الثورة المصرية وسؤال القوة: هل هزمت الهرميات الشبكات؟


يقول “تسن تزو٬” الخبير الصيني في فن الحرب٬ أن “الحروب تُحسم قبل أن تبدأ” في إشارة الى أهمية احترام موازين القوى قبل الدخول فى المعارك، خاصة المصيرية منها. كما يؤكد علماء المواد أن “الطبيعة تكره الفراغ.” ومن هنا لا يعدو تاريخ ثورات القرنين العشرين والحادي والعشرين أن يكون إلا تجليًا لهاتين المقولتين. فلقد نجحت الثورتان البلشفية (١٩١٧)  والإيرانية (١٩٧٩) في إزاحة حكم الزار الروسي Tsar والشاه،  والاستمرار لفترة طويلة نظرًا لتنظيمهما المحكم ووجود تصور كلي شامل لنظام بديل عن الوضع القديم ونجاحهما كذلك فى إحلال مؤسساتهما وسياساتهما محل المؤسسات والنظم القديمة.  فيما فشلت التجربتان الأسبانية (١٩٣١-٣٦) والتشيلية (١٩٧٠-٧٣) وعاد النظام القديم بقوة أكبر ليملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب المؤقت للقديم وعدم قدرة الجديد على التمدد.

في هذا السياق؛ أصر كثير من المصريين- بلا وعي في أغلب الأحيان- في المرحلة الأولى من الثورة (٢٠١١-٢٠١٣) على أن هذه التجارب التاريخية لن تمنعهم من خلق نموذجهم الخاص . حيث تصور الكثير منهم أن قوة الشبكات الاجتماعية والافتراضية  التي مكنتهم من تقويض النظام في يناير ٢٠١١ستمكنهم من الحكم وتحقيق أهداف الثورة وإزاحة النظام القديم بمؤسساته إلى الخلفية. سنوات من القمع باسم الدولة وحفظ النظام أورثتهم كرهًا أعمى  لأي تنظيمات هرمية تفرض الانضباط وتسعى إلى فرض الاستقرار، بأن قاوموها في أنفسهم قبل حربها في الآخرين. هذا أدى إلى ضياع سؤال القوه: كيف سنهزمهم؟ وكيف سننجح بعد ذلك في ملء الفراغ؟ حيث ساد اعتقاد أن التنظيمات الشبكية الهشة ستحل محل الهرميات الكبيرة الراسخة،  فكان أن استغلت هرمية النظام القديم شبكات الثوار الاجتماعية والافتراضية لتدمير احتمال إيجاد بديل له والعوده للمشهد مرة أخرى، منتصراً، ومخذولين.

التاريخ لا يكذب ولا يتجمل

لم تبدأ الثورة البلشفية في أكتوبر١٩١٧ كما يظن الكثيرون٬ بل بدأت في الحقيقة فى ١٩٠٥ أو حتى قبل ذلك عندما أسس كل من فلاديمير لينين وألكسندر بوجدانوف الحزب الشيوعي الروسي ورسخا أيديولوجيته في عقول تنظيمات العمال التي سيطر الحزب عليها ليستخدمها بعد ذلك في فرض أهدافه على مسار الثورة  خلال ١٩١٧ وما بعدها. بشكل مشابه بدأت الثورة الإيرانية بأعوام كثيرة قبل بدايتها الرسمية عندما بدأ المجتمع المدني في تنظيم نفسه وإنشاء أحزاب سياسية متجذرة، ونشطت الحوزة العلمية في “قم” في نشر أفكار إصلاحية وثورية من خلال بنى تنظيمية تقليدية كالأحزاب، أو غير تقليدية كالمساجد وحلقات العلم والجامعات. ظهرت نتائج هذا عندما قامت الثورتان واحتدم الصدام مع النظم القديمة. عندها كان لا بد من بنية هرمية قوية للثورة للنجاح في تفادي محاولات النظام القديم تفتيت المعارضة٬ وتجنب الهزيمة والتشتت عند وجود مواجهات مباشرة مع قوات النظام٬ وشل حركة النظام والضغط أثناء التفاوض٬ واحتلال مواقع القيادة في حاله نجاح الثورة. كلا الثورتين استغلت تنظيمات كانت قد أنشأتها من قبل الثورة في تسيير مسيرات وتنفيذ اعتصامات وإضرابات وإحداث حالة حراك واسعة لخلق التأييد اللازم في لحظات خلع النظام.

