الخروج من الميدان، كيف لم نعد نمتلك حلولا؟


مدخل:

لا أزال أذكر للآن، اللحظة التي استقبلت بها، خبر سقوط زين العابدين علي، ديكتاتور تونس، كنت أجلس أنا وأخي، نتجادل، فرحين وممتلئين برهبة ما تجاه الحدث، الذي نعرف أن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه مرة أخرى، كنا متيقنين، من سقوط مبارك الوشيك، بدا لنا ذلك شديد البديهية، ما كان غريبا جدا، بالنسبة إلينا، هو كيف أصلا كنا_وكنا بدأنا بالفعل نتكلم بصيغة الماضي، فسقوطه كان يقينيا_نحتمل الديكتاتورية، وكيف تمكن حفنة من العسكريين البلداء من حكم بلاد واسعة، مثل بلادنا، دون أي صعوبة، كيف لم تثر شعوبها مبكرا عن ذلك، وتزيحهم، كان ذلك يبدو سهلا جدا، أعتقد أن تأثير الثورة التونسية في سرعتها وحسمها، كان ذلك تحديدا، فتح أفق جديد تماما لكيفية استعياب أشياء مثل الشعب والسلطة والإرادة، جعل أشياء مثل تنحي الديكتاتوريين، ممكنة للدرجة التي تجعل عدم تحققها هو الأمر شديد الغرابة.

الشيء شديد الوطأة على القلب، أن تضطرنا الأحداث وتطوراتها بعد أربع سنين من ذلك الاندهاش تجاه ثبات الحكام، إلى السؤال العكسي تماما، كيف أنتجت هذه البلاد، أصلا، ثوراتها؟ كيف أصلا أمكن لكل هذا التناقض البنيوي، والتأزم الفكري المؤجل، أن ينجح في إحراز انتصار مبكر مثل هذا، ويبدو تعثر الثورة هو الشيء المفهوم والأكثر معقولية من أي شيء آخر، بالطبع لا يجب الانجرار لتفسيرات بنيوية صارمة ترى كل شيء كان حتميا، لكن أيضا لم تنهزم الثورة لأسباب تجريدية، أو بسبب اختلال في موازين القوى لم يكن يمكن معالجته، خسرت الثورة عندما اجتمع لاوعي أغلب أطيافها السياسية_تحت وطأة معاركها المتبادلة_على هزيمة ما كانت الثورة تقترحه في البداية.

المربع الأول، كأنما الصعب لم يسهل له سبب:

انهزمت الثورة في اللحظة التي أصبحنا فيها عاجزين عن اقتراح حلول ما، حتى لو كانت مجرد حلول نظرية، ما كان الأشد صعوبة فيما واجهناه، ليس أن الثورة طرحت علينا أسئلة جديدة، فالسؤال الأصلي كنا نظن أننا نعلم إجابته: كيف يمكننا أن نعيش معا، مع كل اختلافاتنا هذه؟

كانت الإجابة البسيطة، والابنة لسنوات من “النضال شبه المشترك” بين الأطياف السياسية المعارضة الرئيسية، الإجابة شبه المتفق عليها، والتي تمثلها حركيا “حركة كفاية ” في انطلاقتها ومظاهراتها الأولى، خليطا من المطالب الليبرالية والاجتماعية، تتعلق أساسا بالعمل على استعياب الكتل الأكبر من الشعب في العملية السياسية، وتلبية مطالب اقتصادية لشرائح اجتماعية متسعة، تواطأ الإخوان واليساريون والناصريون و”الشباب” على ذلك، وبدا ذلك سهلا جدا، أو حلا سحريا، لأزمة علاقة “الإسلاميين” ببقية الحراك المطالب بحريات أوسع.

كان الإسلاميون لفترة طويلة، أحد مثبتات السلطة، وأحد العوامل المقيدة لتَكَوُن حركة علمانية مطالبة _بجدية_بحريات سياسية أوسع، حركة علمانية مضادة للمعادلة التاريخية التي تبناها علمانيو سلطة مبارك ويساريوها، المعادلة التالية:

_تراجع دور الدولة السلطوية في ضبط المجتمع، لصالح حرية حركة أوسع، لن ينتج عنها، سوى تمدد الإسلاميين في المساحات التي ستتراجع فيها السلطة، وسينتج عن ذلك محاولات هؤلاء الإسلاميين، لتقويض”الحريات الاجتماعية” التي رأى اليساريون_وأغلبهم ينتمي لشرائح عليا في الطبقة المتوسطة_ أن الدولة بنمطها الموجود_دولة مبارك_رغم كل مساوئها، توفرها كحصن أخير، من “المد الرجعي للجماعات الدينية”، وقد تم احتواء “الطليعة المثقفة”_على رداءة نوعية إسهاماتها الثقافية، أو ربما بسبب ذلك _ لهذه الحساسية العلمانية في وزاراة الثقافة وما حولها، كعاملين في أحد أجهزة الدولة الأيدلوجية لمحاربة “الزحف الرجعي”، والذي لم تكن نهايته، سوى تحول هؤلاء لمجموعة من المثقفين رثة الإنتاج الثقافي لا يعلم بهم أحد، واستمرار “المد الإسلامي ” في زحفه.

الطريق الطويل نحو التواطؤ:

أسهمت الهزيمة العسكرية والضربات الأمنية والاعتقالات المكثفة للجماعات الإسلامية التي اختارت السلاح كوسيلة للتغيير، على ظهور جماعة الإخوان المسلمين، كممثل رئيسي للطيف الإسلامي، الجماعة التي رغم تعرضها لضربات واعتقالات واسعة، إلا أنها لم تتعرض طول حكم مبارك، لضربات قاضية، كانت الضربات تحجيمية ونوعية بشكل أساسي، ما ساعدها على استكمال بنية تنظيمية واسعة مترابطة، مكنتها من تصدر “المشهد المعارض” للحكم المباركي، وعليه وبالوقت وجدت نفسها – ووجدها الباقون – قوة أساسية لا يمكن عمل حراك جدي بدونها، وعليه؛ حاولت الأطراف الإسلامية طمأنة بقية القوى بأحاديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة، وكانت خطواتهم في ذلك، شديدة التدرج والبطء، ومرتبطة بشكل تاريخي بتراجع الجماعات الإسلامية العنيفة، وخلو الساحة للإخوان، وكلما أصبح الإخوان الحاضن الإسلامي الأبرز وشبه الوحيد؛ كانت تنازلاتهم أكثر قابلية للتمرير داخل التيار الإسلامي الواسع، وكانت سلاسة التمرير تلك في حد ذاتها، كارثة مؤجلة، إذ إن ما تم تمريره بسهولة دون “انشقاقات” يمينية_انشقاقات تساعد على تجذير الخيارات الديمقراطية، داخل بقية الحركة، بحكم الصراع المتبادل بينهما_ ودون تأصيل شرعي متماسك، سيتم التنازل عنه لاحقا، بمجرد ولادة حركة أكثر يمينية قادرة على المزايدة أكثر باسم الدين، وتمتلك شعبية تؤهلها لهذه المزايدة.

في المقابل، كان اندماج الأحزاب العلمانية التي تؤيد إقصاء الإسلاميين الكامل في السلطة، مقابل كرسي هنا أو هناك، وتحولها إلى أشباح هزيلة تنافق السلطة، ولا يدري بوجودها أحد، ثم بعد ذلك تكوُّن حركات علمانية شابة بعيدة تاريخيا عن الاشتباك مع الإسلاميين كخصم رئيسي_كما كان في السبعينيات مثلا_وإذن أكثر قابلية لتفهم أفكار التوافق، كان ذلك كله، سببا في جعل التيار العلماني بشكل كبير، يعتبر المشاركة الإسلامية في السياسة شيئا بديهيا لا يستوجب حتى التساؤل، كما كان لموقف الأحزاب العلمانية شبه التابعة للسلطة، سبب آخر، ليتخذ معارضو السلطة العلمانيون، ما كان الأولون يحاربونه بكل جهدهم: التحالف الضمنى مع الإخوان.

