجة عنيفة في منظومة قيم النسق الاستبدادي، إلا أن أبعاده لا تخلق منظومة جديدة بشكل آلي، بل يحتاج ذلك إلى جهد دؤوب ومنظم وممتد ومثابرة من الكتلة التاريخية الديمقراطية المتفقة على مبادئ الديمقراطية وعلى آليات الانتقال وفق رؤية تعي التحديات وتحدد القواعد المشتركة والجامعة للانتقال الديمقراطي الناجح.

إن الانتفاضة الديمقراطية نـموذج حضاري تحرري لم يكتمل بعد، ويصعب التسرع في الحكم على تحولاته أو تقييم نتائجه ومآلاته ضمن إطار زمني محدود، وقد يخبو هذا النموذج ويتوارى حتى يعتقد أنه انتهى إلى غير رجعةٍ، لكن مدركاته القيمية والسياسية والحضارية تظل كامنةً في اللاوعي ومُتجذرةً بعمقٍ في المجتمعات العربية وأجيالها الشابة، لكي تظل ضميرا جماعيا وخزاناً مستمراّ للانتفاض والتغيير، وقابلاً للاشتعال كلما شعر الناس بالظلم أو تم الالتفاف على مطالبهم واغتصاب حريتهم وتزوير إرادتهم واختياراتهم الحرة.

 __________________________________________________________


[1] أصدر برهان غليون كتابه”المحنة العربية: الدولة ضد الأمة”(مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1993) في أعقاب حرب الخليج وضمن حمى مؤتمر مدريد للسلام، محاولا تقديم تفسير جديد لأصل القطعية بين المجتمع والدولة، انطلاقا من واقع الدولة التحديثية العربية وأزمتها التاريخية.
[2] انظر: سلمان بونعمان، أسئلة دولة الربيع العربي: نحو نموذج لاستعادة نهضة الأمة، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى يناير، 2013، ص87-88.
[3] انظر في هذا الصدد: عبد الوهاب المسيري، الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية الحديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، لبنان، 1979. وأيضا: عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر، دار الشروق، الطبعة الثاني، القاهرة 2006.
[4] تنسب هذه المقولة إلى القائد الفرنسي “شارل ديغول” أثناء إعادة تنظيمه لصفوف المقاومة الفرنسية إبان احتلال النازية الألمانية.
[5] يمكن الرجوع إلى: أبو يعرب المرزوقي، استئناف العرب لتاريخيهم الكوني ثورة الحرية والكرامة تونس نموذجا، مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2012.