كذلك لم تنته الثورة البلشفية أو الإيرانية فور سقوط النظام، بل لعلها قد بدأت فعليًا حينها حيث إنه قد تم استخدام نفس التنظيمات للسيطرة على المقار الحكومية والقصور الرئاسية لحرمان النظام القديم من رمزية الحكم ومن أي إمكان لإعادة التنظيم والانقضاض على الثورة لاحقاً. سارت الثورتان الروسية والإيرانية في مسار تناحر مع مؤسسات النظام القديم الأمنية، انتهى هذا النزاع المؤسسي بتشكيل مؤسسات بديلة مثل الحرس الثوري كبديل للجيش الإيراني والحزب الجمهوري الإسلامي كحزب للثورة والتنظيمات الشعبية في الجامعات والمحليات التي تستكمل استبدال النظام الجديد بالقديم، تماماً وبدون مساومة. نجح كل من لينين والخوميني إذن في تدمير النظام القديم بفضل التنظيم المحكم والأيديولوجية الشاملة والشعبية الكبيرة الناجمة عن سنوات من التعبئة والتواصل مع قطاعات عريضة ومؤثرة في الجماهير، لكن الأهم من ذلك كان استخدام العنف المفرط في إقصاء المعارضين لهما وللثورة وهو ما سنعود إليه لاحقًا.

على النقيض من هاتين التجربتين٬ فشلت تجربة كل من أسبانيا وتشيلي لأنه لم يكن هناك تنظيم قوي للمعارضة، أو أيديولوجيا شمولية لها شعبية كبيرة بين الناس.  بدأت الجمهورية الأسبانية الثانية في عام ١٩٣١بمجتمع منقسم بين يسار مفتت وأناركي يدعو إلى إصلاح زراعي وحرية دينية من جهة ويمين منظم ومتماسك من ملاك الأراضي والكنيسة والجيش من جهة أخرى. تمكنت حماسة اليسار والأناركيين من نشر أفكارهم عبر مقاطعات كبيرة في أسبانيا مثل برشلونة ومدريد، لكنهم رغم ذلك لم يستطيعوا هزيمة اليمين المحافظ لا سياسيًا ولا عسكرًيا. حيث إنهم كانوا قد أسهموا بالفعل في إضعاف شرعية الحكومة والنظام الجديد بامتناعهم عن التصويت والمشاركة في الحكومة الانتقالية، وفوتوا فرصًا لاتحصى للفوز برفضهم للانضمام لجيش نظامي وإصرارهم على قتال جيش فرانكو المحترف بمجرد مليشيات متطوعين خفيفة التسليح، وفوتوا فرصًا لا تحصى للفوز. إقليميًا؛ دعمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية فرانكو في حين تردد الاتحاد السوفيتي كثيراً في دعم الجمهوريين المدافعين عن الديمقراطية وقتها. لم تساعدهم الظروف الإقليمية، لكنهم لم يساعدوا أنفسهم أيضاً.

كان الرئيس التشيلي سلفادور ألييندي في ١٩٧٠ أول رئيس شيوعي في أمريكا اللاتينية منتخب شرعيًا من الناحية الدستورية، لكن ضعف قاعدته الانتخابية (حصل على ٣٦٪ فقط من الأصوات، لكنه أصبح رئيسًا بمقتضى الدستور) لم توفر له الشرعية اللازمة للمضي قدمًا في إصلاحات جذرية للنظام مثل التأميم أو إجراء إصلاح زراعي بنزع ملكيات الأراضي بالقوة.  كان الرئيس منتخبا، لكنه لم ينجح في الحصول على تأييد النخب الحاكمة أو تحييدها بالنسبة لسياساته. بالعكس، كانت كل سياساته مهددة لمصالحها ولمصالح الولايات المتحدة مجتمعين. كذلك لم يكن تأييد كوبا وبعض الدول اللاتينية الأخرى كافيًا لمنع الانقلاب عليه من الجيش بعد دعوة قوى أساسية في المجتمع للتدخل وحماية مصالحهم. ولم تفلح أيضًا المليشيات اليسارية المسلحة في هزيمة الجيش النظامي المدرب والمدعوم من الغرب، فخلال عامين أو أكثر قليلاً تم القضاء على تأثيرها بشكل كبير، وخلال الأعوام التالية كان العنف الناجم عنها كافيا لتجديد شرعية النظام في مواجهة من سماهم بالإرهابيين والمخربين.