على العموم، ذلك الوقت، لم يكن الإخوان وحدهم من يبعثون التطمينات، أيضا حاولت الأطراف الأخرى طمأنة الإسلاميين بأحاديث مقابلة عن الإسلام المعتدل والإسلام الحضاري والفكر الوسطي، وعدم جواز جمع الإسلاميين كلهم في سلة واحدة، ثم التضامن مع معتقلي الإخوان بعد كل ضربة أمنية لهم، بجوار كتابات أخرى كثيرة عن “ضرورة دمج الجماعات الإسلامية المعتدلة في المجال السياسي” .

أخذت تلك التطمينات والتراجعات المتبادلة، والاقتراب من مساحة تسع الجميع، سنوات طويلة حتى أصبح “الخيار البديل” لنظام مبارك، يبدو متماسكا وبسيطا: عندما يسقط مبارك سنقوم بعمل انتخابات حرة، لن يقوم الإسلاميون فيها سوى بـ”المشاركة لا بالمغالبة”، وسيحترم الجميع الخطوط العامة لحقوق الإنسان والحقوق الاجتماعية التي تم التوافق عليها طيلة فترة مبارك، ما أسهل ذلك!

الطريق إلى “الميدان”:

كانت هذه الحركة كلها، خطوة لإنجاز مشهد “ميدان التحرير” بتنوعه، ولم يكن ذلك سهلا أبدا، عملت كل التيارات بالوقت، على إزاحة متطرفيها من المشهد، أو ساعدتها الظروف في ذلك، أجنحة الإسلاميين الأكثر عنفا هزمت تماما عسكريا وأمنيا، وأجنحة العلمانيين المتطرفة، اندمجت تماما في الدولة، وأصبحت جزءا منها، ليتبقى فقط الأجنحة شبه الوسطية من كل التيارات، أي الأجنحة التي قبلت مبدئيا فكرة التعايش المشترك.

بجوار هذا التواطؤ المشترك للتيارات السياسية، كان هناك في الميدان_بمعنى الحركة الاحتجاجية العامة، وليس ميدانا محددا_ بالأساس مجموعات شبابية ضخمة لم تكن نتاجا لهذا التاريخ من التواطؤ بشكل مباشر، مجموعات بدأت اهتمامها السياسي متأخرا وبفعل حركات مثل “كلنا خالد سعيد” و”حملة البرادعي”، ولم يكن لهم ارتباط مباشر بهذا التاريخ المسبق من الأفكار والتراجعات، ليس بالضرورة أنه كان معاديا لها، لكن للمرة الأولى كانت هناك روح متبلورة واضحة المطالب، وليست متماسة بالحركات المعارضة الرئيسية، وربما هذا تحديدا ما أوجد “إمكانية الثورة” التي لم لتكن لتوجد لو تركت جماعة الإخوان المسلمين توجه هي الحراك المعارض لمبارك.

في أواخر حكم مبارك، كانت هناك طفرة في كمية الحركات السياسية الشبابية الناشئة، تصاعد في حركة الإضرابات والاعتصامات من أجل مطالب اجتماعية واقتصادية، فضاء إلكتروني مفتوح، يتيح إمكانية تواصل بين مجموعات مختلفة، لم تكن قادرة على التنسيق بينها بسهولة قبل ذلك، بجوار حرية إعلام نسبية، تتيح نقدا ليس هينا لنمط الحكم، بضيوف دائمين من “رموز المعارضة”، شكل هذا جاذبية لمحمد البرادعي أن يأتي ويحاول بلورة ذلك، في تشكيل معارض إصلاحي جذري للنظام، وهو ما وجده الكثيرون أيضا اختيارا جيدا كبديل للنظام، أن يقود المعارضة رجل يحظى مكانة دولية، ربما توفر له حصانة لا يمتلكها بقية قيادات المعارضة، لكن ذلك لم يحصنه من هجوم إعلامي قوي ومنظم من إعلان النظام والقريبين منه، ولم يشكل الرجل جديدا في الساحة المصرية، من حيث التنظيم، حيث لم يتمكن من عمل تنظيم سياسي قوي، ولكنه نجح في دفع كتل من شباب الطبقة المتوسطة، لاختيار الانخراط في العمل السياسي، كما إن خياره بعدم اللجوء لحلول وسط مع النظام، أو الانخراط في “العملية الديمقراطية”، كان اختيارا مناسبا تماما للحظة.

تزامن ذلك مع ارتباك داخلي لنظام مبارك، جعله أكثر حدة وأبعد عن تكتيكاته التقليدية في كيفية احتواء الحركات المعارضة، فالنظام الذي طالما عمل على احتواء جزء من المعارضة لضرب البعض الآخر، كان يبدو أنه وصل لدرجة ارتباك داخلي، جعلته عاجزا عن القيام بأي مناورات سياسية معقدة، وعليه أصبحت “الداخلية” هي أداته الوحيد في التعامل مع المشهد، رغم أنه يواجه حراكا معارضا واسعا، لم يواجهه من قبل، وإذن فضّل_كمثال_أن يكتسح انتخابات مجلس الشعب 2010 بالتزوير بشكل كامل، دون أي محاولات لتجميل المشهد، كانت هذه مثلا أول انتخابات مجلس شعب لا يدخل فيها أي مملثين عن جماعة الإخوان منذ انتخابات 90_وكانوا مقاطعين للانتخابات احتجاجا حينها_، لقد فضّل النظام التخلي عن حيله التقليدية في احتواء بعض المعارضة، في الوقت الذي كان أكثر احتياجا لهذه الألاعيب، لكن يبدو أنه بجوار ارتباكه، أصابته جذرية المعارضة المستحدثة بوصول البرادعي، بعناد ورفض لأن يقدم تنازلات تبدو كخسائر له، وليس كما كان يروج سابقا لتنازلاته كـ”خطوات تدريجية نحو الديمقراطية”والمهم أن جذرية النظام وارتباكه، كانت تواجه روحا شبابية متحدية وقابلة مبدئيا لتجذير الصراع بينها وبين النظام أيضا.

احتوى الميدان، من البداية، حساسية ما أكثر فتوة وشبابا من كامل “المشهد السياسي المعارض”، وبالأخص كانت تلك الحساسية أبعد ما تكون عن الإخوان روحا وتنظيما، وأبعد وأبعد عن مومياوات أحزاب المعارضة التاريخية كالتجمع والوفد والناصري وغير ذلك، وربما كان غريبا جدا أن تولد في بلد ما، ثورة دون أن يكون “التيار المعارض الرئيسي” هو روح الثورة وأملها، الغرابة التي جعلت التحليلات الأمنية السريعة وخطابات السلطة اليومية حينها، تجعل الإخوان هم الثورة، هم المتظاهرين، هم من يقتحمون الأقسام، وهم من يفتحون السجون، هم من يرفعون الشعارات، هم من يعتصمون في التحرير، نعم، اشترك الإخوان في فعاليات الثورة من البداية، إلا أنهم لم يكونوا عنصرها الأكثر زخما ولا الأكثر جاذبية شعبية، ولا الأكثر قدرة على تحريكها، وبدت تفاوضاتهم حينها مع بعض أجنحة الدولة مثل عمر سليمان، تفاوضات باسم التنظيم، ولم يعتبرها أحد _بما فيهم الإخوان أنفسهم_تفاوضا باسم الميدان البتة.

