الثورات ومحنة الإسلامية والإسلاميين


بدت الثورات العربية منذ مطالعها “منحة” للإسلاميين على وجه الخصوص، واليوم تبدو الثورات المضادة والحملة التي تصاحبها “محنة” على الإسلامية والإسلاميين أيضا قبل غيرهم. ومعهم قطاعات عريضة من شعوب الثورات، فقد كانت الوقائع شعبية جارفة، والمطالب والأهداف عريضة، ووجهة التغيير جذرية تحت شعار (الشعب يريد إسقاط النظام)، ولها تزلزل النظام العربي وظهيره الغربي. نعم لم تأخذ الثورات في كثير من أحوالها الدفعة اللازمة لتحقيق ذلك، لكنها بقيت حالة طلب على التغيير الكبير في أقصر أجل ممكن.

أبرزت الثورات مطلبي التحرير والتغيير من جهة كل القوى التي عانت الاستبداد والفساد، وفي مقدمتها: الشعوب أكبر المتضررين، فضلا عن قوى ونخب عارضت الأنظمة المستبدة وفي قلبها: الإسلاميون بشعبيتهم الكبيرة والمتنامية، ونضالهم الطويل، ومرجعيتهم المتميزة. هذا على الرغم من أن الثورة لم تكن خيارا مسبقا لا لتلك الشعوب ولا لهؤلاء الإسلاميين السياسيين (السلميين) داخل الدول العربية؛ استبعادا لإمكان نجاح العمل الثوري أو حدوثه، في ظل الدولة البوليسية القمعية الراسخة. لكن مع وقوع الثورات تكشفت رغبة عارمة في مثل هذا الخيار واندفعت قوى مختلفة لتبنيه والاستفادة منه، بما فيها معظم روافد وتلاوين التيار الإسلامي.

الحركة الإسلامية … محنة الميلاد وصعوبات التطور

لقد ولدت الحركة الإسلامية في محنة كبرى؛ محنة حضارية تضرب في أطناب الوجود الإسلامي كلها؛ وعانت مخاض الميلاد، وحبو الطفولة، وتنامت في أجواء لم تواتها إلا قليلا؛ بحيث اعتلت بعلل المسار غير المواتي، جنبا إلى جنب مع علل التطور والنمو الطبيعي، وصارت المحنة عاملا أساسيا من عوامل تشكيلها؛ وبحيث اجتمع فيها من كل حال زوجين: داء ودواء، وأوتيت من كل إيجابي وسلبي سببا. وفي مسيرة الثورات العربية المتعثرة تتجدد إشكالات الحركة وتبرز على السطح مجموعة من أولوياتها.

***

الإسلاميون والشعوب والدولة: خطاب الثقة والبدائل

ولعل من أول تحديات المحنة الحالية تكشف أزمة في العلاقات مع الشعوب؛ جماهير الأمة العريضة. بالرغم من التأييد الجارف من الأغلبيات الشعبية للتيار الإسلامي في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن والعراق وفلسطين، وما تلا، فإن العلاقة والتفاعلات بين الإسلاميين وعامة المسلمين اضطربت اضطرابا شديدا، مع الإيغال في الميدان السياسي، ظهر مطلبان جديدان لم يستوعبهما الإسلاميون جيدا: الخطاب السياسي، والأداء السياسي. فإذا كان رفع راية المرجعية الإسلامية مشتركا قويا يصل بين الإسلاميين والجماهير، فإن مخاطبة الناس بشأن الحياة اليومية وإجرائها وتدبير المعايش، وكذلك إدارة سياسات عامة ناجعة لتحسين أحوالهم، هذا هو المكمل الضروري الذي يجب وصله بالمرجعية وإلا فقد الإسلاميون الصلاحية وإن احتفظوا بالصحة. فالردة الشعبية النسبية عن الإسلاميين مردها عملي أكثر منه علميا من جهة الناس، لكنها من جهة الإسلاميين أنفسهم تتصل بمنهج نظرهم للشأن السياسي وقدرتهم على تقديم الإسلامية في طور حياتي فعال.