جوهر القضية – إذن – هو مدى قدرة الثورة أو قوى التغيير على توليد قوى ذاتية (رؤية قوية، تنظيم محكم، تأييد شعبي واسع) عبر تنظيمات حزبية أو جماهيرية للتمكن من سحب شرعية النظام القائم وإحلال نظام جديد محل القديم بقوة الأمر الواقع لا بقوه الفكرة أو بنبل المشاعر وطيب التمنيات، بعد التمكن من شرعية وموارد الدولة.  قد يقول قائل بأن الحاجة إلى الهرميات والبنى التقليدية مثل الأحزاب والتنظيمات باتت أقل بعد اكتشاف قوه البنى الافتراضية مثل الإنترنت والشبكات الاجتماعية والريزومية القاعدية. حيث إنه في العصر الحديث تتهاوى الهرميات والبنى بقدمها وتقليدها وجمودها، وتحيا فقط الشبكات بإبداعها وتجددها ومرونتها. لنكتشف سويا قوة هذا المنطق.


الهرميات والشبكات: الحدود والأدوار

يناقش “نيال فيرجسون” أستاذ التاريخ بجامعة هارفارد هذه الإشكالية حيث يتساءل: إلى أي حد يمكن أن تحل الشبكات محل الهرميات؟ دعنا فى البداية نقوم بتحرير حدود كل من الشبكات والهرميات. تحقق الهرميات الاستقرار والانتظام الذى يتيح إمكان التوقع والثقة والأمان لكنها فى المقابل تعكس تراتبية صارمة تتيح لأقلية عبر الوقت استغلال الأغلبية لها وتوجيهها لتحقيق مصالحها الخاصة. في ظل هذه المعضلة يبرز سؤال ثان: هل يمكن تحقيق الاستقرار بدون هرميات؟ يرى كثيرون أن الاستقرار رهين بالهرمياتأيًا يكن نوعها، وأن بديل الهرمية هو الفوضى وهي أخطر من الاستقرار على رغم من سوءه. لسوء الحظ تعتمد الآراء التقليدية التى تقايض الحرية بالأمن على هذه الحجة في العادة حيث تقدم احتمال التحسن التدريجي للأحوال عن طريق الإصلاح بخطرالانهيار والفناء  في حالة التغيير الجذري المستمر فى حالة الثورة.

في المقابل، يؤكد نعيم موسى في كتابه “نهاية القوة” على أن الشبكات تقدم حرية وإبداعًا وابتكارًا مطلوبين في ذاتهم ولأجل التطور البشري أيضًا. أحدثت الشبكات ثلاث ثورات متداخلة: ثورة حراك  Mobilization Revolution، وثورة وعي Mentality Revolution، بالإضافة الى ثورة وفرة Abundance Revolution. كما يقابل نعيم موسى حجج نيال فرجسون قائلا بأن الثورات الثلاثة مجتمعة أدت إلى تغيير مفهوم القوة المعتاد بحيث لم تعد المؤسسات تتمتع بالحصانة والديمومة التى طالما حظيت بها. فمع ثورة الوفرة أصبحت هناك مؤسسات كثيرة وكبيرة مما أدى الى تناقص احتمال سيطرة مؤسسة واحدة على الباقي. كذلك أدت ثورة الوعي إلى تغييرات سلوكية على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي رافضة للأوضاع القائمة المفروضة وهو ما أصبح ميسراً نتيجة لثورة الحراك التي حجبت قدرة الدول والمؤسسات الاجتماعية على حصار الناس فبدون حيز لممارسة القوة لا توجد سلطة كما يؤكد.