أسهمت أيضا السرعة النسبية لتنحي مبارك، في عدم تبلور أي شكل سياسي ما متوافق عليه للتحدث باسم الميدان، وعليه؛ ظلت تلك الحساسية العابرة للتنظيمات، غالبة على أغلب تحركات ما بعد تنحي مبارك.

اضمحلال الحلول:

بعد النجاح في الإطاحة بمبارك، بمساعدة المجلس العسكري، بدأت الانشقاقات داخل “مشهد التحرير” بسرعة، وكان كل انشقاق منها نيلاً من مصداقية “حلول الثورة”، التي يمتلكها الداعون للتغيير والديمقراطية. ببساطة كان العيش المشترك، هو الحل الوحيد، وكان كل انحياز جذري لمحو الآخر الإسلامي أو العلماني هو إعادة تقييم لفكرة التغيير كما مثلتها يناير، حتى ولو لم يكن ذلك واضحا في أذهان من فعلوا ذلك.

كانت الخطوات الكبرى للاستقطاب التي سارع إليها الإسلاميون سريعا في استفتاء مارس، ثم نوعية الدعاية لمجلس الشعب، ثم في اختيار مرشحيهم للرئاسة_حازم صلاح، وخيرت الشاطر \محمد مرسي_ الخيارات التي كانت الأكبر زخما داخل الكتلة الإسلامية، هذه الخطوات كانت خروجا عن الحل المتفق عليه مسبقا، الخروج الذي قوبل بخروج مضاد عن نفس الحل، لتبدأ الدعوات المتهامسة من كُتّاب يرون المشكلة أن المجلس العسكري قد سمح بتكون الأحزاب الدينية من البداية، ويروّجون ببطء وبتدرج لحل القضاء على الإسلاميين تماما.

في خلال ذلك، حاولت كتلة معتبرة من الإخوان، التمسك بـ”حل الثورة” التوافقي، الكتلة التي مثلتها حملة عبدالمنعم أبو الفتوح، ولم يواتها النجاح، لأسباب تتعلق بمحدودية حركة الانشقاق داخل جماعة الإخوان_الانشقاق الذي كان يجب أن يكون أوسع وأكثر استقطابا لرموز وقيادات_وأسباب تتعلق بحملات صحفية أمنية، وأسباب تتعلق بكيفية إدارة الحملة، والرضوح للمزايدة السلفية_طمعا في كسب أصوات سلفيين لم تكن لتصوت لهم أبدا_الذي أفقد الحملة جزءا معتبرا من جاذبيتها كحل توافقي. وبخسارة الحلول التوافقية، ووصول الإخوان إلى كرسي الرئاسة، أصبحوا هم اللاعب الأبرز والأكثر تأثيرا، أما المنهزمون من “عفويي الميدان”، فكانوا بالوقت يخسرون_وبإصرار الإخوان_قدرتهم على طرح أي حلول مرة أخرى.

كما ستظل هذه المحاولة الانشقاقية الشجاعة عن الإخوان، هي ما ينقض كل أحاديث الإخوان عن ملابسات ترشيحهم لخيرت الشاطر ثم مرسي في مجلس الشعب، ملابسات عدم قدرتهم على تشكيل الحكومة، خطط الثورة المضادة، الخوف من انتصار حازم صلاح، الفشل في التوافق مع القوى الأخرى على رئيس توافقي، فالحقيقة أن قيادات الإخوان، فضلوا تماسك الجماعة تنظيميا، على خيار دعم أبوالفتوح كمرشح توافقي، كان الآخرون هم من اقترحوه وأيدوه، وكان تأييد الإخوان له، سيجعل الأمور محسومة، لكن الإخوان كانوا قد انتهوا من أي حلول توافقية بينهم وبين قوى أخرى غير الجيش، وكان ذلك يسحب الإخوان رويدا رويدا نحو عزلتهم التي صاروا إليها.

الإخوان وما بعد نجاح التواطؤ:

ما واجهه الإخوان بعد انتصار الثورة ليس طرح أسئلة جديدة لم يكونوا يمتلكون إجابات لها، ولكن ما واجهوه كان تحديدا عدم قناعتهم بـ”إجابتهم الخاصة” على الأسئلة القديمة، فكل شعارات ما قبل الثورة انتهت بشكل مفاجئ بمجرد شعورهم ببعض القوة، فتحول الصراع بسرعة لـ”حماية الدين” ضد “أعدائه” الذين يكرهون كل ما يمت للدين بصلة، ولعدم قناعتهم تلك، كانوا تدريجيا ينزاحون يمينا بعد كل مزايدة يمينية عليهم، سواء بفعل “حزب النور” الحزب الديني الذي لم يقترب من الثورة شبرا واحدا، أو التيار الإسلامي الثوري بزعامة حازم صلاح أبو اسماعيل، كان هؤلاء يعيدون الأجوبة الإسلامية الأولى للمشكلات، أجوبة ما قبل “التواطؤ”، الأجوبة الأصيلة للتيار الإسلامي، وكان الإخوان يجدون أنفسهم مقتنعين بتلك الأجوبة أكثر من أجوبتهم هم أنفسهم التي صاغوها طول فترة التواطؤ، وعليه أيضا فقد الإخوان صفتهم المركزية وسط تيارهم الإسلامي، لم يعودوا هم المحرك الأبرز فيه، بل أصبحوا عبارة عن كتلة ضخمة، تتحرك نتيجة ردود أفعال على مزايدات الإسلاميين الآخرين الأكثر حدة

كان السلفيون هم من فجر الاستقطاب بصيغته العلمانية\الإسلامية في مارس 2011_تصريحات حسين يعقوب “وقالت الصناديق للدين نعم” كمثال_ ولم يرفض الإخوان ذلك، ثم هم من صبغوا جمعة “التطهير وحماية الإرادة الشعبية” بشكلها الذي جعل منها في نظر الآخرين “جمعة قندهار” وكانوا أصحاب اغلب المعارك العبثية في مجلس الشعب التي ساهمت في النفور منه ثم السكوت على حله_معركة الأذان داخل المجلس، ومعركة إلغاء تعليم اللغة الانجليزية مثلا_، كما وأساسا كان حزب النور هو المدافع الأكثر شراسة عند سائر مواد دستور 2012 *[1] الخلافية، وساهم باستماتته على تلك المواد_ثم بانزياح الإخوان لصفه_ في خروج دستور غير متوافق عليه، تم أخذ عدم التوافق عليه ، كسبب رئيسي في ازاحة الإخوان بعد ذلك، كما قام أنصار أبو اسماعيل بحصار “مدينة الانتاج الإعلامي” للضغط على القنوات الفضائية العلمانية وتخويفها والزامها بتخفيف حدتها، وهو ما ساهم بعد ذلك أيضا في استماتة هذه القنوات الفضائية ومذيعيها في الوقوف مع الجيش حين ازاحته للإخوان وليس العكس

هذه المزايدات اليمينية الجارفة_وبالاستعداد الأهوج لقيادات الإخوان_ جعلت استراتيجية الإخوان الكبرى بعد الثورة، ليس البحث عن التوافق مع العلمانيين، بل محاولة احتواء وتحجيم والسيطرة على الزخم الإسلامي العام_الهيئة الشرعية للإصلاح كمثال_ ليكون بجميع أطيافه شبه متحكَّم به من قيادات الإخوان، المحاولة التي_ ويا للمفارقة البائسة_كان نجاحها، من بين الأشياء التي سهلت وقت الاصطدام بالإسلاميين، سهّلت الإطاحة بهم كلهم مرة واحدة، بدون أن تمتلك أحد أجنحتهم موقعا مغايرا في الوعي العام، يسمح لها أن تكون حصنا أخيرا للإسلاميين.

