- منتدى العلاقات العربية والدولية - http://fairforum.org -

الخوف من المُقدّس أو كراهية الإسلام عربيًّا!

الكاتب حماه الله ولد السالم بتاريخ 13 مايو,2018 @ 8:48 م بقسم | لايوجد تعليقات

منذ انتصاف القرن الماضي، صار التبرؤ من الدين والتدين موضة عربية بامتياز في الإبداع والأكاديميا. وكانت للمثقفين والمفكرين في ذلك فنون ومذاهب مرجعها التفكير من خارج الحضارة العربية الإسلامية، من خلال أطر غربية وبمقاييس ومناهج مستوردة.

وما يزال بعضهم يجهد قلمه وذهنه في مقاربات وهمية زائفة عن الدين والقومية والدين والدولة والدين والسياسية، ويستعيد تلقائيًّا أو بصورة غير مباشرة الجدل الأوروبي حول تلك السياقات، في غربة حقيقية عن الواقع، تاريخيًّا وفكريًّا.

كان ذلك هو القاعدة، وتمت المطابقة بين التاريخ الإسلامي والتجربة الأوروبية، وظل الشغل الشاغل للنخب العربية تطبيق التجربة الغربية بحذافيرها، بغض النظر عن طريقة التعبير لغويًّا ومنهجيًّا.

كان ذلك جزءًا من الاستلاب، وهو انحراف معرفي ومنهجي يمكن مقاربته، لكنه لم يلبث أن صار جزءًا من الموقف الرسمي من الدين والمتدينين.

لقد رفضت الدولة العربية التسلطية الإسلام السياسي منذ البداية، ليس لسبب موضوعي أو تحديثي، بل لأنه يشكّل كيانًا موازيًا يعارض الكيان الرسمي وينافسه في المجال العام، وهو ما ترفضه الدولة عمومًا. لكن درجة الرفض كانت عربيًّا أكثر عنفًا، بحكم الطابع السلطوي العربي المهيمن على الدولة، ولأن الإسلام السياسي صار البديل تقريبًا عن فشل الإسلام الرسمي الذي فشل لأنه جزء من الدولة الفاشلة أصلًا. ثم أصبحت حدة المواجهة أكثر صدامًا ودموية، تبعًا لدرجة المنافسة للسلطة وتعرية فسادها، وحشرها في الزاوية محليًّا ودوليًّا، في ظل التطورات المتعلقة بالضغوط الدولية في مسائل من قبيل الإرهاب.

ظل المثقفون العرب يسترجعون المقولات التنويرية الأوروبية عن المُقدّس والمدنس والخوف من سلطة رجال الدين، وينخرطون في جدال عقيم عن ضرورة تحجيم الدين أو الفصل النهائي بين السياسي والديني، بل يصل بعضهم إلى ضرورة إقصاء الدين من الحيز العام. واعتقد بعض دعاة الحداثة من هؤلاء أن ضخ المُنتج الحداثي الاستهلاكي في الحياة العامة كفيل بتحجيم دور الدين في حياة العامة، وكأن ذلك ممكن أو حاجة حقيقية، فطفقوا يحرضون على مظاهر التدين العادي سخرية ورفضًا، ثم تحول ذلك إلى كراهية شديدة لكل ما هو إسلامي ومقدس.

في سياق ما بعد الربيع العربي، نشطت حملة مسعورة على الإخوان المسلمين، لكنها تحولت تلقائيًّا إلى حملة على الدين نفسه. صار الدفاع عن انقلاب السيسي يستلزم تلقائيًّا الهجوم على الإخوان المسلمين، ثم تطور إلى الهجوم على الإسلام السياسي، أي على كل خطاب يعارض السلطة من مرجعية دينية. وكاد الأمر أحيانًا يصل إلى التحريض على الدين نفسه بوصفه سبب البلاء ورأس الداء، وتم الإلحاح على الصبغة الشخصية للتدين وأنه يجب ألا يتجاوز تلك الحدود، ولا مكان له في الحياة العامة ولا بين الجماعة، بل وصل الأمر إلى كره كل ما هو ديني، وصارت محاربة أي ممارسة دينية “جماعية” أو تذكّر بالإسلام السياسي مكروهة ومرفوضة ومدانة.

شيئًا فشيئًا وجد بعض المتطرفين من الحداثيين في ذلك اللحظة المناسبة لتصفية الحساب، ليس مع الإخوان في مصر أو السلفية في السعودية، بل مع الدين نفسه، والمجاهرة بما لم يكن في إمكانهم المجاهرة به أصلًا من كراهية الدين والتبرم من أوامره، والمناداة بضرورة إخراجه من أي فعل سياسي ومؤسسي وتربوي ومجتمعي، تحت شعار الحداثة والتحديث والتقدم والحرية.