يرصد نعيم تغيرات مفهوم القوة ومساحاته التى خلقتها الشبكات لكنه لا يميز بين “القوة” و”السلطة” وهذا ما يجعلنا نعود إلى نيال فرجسون لتوضيح هذه النقطة. يحاجج نيال فيرجسون بأنه على الرغم من قوه الشبكات في القرن الحادي والعشرين إلا أنها لم تفلح في الإحلال محل الهرميات قط حيث إنها على الرغم من قوتها، إلا أن قدرتها على فرض أي استقرار مشكوك فيها.  لا يقلل نيال من أهمية الشبكات، لكنه يضعها في موضعها: هي مركز قوة واستقواء وربما مكانة، لكنها بالتأكيد ليست مصدر تمكين. فى سبيل ترسيخ ذلك يضرب فيرجسون أمثلة عديدة: انظر إلى كيف سيطرت وكالة الأمن القومي الأمريكي على محركات البحث وصناديق البريد الإليكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي وسخرتها لخدمة أهدافها. انظر كيف تستخدم الأنظمة الحاكمة شبكات الاتصالات لإحباط أي محاولات للخروج عن السيطرة والتطويع. هذا فى رأيه يعتبر تجلياً واضحاً لقوه الهرميات وقدراتها ليس فقط على السيطرة على الشبكات بل وعلى تسخيرها لخدمة أهدافها في التحكم والتوجيه.

يستمر نيال في التدليل على وجهة نظره بالتطبيق على الربيع العربي في مصر: كيف سيطرت الأجهزة الأمنية على الثورة؟ حتى في عز فورة الثورة وعجز الشرطة التام في ٢٠١١ كانت أجهزة المعلومات تراقب وتسجل وتحلل، بما يعني استمرار سيطرة المؤسسات على المعلومات والمعرفة ومجالاتها بالإضافة إلى احتكارها لشرعية العنف وأدوته، إنها تستطع توجيه الرأي العام بأكبر من قدرة الشبكات الاجتماعية لإنتاج حالة من الكراهية لأي فصيل من الفصائل (اليوم الإخوان، ثم البدو في سيناء، وبعدهم ربما المسيحيين) وخلق حالة تهديد دائم، وتعزيز حالة  تأييد زائف للمسار السياسي الحالي وبالتالي البقاء، ولو مؤقتا.


ثورة بلا هيكل عظمي أو حتى رأس؟!

كانت طليعة الثورة المصرية من الشباب المتعلم المتطلع الذي ولد وتعلم وعاش وعانى من تكلس ومظالم هرمية الدولة المصرية الصارمة. حيث يوجد ألف سبب وسبب لكراهية الهرمية،  بداية من المدرسة إلى الحكومة إلى الخدمة العسكرية،  حتى القطاع الخاص لم يسلم من هرمية مقيتة محمية بقوانين فاسدة بما يمثل استغلالاً وفساداً وقتلاً للمعنى وترسيخًا للعبث، وتلكم هي محصلة تجربة أجيال الثورة مع الدولة التي تشكل الرمز الأكبر للهرمية. ومع انغلاق المجال السياسي أمام الأغلبية،  لم يكن هناك إلا بديل التمدد والانتشار فى الشبكات الاجتماعية والافتراضية عبر مجموعات تتمحور حول أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية نبيلة ومثالية كونها تشكلت في معزل عن إمكانية التطبيق واسع النطاق وكمقابل لمشروعات الدولة العملاقة والفاشلة فى آن. رَمزَ الصغيُر للُنبل والحقَيقةِ وارتبطَ الكبيُر بالفساد والسلطةِ. في ظل هذا الفضاء الُمتسامح معهُ من ِقبل الدولة،  نشأت حركات صغيرة متنافرة “لا دولتية” بشكل ظاهر أو مبطن، ونجحت في استغلال لحظات ضعف داخلية ومواتية إقليميًا فيما توهمته وقتها إسقاطا للنظام.