وهو ربما ما حاول أن يفعله حزب النور متأخرا جدا، بمشاركته الرمزية، في خطاب الانقلاب العسكري، لكن بلا جدوى بعدما كان الحزب نفسه بقياداته من أهم أسباب الاستقطاب السياسي طول فترة ما بعد الثورة، بل كان الحزب المصدر الأول لفرسان معارك الاستقطاب الديني _عبدالمنعم الشحات كمثال_في أغلب أوقات ما بعد الثورة، ما جعل محاولته هذه للظهور متأخرا كـ”حزب مختلف عن بقية الإسلاميين” مفتقدة لأي مصداقية عند الآخرين.

الخروج من الميدان، تجذير “الصرع الإسلامي العلماني”:

انتهى “الميدان ” رمزيا عندما قام الإسلاميون في جمعة “الشريعة وحماية الهوية” للمرة الأولى بالنزول إليه دون أي شعارات عامة، يمكن لآخرين الانضمام إليهم فيها، كانت جمعة موجهة لخصوم محددين هم العلمانيون وبدون أي مطالب مرتبطة مباشرة بالثورة، وكانت المرة الأولى التي يؤدلج فيها الميدان، ويفقد صفته الجامعة_أو على الأقل ادعاءه ذلك_ وهي إجمالاً الجمعة التي ستفتتح سلسلة متوالية لمدة سنتين من مظاهرات الإسلاميين الخالصة، والتي ستزداد بؤسا، ويقل أفرادها نسبيا مع الوقت، كما سيخلفها في الميدان بعد ذلك بسنتين، مظاهرات أخرى علمانية تهتف ضد الإخوان وترفع الشرطة فوق الأعناق، إيذانا بانتهاء كل شيء.

لا يمكن بالطبع اعتبار “الصراع الإسلامي العلماني” صراعا غير ذي معنى، أو صراعا مُزاحاً عن مكانه الأصلي، هو بالطبع الصراع الأيديولوجي الأكثر سخونة بعد الثورة، وكان وجوده بديهيا، لم يكن ذلك هو الأمر المفاجئ، لكن المفاجئ كان مدى اتساعه وحدّة طموحه_الإقصاء التام للآخر_، الحدة التي كانت كل أفكار ما قبل الثورة عن التواطؤ، هي محاولة لخفضها قليلا، حصرها في الإطار الديمقراطي وربما المظاهرات المتبادلة، والسجالات الفضائية، لكن ذلك لم ينجح.

بلجوء الفصيل الإسلامي الأكبر إلى الانفراد بكل شيء، دون أي قدرة على ضم آخرين إلى تحالفاته، ثم نوعية السياسة التي انتهجها الرئيس الإخواني، السياسة التي كانت شديدة الضيق والبؤس والارتجالية، كان ذلك يجعل الجهة الأخرى من الاستقطاب تقصي “معتدليها” أي كل هؤلاء الذين راهنوا على خيارات التوافق والحوار، لأن الأخيرين ببساطة لم يعودوا يمتلكون ما يقدمونه لجمهورهم، خيار التوافق والحوار، انغلق بمجرد قرار الجماعة الإسلامية الأكبر والحاكمة بتجذير الاستقطاب_الإعلان الدستوري المفاجئ، دستور 2012، فض الاتحادية، التلكؤ في عمل انتخابات مجلس الشعب_وهي كلها خيارات لم تكن ضرورية لاستمرارهم في الحكم، أو على الاقل كان يمكنهم البحث عن “إخراج” أكثر جودة لها.

لكن بقراراتهم تلك، أصبحت الروح الغالبة في المعارضة_أي الأكثر قدرة على المزايدة، واتهام الآخرين بالتخاذل_ هي روح “علمانيي مبارك”_التفكير في إقصاء الإسلاميين كلهم_ولم يكن غريبا أن يجتمع بعض ممثلي الثورة مع أعدائها في جبهة واحدة_جبهة الإنقاذ_لمعارضة الإخوان، لقد بدت التناقضات حينها بينهم، أقل من التناقض الرئيسي مع “الإسلامين”، وكان إصرار الإخوان المسلمين على عدم الصدام العلني مع كل من الجيش والشرطة، سببا آخر في إبراز الاستقطاب الإسلامي العلماني.

الإخوان و”استقطاب الثورة”:

أسهم الإخوان مرتين في تجذير الاستقطاب الإسلامي العلماني، مرة بمشاركتهم الواسعة فيه، ومرة بقتل الاستقطاب الثوري\الفلولي، بابتعادهم التام كجماعة وتيار عن المشاركة ولو الخطابية في المعارك مع المجلس العسكري وقت حكمه، بل وفي أحيان كثيرة، التبرع بـ”حماية ظهر” كل من الجيش والشرطة_ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وأحداث شارع منصور كمثال_واعتبار كل الأحداث الصدامية معهم نتيجة لتدخل تطرف ثالث وخامس وعاشر، وخطط خارجية لضرب الاستقرار.

وكانت “حماية الظهر” هذه، هي ما جعل الاستقطاب الآخر، هو الاستقطاب الغالب على معاركهم، فما داموا لن يتعاركوا علنا لا مع الداخلية ولا مع الجيش، ولا مع الفلول، ويفضلون التخطيطات المغلقة للتنظيم لكيفية “تقيلم أظافر” كل من الجيش والداخلية، فقد جعلوا تواجدهم الإعلامي في غالبيته منحصرا في الاستقطاب الآخر

وحتى في الأوقات، التي حاولوا فيها، اللجوء لـ” كارت الاستقطاب الثوري”، لم يفعلوا ذلك إلا متأخرين جدا، وبكثير من العجرفة ورفض الحوار، مثلما فعلوا وقت الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة في 2012، وكما فعلوا في الترويج للإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي مفاجئا وبدون استشارة أي أحد خارج الجماعة، أي فضلا عن خذلانهم المتتالي لكل “الاستقطابات الثورية”_أي المعارك الحدية مع الجيش أو الشرطة_بعد التنحي، فحين تبنيهم لهذا الاستقطاب، أحيانا، وبفعل الحاجة الدعائية، كانوا يفعلون ذلك منفردين، وبطريقة شبه طاردة لأي آخر ثوري، وكان يريدون من الجميع أن يصبحوا كأعضاء الجماعة، أي كانوا ينتظرون من الجميع أن يخرج في مظاهرات تأييد لقرار لم يعلمه أحد بعد، ولم يستشر فيه أحد، وهكذا فقد “كارت الاستقطاب الثوري”_بفعل الاستخدام السيئ وفقدان المصداقية_ بالوقت أي تأثير حقيقي على بقية تيارات الثورة، بالضبط كما فقد “كارت الشريعة” تأثيره بالزمن، وبدا التلاعب المستمر وتبادل الكروت_الشريعة، الثورة، الاستقرار_شيئا أفقد الكروت الثلاثة كل رأسمالها الاجتماعي عند الناس.

التفاهة المفاجئة:

تميز الإخوان في سنيهم الأخيرة وقت مبارك، بقدرة فائقة على التحوير بخصوص ما يريدونه بالضبط، وأصبح كل شيء مطاطيا، فلا أحد يمكنه أن يقف من كلامهم على خصوصية ما يريدونه من إسلام، على المعنى المختلف لـ”الإسلام هو الحل”، على ماهية هذه الشريعة التي يرونها حلا لكل شيء، في الوقت التي كانت فيه “الشريعة” للتيارات الأكثر يمينية شيئا أكثر وضوحا، الحدود والحسبة، ليس أن الاخوان لم يكونوا يؤمنون بذلك أيضا، ولكنهم بفعل التواطؤ الطويل على عدم الاهتمام بهذه المسائل وجدوا أنفسهم لا يعرفون بالضبط هل يريدونها أم لا، كان فشل الإخوان وانزياحهم يمينا بفعل فراغهم الأيديولوجي وبفعل المزايدة اليمينية، هو بداية نهاية الثورة، مادام بداية نهاية “الحل” الذي كانته الثورة.