ينضم إلى ذلك تصاعد التوتر في العلاقة بين الإسلاميين والدولة العربية، استمرارًا لحالة الغربة والفجوة المفروضة من قبل قوى العلمانية، وتطويرا لعمليات الاستبعاد والمحاصرة بسياسات عنف دولتية جديدة، تروج لكراهية الإسلامية والإسلاميين، وتسوق مشروعا عربيا عالميا لاستئصال شأفتهم أو إصابتهم في مقتل. فالثورات تتحول بفعل هذه الهجمة إلي حرب دولية على الإرهاب (الإسلامية والإسلاميين) بغير ما تمييز بين فكر وحركة، أو حركة عزلاء وحركة مسلحة. وكأن الثورات ورطت الإسلاميين وأنصارهم في مواجهة خصومهم في الداخل والخارج على محك الديمقراطية؛ حيث بدا الإسلاميون أكثر طلبا عليها ودفاعا عنها، فيما يصر خصومهم –كما تنبه د.نادية مصطفى- على أن المسموح به فقط هو: ديمقراطية بلا إسلاميين.

ينبثق عن هاتين الأزمتين تحد ثالث مؤثر، قديم متجدد، هو فساد العلاقات البينية داخل الحركة الإسلامية؛ بين الروافد القائم كل منها على ثغرة وفريضة كفاية: العلم والتعليم، التربية والتزكية، الدعوة والبلاغ، العمل السياسي وارتياد المجال العام، الجهاد، الإنفاق، الإغاثة والإعانة، الفكر والتنظير… فأكثر الروافد القائمة على هذه الثغور غير متواصلة، بل كثير منها متفاصلة، والمتشابهات متنافسة، وبعض منها ينظر لقرينه نظرة البديل إما هو وإما أنا، لا نظرة التنوع المتكامل. يبرز ذلك على أشده بين مسارين سياسيين كبيرين: التيار السياسي سلمي الوسائل، التيار السياسي المسلح أو الجهادي. لم تفلح الحرب المسعرة اليوم على الجميع في تقريبهم، ولا تزال عمليات التبرؤ المتبادل قائمة، رغم أن سؤالين جامعين ذاهبان آيبان بينهما: ماذا إذا اجتيح المشروع الديمقراطي أمام حملة البغضاء الوحشية على الثورات وإسلامييها؟ وماذا إذا نجح الجهاد في حيازة أرض وإقامة دولة عليها: كيف سيحكم؟

إن محنة تداخل الأدوار وتضييعها لا تنويعها وتوزيعها تكشف عن حالة دوار وضيق أفق واضح لدينا نحن الإسلاميين، وترسل بطرق غير مباشرة رسائل للشعوب والشباب أن الإسلامية نفسها تحمل إشكالات، الأمر الذي يحول دون مؤازرة قطاعات عريضة من الجماهير لحراك الإسلاميين، ويعطل تنامي مساحات فكرهم ومريديه. ولعل في فقه (فروض الكفايات)، (وتوحد المقاصد وتعدد الوسائل)، (والجمع بين الثوابت المشتركة والمتغيرات الموسعة)، ما فيه غنية أو فائدة في هذا الباب وينبغي العناية به!