يرتبط كذلك عدم قدرة التيارات الثورية المصرية على توليد رؤية وتأسيس مؤسسات اقتصادية ناجحة أيضا بنفس الموقف الأيديولوجي/النفسي من الهرميات الاقتصادية سواء على المستوى المحلي أم الدولي. بشكل مبدئي٬ هناك رفض لدى الكثيرين من نخبة المعارضة لكل ما هو ضخم وكبير ومهيمن. يستوي في ذلك رجال الأعمال المحليون، أو الشركات المتعددة الجنسيات انتهاءً بالمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي. ومع أنه ليس مجال هذا المقال مناقشة مزايا ومثالب الشركات المتعدده الجنسيات أو تحيزات المؤسسات الدولية السياسية، ناهيك عن الحكم على جدية الرأسمالية الوطنية المصرية، لكن من الضروري في هذا الصدد توضيح كيف أن قطاعات كبيرة ممن يتصدرون الحديث باسم الثورة معادون لأي هرمية اقتصادية وغير قادرين على هزيمتها في نفس الوقت لعدم وجود تصورات أو بنى بديلة. كانت النتيجة أن العداء الأيديولوجي لكل ما هو هرمي سياسيًا أو اقتصاديًا أدى إلى حالة رفض طفولية للواقع،  وهو ما قد حرمنا من النظر بشكل نقدي للوضع الحالي ناهيك عن محاولة تقديم بدائل واقعية له.


ثورة أم تحول ديمقراطي؟

مالم يتم مناقشته في الأمثلة السابقة هو أن كلها استخدمت العنف بدرجات مختلفة وبنتائج متفاوتة. وهو ما لم٬ – وربما لن – تستطع الثورة المصرية الخوض فيه بسبب تكوين المعارضة السلمي وقوة الآلة العسكرية للدولة. الأخطر من ذلك هو نتائج استخدام العنف السيئة حتى في حالة نجاح الثورة. حيث رأينا كيف أن الثورتين البلشفية والإيرانية نجحتا فى إحلال نظام جديد محل نظام قديم، لكنه ليس بالضرورة أفضل كثيرًا بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبالتأكيد ليس هو ما فقد الكثير من الثوار حياتهم فى ١٩٧٩ وماقبلها. في الحقيقة إن استخدامَ العنف في الثورة قد ينجح في الحسم أمام النظام القديم وفرض مؤسسات النظام الجديد،  لكنه قد ينجح أيضا في تمكين قلة من القادة الكاريزماتيين من رقبة الثورة والذين عادة ما ينحرفون عن أهدافها، ويستخدمون آلة القمع ضد أبناء الثورة لاحقًا. أهم خطر لاستخدام العنف في التغيير السياسي هو أن احتمال إقامة ديمقراطية مستقرة بعده يكون ضعيفًا للأسباب السابقة، إضافة إلى أن العنف عادة ما يولد الكثير من المظالم التي في ذاتها تحتاج إلى معالجة تستحيل في مواجهة النظام الجديد المتمكن والعنيف، وبذلك يخلق العنف بنفسه بذور عدم الاستقرار فى المدى الطويل.

كما رأينا، لا تنتهي الثوارت في العادة إلى نظم ديمقراطية مستقرة وهو ماقد يمثل تناقضا بنيويًا في الثورة المصرية التي تهدف إلى “الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.” تبدو قدرة الثورة المصرية على حل إشكالية القوة والتمييز بين حدود كل من الهرميات والشبكات حاسمة في تحديد مسار الثورة في هذه المرحلة الحرجة. قد يكون من المفيد، ولو على سبيل التعزية، التذكير بكيف انتهت الثورات الملونة في بداية الألفية بعودة النظم القديمة بشكل أو بآخر في جورجيا وقيرغيزيا  وأوكرانيا. الطبيعة لا تعرف الفراغ ولا الانتظار٬ لكن تحت الضغط الشديد لقوى النظام القديم قد تبدو الشبكات هي الحل المثالي للاستمرار والمراوغة، لكن هذا لا يعفي من ضرورة بناء مؤسسات وأحزاب بهرميات مرنة تستطيع منافسة النظام الحالي في حال الفوز من خلال عملية ديمقراطية أو الانتصار من خلال ثورة. لكن كيف يمكن بناء هرميات والنظام لا يسمح بأي مساحة للحركة؟ هذا ما ستجري مناقشته فى المقال القادم.