ما كشفته الثورة بالأساس، هو تفاهة الجماعة الفكرية، فراغها الأيديولوجي، الذي يتيح لأي إسلامي المزايدة عليها، وترددها السياسي، ورعونتها في التعامل مع أزمات الحكم، والفقدان الكامل للقدرة على خلق حزام واسع من التيارات في ائتلاف يساعدها على مجابهة أي محاولات لإزاحتها، لم تكن الجماعة على قدر أي من التحديات التي قبلت عن طيب خاطر أن تتصدر لها منفردة، بدون ائتلاف مع أي تيارات أخرى، ستنافس الجماعة على أغلبية الشعب والشورى وتدخل الرئاسة وتشكل الحكومة شبه منفردة، وتتحمل مسئولية كل شيء، ثم بعد كل ذلك، يتضح أنها ليست على قدر أي من ذلك، لا تمتلك خطة محددة، لهيكلة الداخلية ولا لاستيعاب الحركات الثورية الشبابية ولا قدرة على تمرير دستور توافقي، ولا قدرة على محاسبة مرتكبي الجرائم بحق الثوار، ولا حتى امتلاك خطة علنية لذلك، ولا حتى قدرة على تحييد الجيش من الصراع السياسي، يبدو مذهلا الآن جدا، كيف قررت مجموعة من الأشخاص أن تحصل على كل شيء، دون أن تمتلك خطة واضحة لأي شيء؟

محمد البرادعي كمأزق للثورة:

في فبراير 2010، كان نزول محمد البرادعي لمصر، بداية روح معارضة جديدة لمبارك، رفض الحلول الوسط مع النظام والتشبث بشروط صلبة للدخول للسياسة، كان مما أسهم في منح الرجل مصداقية في جديته وقت الحراك المعارض لمبارك في 2010_الجمعية الوطنية للتغيير، مقاطعة انتخابات البرلمان 2010_ ثم في الثورة، لكن نفس ذلك التعالي عن السياسة الذي كان إيجابيا قبل الثورة، سيتحول لأحد أكبر مشكلات الثورة التي لم تنجح في التخلص منها سريعا، وهو محمد البرادعي نفسه، الرجل الذي انحاز منذ تنحي مبارك، لخيارات شديدة الفوقية والابتعاد عن الحدث، والرغبة المنفردة في رسم خريطة طريق، تبدأ بدستور يكتبه معينون من العسكر، ثم انسحابه من الانتخابات الرئاسية، ثم مشاركته في جبهة الإنقاذ، بدون أي تحفظات على أعضائها، ثم أخيرا تتويج مشوار كامل من الخيارات السيئة، بالمشاركة “المشهدية” في الانقلاب العسكري دون حتى أن يكون أحد القوى المحركة لقراراته، مقابل الحصول على خارطة الطريق الأولى التي تمناها_الدستور أولا_ثم خسارته المعركة الداخلية في جبهات الانقلاب، لصالح الجبهة الفلولية الخالصة، وسكوته المستمر عن شرح مواقفه المتتالية لتياره إلا بنفس التعالي_ما يجري خطأ، ما يحدث كارثة، لن تستقيم الأمور هكذا_مجرد إعلانات لخيارات غير مفصلة ولا مشروحة، وتشبه تماما في تعاليها وعنجهيتها، تعالي قيادات الإخوان على أعضائهم، واختتم محمد البرادعي الحفل، بالهجرة من البلد بعد فض رابعة، وعدم الحديث عما جرى، وعدم حتى الشعور بمسئولية شرح ما حدث، ماهية التباينات التي كانت موجودة في معسكر الانقلاب، لماذا لم يستقل بعد مذبحة الحرس الجمهوري أو بعد تفويض الجيش ومذبحة المنصة، ماهية المفاوضات التي يفترض أنه كان يعول عليها في عدم فض الاعتصام، على ماذا كان رهانه وهو يشترك في الانقلاب؟

تماما كالإخوان، كان البرادعي أحد رهانات الثورة الخاسرة، ولم يكن بعيدا في تصرفاته عن الوعي الشعبي به قبل الثورة كـ”أجنبي”، ولم يدخر هو وسعا في إثبات ذلك، بمجرد استقالته من منصبه، سافر لبلاده مرة أخرى، وصمت تماما.

الثورة المضادة، في البداية يستهزئون بك:

ليس هناك تحليل أكثر خداعا لهزيمة الثورة، من الارتكان لكون “الثورة لم تنتصر ابدا”، التحليل شبه الغيبي الذي يرى أن خطأ الثورة هو “أننا تركنا الميدان مبكرا” أو “الثورة لم تتفق على مرشح واحد للرئاسة”، التحليل الذي يجعل الهزيمة قائمة من البداية، ومادمنا لم ننتصر أصلا، فلا أحد يتحمل عبء الهزيمة!

على العكس، انتصرت الثورة مبكرا، انفتح مجال عام واسع للحركة، أنشأ الجميع أحزابا وحركات علنية، نظم الجميع مظاهرات ومسيرات تتطالب بأي شيء يريدونه، تم عمل انتخابات مجلس شعب وانتخابات رئاسية نزيهة لحد كبير، وحتى الصدامات بين بعض فصائل الثورة والجيش والداخلية، ظلت محدودة، ولم تلحقها اعتقالات واسعة أو تحجيم جدي_لا يمكن كسره_ لحرية الحركة، امتلكت تيارات الثورة على اختلافها منابر إعلامية وصحفية مؤثرة، وأصبح الكثيرون من تيارات معارضة لمبارك نوابا في مجلس الشعب أو الشورى ثم أصبح هناك رئيس وحكومة من الإخوان، لا أدري فعلا كيف يستقيم القول بأن نظام مبارك لم يسقط أبدا؟!

لم تكن الثورة المضادة بمكوناتها الأصيلة_رجال أعمال مقربين من مبارك، الداخلية، قيادات الجيش_قادرة لمدة سنة كاملة، على مهاجمة الثورة، وتطلبت الأمور شهورا طويلة، حتى بدأت طلائع الثورة المضادة في الظهور بجرأة، يمكن الجزم أنه على الأقل طوال عام 2011، لم يكن هناك أي تنظيم جدي لبقايا النظام، استعدادا للانتفاض على الثورة.

لقد احتفظت الثورة المضادة – كما أي ثورة مضادة – بحواضن شعبية ليست قليلة داخل المجتمع_لعلها تمثلت بوضوح وقت الثورة في التعاطف الشعبي الواسع مع خطاب مبارك الثاني وبعده مباشرة موقعة الجمل_بحصون لها داخل النظام، الذي لم يسقط كاملا، الكثير من رجال الأعمال، الكثير من قيادات الجيش، الكثير من داخل القضاء، ثم الداخلية بشكل كامل كانت في يد الثورة المضادة، وكانت بعض الأجنحة داخلها لا تزال تمتلك أذرعا إعلامية، تستخدمها باستمرار للترويج لما تريد، وكانت تتسلل وتكتسب أماكن ومساحات بفضل مساعدة الآخرين لها، وليس بسبب مؤامراتها شديدة التعقيد على الثورة.