***

الحركة الإسلامية والولايات المتحدة: نحت الخيار الثالث

بقيت أسئلة جزئية لكنها كاشفة لمزيد من مكامن المحنة، كما هي مطلة على مخارجها، نتخير منها واحدا تفرضه اللحظة، وينفتح بنا على ما بعدها؛ هو: موقف الحركة الإسلامية الحقيقي من الولايات المتحدة: عدو هي للأمة فنحاربه، أم صديق فنقاربه، أم شيء ثالث بين هذا وذاك أو من هذا وذاك؟وماذا نفعل معه استراتيجيا؟

التيار الجهادي واضح في هذا الصدد فكرة وممارسة: أمريكا عدو تجب محاربته بأعلى درجات المحاربة فضلا عن غيرها، وهم يفعلون بدرجات مختلفة. أما التيار السلمي بروافده: الدعوية، والعلمية، والمجتمعية الخيرية، والفكرية، ثم الرافد السياسي الديمقراطي، فجوابه غير واحد، وفي مجموعه غير واضح. تقريبا لا يصادق الأمريكان إلا بعض الصوفية وبعض الإسلامية الرسمية خطابا وحركة، ضمن مزايدات وتوظيفات معروفة. لكن السلفيين والإخوان مضطربون في شأن العلاقة مع الولايات المتحدة اضطرابا مؤثرا. وهذا الأمر يفتح من جهة ساحات التوظيف وسياسات الشد والجذب، لكنه من جهة أخرى وأهم يوسع الشقة بين: خطاب الحركة العام وخطاباتها الخاصة، وبين العقدي ومعه الجهادي في ناحية، والتيار السياسي السلمي بشقيه السلفي والإخواني من جهة أخرى.

إن لهذا السؤال وجوابه أثره في معركة الثورات والثورات المضادة في مصر وتونس وليبيا، ومعركة الطائفية التي سعرها المحور الشيعي في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وشرق السعودية والسودان وأفغانستان بقيادة إيرانية، ومعركة فلسطين بين غزة والضفة التي تجري عمليات تنكيس نصرها على قدم وساق، ثم عملية إعادة ترتيب المنطقة ضمن ثورة مضادة غربية-عربية-إيرانية باسم الحرب على داعش. فالولايات المتحدة هي العنصر الأكثر حضورا وتأثيرا وتسييرا لهذه العمليات، وما لم تكن استراتيجية التعامل معها واضحة ومنسقة بين روافد الحركة الإسلامية، فنحن أما محنة كبرى تتجمع فيها أنهار المحن السابقة وغيرها.

***

من المهم أن نكون متفائلين مستبشرين، فقد قطع الفكر الإسلامي والحركة المساوقة له أربعة عقود أخيرة يكسب ساحات ويضم قطاعات ويكسح تيارات منافسة، لكن هذا لا يمنع أنه استصحب إشكاليات بنيوية تتعلق بتجدد الفكر والحركة لمراحل أكثر سعة وتعقدا. وواضح أن محنة الإسلاميين الحركيين وراءها إشكاليات خاصة تعيشها الإسلامية نفسها: فكرا وخطابا. والمراقب باتساع يلاحظ حراكا واسع الأرجاء في هذه الخطوط، لكن كثيرا منه تهدره التفرقات، أو النظرات القاصرة، أو التحديات القاهرة.

 

الممارسة والإسلاميون وخيارات المستقبل: نحو تجديد شامل

الساحة العربية والإسلامية اليوم مفتوحة على مرحلة جديدة، ومحنة الإسلامية والإسلاميين في قلبها، وتعامل الإسلاميين مع هذه الساحة وتحدياتها بعامة وتحدياتهم هم بخاصة، عامل أساس في مستقبلها القريب. ونقطة تجديد النشاط في هذه الساحة في تجديد الجواب عن هذه الأربعة أزواج: الشعوب والديمقراطية، الأنظمة والعلمانيين، الإسلاميين وعلاقاتهم البينية، ثم الولايات المتحدة واستراتيجياتها المضادة للثورات وتحرر المنطقة.. ما الموقف؟

يتدخل الغرب في كل جزئياتنا تقريبا، ويخصص من موارده الكثير لضرب حصوننا من داخلها وخارجها، ومن المهم مواجهة ذلك وصلا يبن النظر الكلي والتدبير الاستراتيجي والعمل الجزئي. استراتيجية كل شيء أسطورة لم يعرفها التاريخ ولا الواقع.. وفي المقابل افتقاد النظر لغد عجز وقصور. ما أحوج الأمة وإسلاميتها إلى مؤسسات الوصل بين أهل الفكر والنظر، وأهل العلم الشرعي، وأهل التربية والتعليم، وأهل الدعوة والبلاغ، وأهل السياسة والقيادة، وأهل الجهاد والدفع… مثل هذه المؤسسات قادرة على حشد طاقات وموارد، وإيقاف نزيف هدرها، بما يجدد في عافية الأمة وقواها بكل يقين.