بدأت طلائع الثورة المضادة، بشكل شديد الهزلية، مظاهرات متباعدة أيام محاكمة مبارك لا تزيد في أعدادها عن عشرات، ولم تكن تلك الظواهر الإعلامية_صفحة أنا آسف يا ريس، أحمد سبايدر، الملحن عمرو مصطفى، توفيق عكاشة_ في بدايتها تفعل سوى استجلاب السخرية الشديدة من مدى ابتعاد هؤلاء عن الواقع، لكن هذه الظواهر وغيرها كانت بالوقت تكتسب حيزا إعلاميا متزايدا_لا يمكن استبعاد صلة ذلك بتعليمات أمنية للقنوات مثلا_، وبالوقت كانت تكتسب جمهورا متزايدا، حتى إن ما بدا في البدء شخصا لا يجلب لنفسه سوى السخرية مثل توفيق عكاشة؛ انتهى بعد سنة ونصف من الثورة، إلى أن يصبح أحد المذيعين الأكثر شهرة وتأثيرا في جماهير كبيرة وقت الانتخابات الرئاسية 2012.

لقد كان التحول السريع لهذه الظواهر من ظواهر مضحكة، إلى ظواهر شديدة الجدية، وأحد تكتلات القوى الإعلامية، موازيا لتحول آخر في تغطية الإعلام لـ”شباب الثورة” من أبطال خلصوا البلد من ديكتاتورية طاغية، إلى “شباب مغيب” و”شباب يتلقى تمويلا خارجيا”، وهو ما لم يكن المجلس العسكري وبعض أجهزة الأمن هي فقط من أسهمت فيه.منذ تنحي مبارك، أسهم الإخوان بشكل حماسي، في الحملات الإعلامية على حركات مثل 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين، وتبنوا نفس الخطاب الذي تبناه المجلس العسكري بخصوص هذه الحركات، من اتهامات بالتخوين والعمالة والتمويل من الخارج، كما اشترك كل من الإخوان والسلفيين في الترويج لسياسة المجلس العسكري عن الاستقرار ورفض الحراكات العمالية، وكانت التيارات الإسلامية ترجو من ذلك إزالة أي شكوك داخل المجلس العسكري من ناحيتها، والترويج لنفسها على أنها الوحيدة التي تشترك معه في “رؤيته السياسية” لكيفية إدراة البلاد، وبدأ ذلك مبكرا جدا منذ اشتراكهما معا في الترويح لتعديلات الدستور العبثية في مارس 2011، واستمر شبه التنسيق والتهدئة لسنة على الأقل، حتى بدأ الجيش يمتلك قوة للقيام بضربات ضد الإخوان_حل مجلس الشعب، الإعلان الدستوري المكمل أثناء انتخابات الرئاسة كمثال_وبشكل عام كان الإخوان آخر فصيل بدأ الجيش بالقيام بحملات إعلامية واسعة ضده.

في 2012 بدأت “الثورة المضادة” بتنظيم نفسها، افتتاح قنوات خاصة جديدة بتمويل ضخم، تكتل “فلول النظام” ورجال أعماله، بشكل متماسك مع أحمد شفيق، بتمويل ودعم شبه علني من دول مثل الإمارات_ كان ضاحي خلفان قائد شرطة دبي وقتها، صريحا وحادا في دعمه لشفيق وعدائه لجماعة الإخوان، وكان من أول نشروا إشاعة فوز شفيق _، وتزامن ذلك، مع تراجع نسبي لشعبية الإخوان بعد “أكروبات” و”اسكتشات” مجلس الشعب_التي تولى السلفيون في الأغلب القيام بها، لكنها حسبت على الإخوان_وتحميل الإخوان مسئولية عدم تغير الأوضاع المعيشية_رغم أنهم لم يكونوا قد شكلوا حكومة أصلا_ وكان ذلك سببا في خطوة الهروب للأمام، بترشيح الإخوان لخيرت الشاطر ثم محمد مرسي، وبوصول كل الطرفين للجولة الثانية في الانتخابات، كان واضحا أن “الثورة المضادة” لم تعد ضعيفة كما كانت منذ عام ونصف ، حصل شفيق على نصف أصوات المنتخبين، ولم يسأل الإخوان ولو للحظة عن معنى ذلك، واستمروا في نهجهم وحيدين.

بوصول الإخوان_الجماعة المنظمة التي تعمل منفردة، ولا تتفاوض إلا مع الجيش_للسلطة، وبعد أن اختار نصف الشعب_48% صوتوا لشفيق_ الثورة المضادة على حكم الإخوان، أصبح أمام الثورة المضادة، للمرة الأولى، ما كانت تفتقده من البداية: عدو واضح وصريح، يمكن الحشد إعلاميا ضده، كان التنوع والاختلافات الكثيرة وقت الثورة، هي ما صعب المهمة على إعلام مبارك وأجهزة أمنه، أن يصنع وحشا مخيفا من كل هؤلاء، المهمة أصبحت أسهل، ولم يحاول الإخوان مساعدة أنفسهم، بالوقت، ومع المعارك المتتالية مع بقية معسكرات الثورة_الدستور الذي كتبه الإخوان وحدهم، الإعلان الدستوري، فض اعتصام الاتحادية، أحداث 25 يناير 2013، أحداث المقطم_ كانت “شيطنة الإخوان” أسهل وأسهل، ولم يرد الإخوان التراجع خطوة واحدة.

وفي هذه الأجواء_تحديدا منذ الإعلان الدستوري_بدأت بعض معسكرات الثورة تتكتل مع بعض خصومها، وبدأ يحدث تواطؤ من أغلب “الثوار” على عودة “الفلول” للمشهد، فلم تعد “لميس الحديدي” مثلا عدوّاً للثورة_حذرت وقت اعتصام التحرير من “حماس” والجهات المندسة وصرحت أن تنحي مبارك يعني خسارة كل شيء_ بل أصبحت وجها إعلاميا مقبولا يستضيفه باسم يوسف ويمازحه، كأن لم يحدث أي شيء، وأصبح باسم يوسف الوجه الإعلامي الأبرز، صاحب أكبر برنامج سياسي ساخر، ينتظره الجميع، ليرى سخريته بالإخوان، وهو ما كان يقابل من عموم مؤيدي الإخوان بمزيد من السخرية والتصعيد المضاد.

فشل الإخوان في أهم اختبار للسلطة، اختبار القيام بهنية أيديولوجية تتيح لهم شرعنة ممارستهم_كسلطة_ للعنف، كانوا قد وصلوا للسلطة بنصف الأصوات، ثم أصبحوا يفقدون أنصارهم بمرور الوقت، ويدخلون في خلافات مع الجميع، وكانت الثورة مازالت لها القدرة على رفض القمع، فلم ينجح الإخوان في “شرعنة عنفهم” لوجود مقاومة قوية، ولم يفهم الإخوان أن الطريق الوحيد لخلق شرعنة لعنف جديد، هو تحالف واسع جدا بين تيارات كبيرة مختلفة_للأسف كان الجيش في انقلابه واعيا لهذا_تتيح لهم هيكلة الداخلية والجيش بشكل فعال، يمنع أي انتفاضات من هذين الجهازين ضدهما، كما يحقق مطالب الثورة بخصوص الداخلية، وكان واضحا أن محاولات الهيكلة المنفردة_تعيين قيادات جديدة مقربة، فضل الضباط القدامى_لن يتم تلقيها_ شعبيا أو من داخل الأجهزة نفسها_ على أنها محاولات إصلاحية تلبي مطالب الثورة، بل سيتم تلقيها على أنها محاولات “أخونة”، لن تنتج سوى ذعر مجتمعي، وانتفاض داخلي متماسك من قلب الأجهزة ذاتها، وإذن استعداد كبير للاشتراك في مغامرات ضد سلطتهم.

في هذه الشهور القليلة، كان قد أصبح واضحا أن الإخوان لا يمتلكون حلا لأي شيء، كما إنهم ليسوا بالقوة التي تجعل الناس يهابونهم، وليسوا حتى مسيطرين على الداخلية أو الجيش، فمثلا سمحت الداخلية في يناير 2013 بحرق أغلب مقرات الإخوان، على أيدي “متظاهرين”، كما لن ينجحوا في اشتباكاتهم المتعددة مع الآخرين_الاتحادية، المقطم_في الظهور بمظهر القوي الذي يجب تبنيه، أصبح واضحا للجميع أنهم يتجهون للتصعيد والسيطرة على كل شيء منفردين، وأنهم شديدو الضعف ويمكن بسهولة الإطاحة بهم، في نفس الوقت، كان الإخوان على كل حال، الحالة المثالية لينتفض الناس عليها، سلطة مجنونة تصعد الأمور بلا حساب، ويعلم الجميع أنها ليست قادرة على أي شيء.

رغم كل ذلك، لم تكن الأمور ذاهبة _ بالضرورة _ إلى 30\6، كان يمكن تجنب ذلك بإجراء انتخابات لمجلس الشعب _ وهو ما يبدو أن الإخوان في أحد خياراتهم الأشد غباء لم يسعوا إليه بشدة _، أو بالابتداء بمصالحة سياسية مع الآخرين _ وهم لم يفعلوا ذلك أيضا _ حتى فقدت بعض الشخصيات الإخوانية ذات القبول المجتمعي الواسع، فقدت ذلك القبول؛ بسبب انغماسها في الاستقطاب، فلم يبق للإخوان أواخر حكمهم، أي رمز مجتمعي، يحظى بإجماع شعبي على الإطلاق.

في نفس الوقت، كان أصحاب الحلول التوافقية أو الديمقراطية، في موضع سخرية ومزايدة من الجميع، فلا أحد غدا يريد التوافق، وربما يكون ذا دلالة هنا أن كلا من أنصار الجيش وأنصار الإخوان يفضلون التعبير عن حزب مصر القوية_الذي يتزعمه أبوالفتوح ويبدو حريصا على التوافق_بـ”حزب مصر الطرية”، لأنهم يرون أن موقفه الباحث عن التوافق هذا، موقف “مائع” لا يليق بالمرحلة، وأن “القوة” التي يريدونها هي القوة في الانضمام الحاسم لأحد المعسكرين، كما أصبحت هواية شعبية المزايدة على “عاصري الليمون” _ وهم من قرروا انتخاب محمد مرسي في الجولة الثانية من الانتخابات، للحيلولة ضد وصول شفيق\الثورة المضادة، للحكم _ وأصبح واضحا أن أحدا لم يعد راغبا ولا قادرا على مواجهة الغضب الشعبي المشحون ضد الإخوان أو الدفاع عنهم أو اقتراح توافق هم أنفسهم _الإخوان_لا يرفضون شيئا قدر رفضهم إياه، كما لم يحاولوا امتصاص الغضب الشعبي بأي وسيلة، وفضلوا الذهاب لمواجهة صفرية مع الجميع، كان الكل يعرف أنها ليست في صالحهم.

لم يكن قد بقي إذن للثورة المضادة ما تفعله سوى خطة “اللحظة النهائية”، وكانت “حركة تمرد” هي تلك الخطوة، التي فضل الإخوان مواجهتها بطريقة عض الأصابع_لن نتنازل عن أي شيء، وسيمر اليوم ويذهب الناس لبيوتهم ونبقى نحن_وتفاصيل الأسابيع الأخيرة للإخوان، تبدو كلها تفاصيل تكتيكية، بعضها كان سيغير في الأحداث، لكنها لم تكن لتغير المشهد الكلي لما وصلنا إليه، لقد لمحت الثورة المضادة_تحالفات الجيش والمخابرات والداخلية_لأول مرة، فرصة للانتصار، ولم يفوتوها.

عوداً على بدء: لماذا لم يقم الإخوان بالثورة على مبارك؟

لطالما كانت هذه الحجة الرئيسية في النقاشات الداخلية الإخوانية، حول لماذا لا يقوم الإخوان بعمل مظاهرات واسعة، يتمكنون فيها من إسقاط السلطة، كانت الحجة: أنه في حال فشلهم في ذلك، فسوف يتلقون الضربات الأمنية وحدهم، وهؤلاء الذين قد ينضمون معهم في المسيرات، لن ينضموا إليهم وهم يدخلون السجون، بل استخدم بعض الإخوان تلك الحجة لتبرير تخاذل الجماعة عن الانضمام لمعارضي المجلس العسكري في احتجاجاتهم وقت ما كان يدير البلد.

ببعض القسوة، يمكن القول إن ما منع الإخوان من القيام باعتراضات جماهيرية واسعة، طول فترة مبارك، كان خوفهم من “شبح مذبحة رابعة” المذبحة التي لم تكن حدثت قط، ولكنها كانت ساكنة في الخيال كإمكانية ما محتملة، والتي لم تحدث في الثورة لأنهم هم من انضموا للناس، وليس من انضم الناس إليهم، ولأن الثورة أيضا لم تفشل في حينها، وما يبدو مفارقا فعلا، أنه بعد حدوث الثورة هذه_التي رفضوا دوما المبادرة بها خوفا من المذبحة_ وبعد وصولهم للسلطة، سيختارون حينها نفس الخيار الذي رفضوه قديما، القيام منفردين بمغامرات احتجاجية جذرية واسعة، دون رغبة في ضم أي أحد إليهم، وبهتافات إسلامية خالصة، ما جعل الشبح الذي طالما هربوا منه سنوات طويلة يخرج إليهم أخيرا، كقدر إلهي لا يمكن للمناورة البشرية الضعيفة أن تحتال عليه.

نهاية عالم ما قبل 30\6:

الآن نحن أمام جماعة ضخمة، نجحت بعد ثورة، في الوصول للحكم، امتلكت قنوات فضائية، كان لها مئات الأعضاء في مجلسي الشعب والشورى وشكلت حكومة وكان لها رئيس جمهورية، وبعد الانقلاب على حكمها عسكريا، أصبح لها آلاف المعتقلين، الذين لفرط تآكل حواضنهم الشعبية، لم ينجح أحد هؤلاء الآلاف في صنع قضية عامة، يمكن للجميع التعاطف معها، يبدو ذلك شيئا مؤسفا ومؤلما جدا، أن يفقد الآلاف من الأبرياء والثوار تعاطف الناس، لمجرد أنهم إخوان، ولكنه أيضا ذو دلالة قوية على ثمن الاستقطاب الذي أسهمت الجماعة في إشعاله، وذو دلالة على نوعية فرص الجماعة في العودة للسياسة أو للسلطة مرة أخرى كـ”أمل عام”، إذ يبدو أن الاستقطاب بشكله وحدته ومداه الذي تكون، لا يتيح تراجعا سريعا وكيفيا عنه بسهولة.

يمكننا الحديث عن نهاية كل ما كان قبل 30\6، بخروج هذه الأعداد الهائلة التي ترغب أغلبيتها في أن ينهي الجيش كل هذا القلق_الذي بدأ في يناير 2011_ لا يمكن لأحد أن يتعامل مع الحدث كأنه مجرد “مظاهرة أخرى”، لا يمكن لأحد أن يعود إلى مكانه السياسي وموقعه الخطابي قبل ذلك، مرة أخرى، لقد تم خلق عالم جديد للمرة الثانية في خلال ثلاث سنوات، عالم جديد لا يعرف التواطؤ القديم بين التيارات السياسية، عالم يتدخل فيه الجيش بكل ثقله في السياسة، ويرتكب فيه مذابح، يتواطأ الكثيرون على غض الطرف عنها، ويفشل الإخوان في كل محاولاتهم لتغيير موازين القوى، بسبب تمسكهم بعالم ما قبل 30\6، وتتنهي فقاعة “الجناح الديمقراطية في السلطة” ليستوي الجيش منفردا على كرسي سلطته، ويقبع غالبية قيادات الإخوان في السجون، وتنتهي أحزاب ما بعد الثورة كلها عمليا، وتنتهي أيضا حركات ما قبل وما بعدها الشبابيةُ عمليا.