كيف ستتعامل حماس والفصائل المقاومة مع هذه التهدئة مع الصهاينة في ظل حصار خانق يقوده العرب؟ كيف سيتفاعل حزب العدالة والتنمية في تركيا مع المشروع الكردستاني الوشيك وتقسيم العراق؟ كيف سيواجه الإخوان المسلمون في مصر وعبر الأمة عملية الدهس الأمريكي للمنطقة لوضع نهاية للثورات العربية؟ كيف سيخرج التيار السلفي من ورطات التسيس والتسييس التي يتقلب فيها وأصابته في مواجعه؟ وكيف سيتعامل التيار الجهادي مع الحملة الراهنة؟ كيف ستطور القواعد الشبابية في المؤسسات الإسلامية الرسمية وغير الرسمية من قوتها للتغيير؟ كيف يتجه الإعلام الإسلامي، والتنظير الإسلامي، وبرامج التعليم الشرعي؟….

إن تجدد الإسلامية مطلب أساس لهذه المرحلة من الحرب عليها، تجددها على كافة مستوياتها، كما أن الحرب عليها على كافة مستوياتها.

تجدد منهج النظر أن يعبر الفكر الفجوات العقبات، ويستوعب الثنائيات التي تريدها الحرب على الأمة معاول تفريق وتمزيق وإضعاف. فالسياسة ليست صراعا على السلطة، بل إرادة شعوب وجهاد أعداء، والأوطان ليست بالشيطان ولا منتهى الإنسان إنما خصوصيات مفتوحة على سعة الأمة، والأمة في العالم ومنه وله بمزيتها الرسالية: خير أمة أخرجت للناس، والعلم والتعليم، والتربية والتزكية، والدعوة والتثقيف، كلها عمليات لها مقاصدها وضوابطها وليس فيها ما يمثل الإسلام والإسلامية دون غيره، والتفكير السنني من لوازم الإيمان والقيادة، وتجديد المجتمعات بالقرآن قبل السلطان، وحفظها بالسلطان مع القرآن،… فرقانيات منهجية، وموازين يجب أن تتجدد بها الإسلامية: فهمنا للإسلام.

وتجدد منهج العمل فرع عن ذلك وصنع للمسالك: فالذات يجب أن تلتئم أشلاؤها، وكيانات التجميع والصلة والتنسيق غائبة يجب استحضارها، والتخصص فيها واجبُ وقت، فالصلة فريضة أمة، والنصرة حق مستحق، وإفاضة الاتصالات مما يجب عدم الخشية منه، والعدو لن ينفعنا معه مداهنة ولا ملاينة إذا بارز بالعداوة. الشعوب تحتاج سياسات تدبير المعايش في إطار الإسلام، حتى لا تصبح الإسلامية عبئا عليها حال ضعفها ووهنها. الشباب يحتاج إلى صيغة وصياغة متجددتين في الخطاب والحركة، يجمع بين فردانيته الصلبة وسياحته في الأرض.. والنساء في أمتنا مستشرفات لدور لا يقوم على حقوقية الغربيين ولا على بيتوتة الشرقيين، بقدر ما يفتح آفاق جهادهن وإن لا قتال فيه… إن إسلامية لا تتسع لإنسان الأمة بكل فئاته وجهاته هي قاصرة عن تمثيل إسلامها.