ويبدو أن استيعاب ما حدث يتم، ولكن ببطء شديد، الإخوان يكتشفون ببطء، أن مشكلتهم مع الانقلاب العسكري، هو وقوف غالبية الناس معه، وليس ضده، ويكتشف العلمانيون ببطء ماهية ما اعتبره الكثيرون منهم في البداية “موجة ثورية ثانية”، ولم تكن سوى انقلاب عسكري مدعوم شعبيا، كما يدركون الثمن الحقيقي لرغبتهم في إقصاء الإخوان بشكل كامل، الثمن الذي لم يكن أقل من تقويض كامل المجال السياسي، وقتل أي مساحة حركة اكتسبها الناس سواء في عهد مبارك أو بعد تنحيه، والتنازل عن أي “حقوق” مكتسبة بخصوص عنف الداخلية.

لقد انتهى عالم ما قبل 30\6، بمعنى انتهاء القدرة على استعادته، ببساطة، أي ثورة قادمة، هي ثورة جديدة، وليست “استعادة للشرعية” أو “إحياء للثورة”، أي شيء سيحدث هو شيء جديد تماما، لا يربطه بما سبقه سوى قدرتنا على التعلم مما حدث، “لسنا استثناء تاريخيا”، وحين نفقد القدرة على الإجابة، سيبدأ الآخرون في ذلك، الآخرون الذين ظننا أننا صببنا عليهم لعنة إلهية في الثورة، وظننا ذلك كافٍ جدا.

إعادة اختراع الأشياء:

يبدو مثيرا للسخرية المريرة أيضا، أننا ظللنا بعد الثورة نستشهد بالمقولة اللينينة عن أن “القديم ينهار، والجديد لم يولد بعد”، لنرى بعد ذلك أن القديم يصحو كزومبي ظننا أننا قتلناه بخمسين رصاصة، فإذا أشلاؤه ينضم بعضها إلى بعض، وإذا يداه تبدآن بالتحرك، يحاول النهوض على قدميه ويفشل، ثم يحاول وينجح، ثم يخطو إلى الجديد في مهده، ويخنقه تماما، القديم استعاد الحياة، والجديد مات في مهده.

المؤسف الحقيقي، أننا بعد زهو الانتصارات الأولى، وبعد كل هذه التضحيات، نجد أنفسنا ننزلق ببطء وتدرج تجاه أول الطريق مرة أخرى، جماعات إسلامية مسلحة، سيتم هزيمتها عسكريا، ليتبقى فئات إسلامية أكثر مدينية وأقل عنفا، تبدأ مع الوقت بإجراء تراجعات على أفكارها وتشارك بالوقت في بناء تواطؤ عام، على عدم اختيار مدى جدية إجاباتها الخاصة بخصوص الشريعة والإسلام والديمقراطية، ولتبدأ كتلة أخرى من العلمانيين بإجراء نفس التراجع، البدء مرة أخرى بالتمييز بين الإسلاميين بعضهم وبعض، عدم جواز وضع الإسلاميين كلهم في سلة واحدة، لنصل في النهاية إلى ما كان بالنسبة لـ”جيل الثورة”، هو أصلا بداية كل شيء، لا أظن أنه قد يكون من المقبول مرة أخرى أن تتصدر تيارات واسعة للمعارضة، بدون أن تمتلك أي برامج ملموسة، وتصورات شبه واضحة عن انحيازاتها السياسية، وفي نفس الوقت يتم التواطؤ على عدم مساءلتها عمّا تريده تحديدا، المشكلة الحقيقية أيضا أن هذا أصلا، لم يعد ممكنا مرة أخرى.

لماذا لم نعد نمتلك حلولا؟:

لماذا لم تنجح المظاهرات الضخمة ما بعد مذبحة فض رابعة، في إسقاط النظام، أو خلخلته؟ لماذا استمر حكم بهذا الطغيان والقمع المجنون؟ ببساطة، لأنه لم تعد هناك قدرة ولو على مجرد “ادعاء تمثيل الشعب”، كان الإخوان مدركين أنهم يواجهون “الشعب الآخر”، وبهذا لم ينضم لهم أي أحد من هذا “الشعب الآخر” خشية انتقام الإخوان حين تمكنهم، لم يسقط الحكم العسكري، لأن كتلا ضخمة من الشعب ومن الفاعلين السياسيين، كانت ترى خطره أفضل من خطر سقوطه.

وإن كان التساؤل: لماذا لم يعد بوسع الفاعلين السياسيين الذين مازالوا على خياراتهم القديمة بتأييد ثورة يناير اقتراح “حلول توافقية وديمقراطية”؟

ببساطة؛ لأننا الآن نعلم عدم فاعلية أو واقعية “الحل الديمقراطي”، لا نملك أن نراهن_أو نصدق قلبيا_ على “ديمقراطية” أي طرف من الأطراف السياسية، لا يمكننا الرهان على الإخوان، كفصيل أكبر داخل الحركة الإسلامية يمكنه ترويض التيارات الأكثر عنفا، لم يفعل الإخوان بعد الثورة، إلا العكس، لقد روضتهم القوى الأكثر يمينية لصالحها، وليس العكس، والآن جذّر الانقلاب العسكري بعد المذابح التي قام بها، جذّر أ كثر نزعة العنف والانتقام، وعليه، نحن نعلم الآن أن “الانتخابات” ليست حلا، ولأن هناك وزير دفاع استطاع بعد مظاهرات ضخمة، أن يطرد رئيسا منتخبا من السلطة، ويعتقله، دون أن يلاقي ذلك غضبا شعبيا كبيرا، وبتواطؤ واشتراك واسع من القوى العلمانية، وهو ما سيجعل الإخوان يطردون فكرة “حل الانتخابات” هذا للأبد، ا إلا إذا كان حلاً شكليا، كما طردتها قبلهم التيارات المشاركة في الانقلاب، إلا شكليا كذلك.

والآن نجد أنفسنا بصراحة ووضوح، أمام أسئلة شديدة التعقيد تبدو أكبر من قدرتنا الحالية على الإجابة: ما هو الحل إذا لم يكن ديمقراطيا؟ كيف يمكن مواجهة حكم عسكري مجنون له قاعدة شعبية كبيرة؟ كيف يمكن للحل أن يكون ديمقراطيا أصلا في حالة حدوث حراك شعبي واسع يضع السلطة بين قوسين، أو يلقيها إلى الشارع، ماذا يمكننا أن نقترح حينها؟ هل يتخيل أحد إمكانية عودة جماعة الإخوان بشكلها الحالي، إلى الساحة السياسية مرة أخرى؟ لماذا لم تحدث انشقاقات واسعة داخل الحركة، لإكسابها مرونة أكبر في وجه الضربة الأمنية؟ ماذا يقترح الإسلاميون؟ ماذا يقترح من صمد من المدافعين عن حقوق الإنسان؟ هل عند أي أحد أي حلول؟

 


 

[1] مقطع ياسر برهامي في شرحه لما أنجزه حزب النور في دستور 2012

 


 لقراءة التقرير بصيغة PDF

اضغط هنا للتحميل