يقينًا ليس في الإسلام كهنوت، أي وسيط بين العباد وربهم، ولا سلطان على ضمير المسلم إلا قناعاته، ولكن الدين في أي مجال تاريخي هو مقدس ينطق به الرجال، ومؤسسات، ويتفاعل مع المصالح والمفاسد، أي مع المبتذل اليومي. ومن هنا يجب تدبير الحقل الديني كأي حقل آخر انطلاقًا من مصالح الدولة وحقوق الجماعة وحرية الفرد، بتوازن وعقلانية ومنطق، وهو ما لا يمكن القيام به في ظل حلة الشحن العاطفي ضد الدين ومعه، أو في ظل حالة اختطاف الدين بوصفه حقل علاقات القوة التي يريد كل طرف الحصول عليها، للوصول إلى السلطة أو تحقيق سبق على خصمه، في ظل فشل السياسة والتنافس الدنيوي النسبي والإجرائي نتيجة الممارسات السلطوية الفاشلة والظالمة التي صادرت الملعب من أساسه، فأصبح على اللاعبين ممارسة اللعبة السياسية، كل على طريقته، في الأزقة والحواري أو تحت الأرض في المدى الأقصى، أو “استغلال المُقدّس” لإبلاغ الرأي في الشأن العام.

لقد أصبح كره المُقدّس، لدى بعض النخب العربية، حالة مشهودة في الخطاب الحداثي والسياسي والإعلامي العربي ما بعد الربيع، وبصورة مقززة يختلط فيها شتم الخصوم الإسلاميين بشتم الدين ذاته، والتطاول على الذات الإلهية والأنبياء والعلماء، في تناقض غريب بين وصف الإخوان بأنهم لا يمثلون الإسلام وبأنهم خوارج العصر، ثم ربط كل ما هو إسلامي بهم، وتحميلهم مسؤولية الفشل الذي أصاب الأمة.

الحملة على المُقدّس اليوم، وبصور مختلفة، هي جزء من حملة التضليل التي تمارسها الأنظمة للتخلص من عبء فشلها في التنمية والحقوق العامة، وهو نزر من فشل النخب الحداثية العربية في فهم الدين من أساسه، ثم في إدراك جذور الأزمة بوصفها نتاج تغول الدولة وفشلها وظلمها الجماعة المسلمة، وتسلطها على كل شيء وانتزاعها مؤسسات المجتمع كرهًا وإفراغها من أي معنى، ما جعل الدين حقلًا مفتوحًا للممارسات القلقة بحسن نية أو بسوئها.

لم يلتفت هؤلاء إلى أن عناصر الأزمة ليست في الإخوان ولا في غيرهم، بل هي أن الدين فقد أي دور جدي ومتوازن في المجتمعات العربية؛ بسبب الأزمة العميقة الناتجة عن عنف الدولة المستبدة وتسلطها وفشلها، فلم يعد للتقليد الفقهي الإسلامي دور مؤسسي حقيقي، مع تقادم أدواته وانتزاع صلاحياته، ولم تقم الدولة الحديثة بترك هامش مجتمعي للدين خارج حالة الاستقطاب السياسي، وتم تأميم الأوقاف وهي حنفية المؤسسات الدينية الأهلية، ما جعلها تفقد مصداقيتها، فملأت الحركات الإسلامية فضاء الطلب على الخطاب الديني الهوياتي، في ظل انهيار مفهوم الأمة وتصدع الجماعة.

ذلك أن النظام الاستبدادي العربي، ولا سيما بعد موجة عسكرة الدولة العربية المعاصرة، هو الذي شوه العناصر الأولية المفيدة التي ظهرت بعد الخمسينيات في جل الأقطار العربية، والتي كانت فيها عناصر عقلانية ومؤسسية حديثة، في ظل ما يسمى “اللحظة الليبرالية العربية” وفي ظل تلك اللحظة الخاطفة، كان الدين حقلًا أقل توترًا وأبعد من التجيير السياسي الرسمي والحركي.

في بداية حركة الإخوان، وفي عهد مؤسسها البنا، لم يطرح موضوع الصدام بين الدين والدولة بإلحاح، ولم يكن العنصر الديني الدعوي في جمعية الإخوان مريبًا للدولة المصرية وقتها، بقدر ما كانت هناك عناصر أخرى سياسية واجتماعية.

مباشرة بعد صعود العسكر في مصر وفي غيرها من الأقطار، تغولت الدولة الحديثة ونبتت لها أنياب وأظافر واستولت على كل شيء. أقصت العلماء من أي دور مجتمعي ومؤسسي حتى في الحقل الديني، بل تحولت المؤسسة الدينية إلى جزء من القطاع العام بفشله وتسلطه وسيئاته، وهو ما شمل كل القطاعات الأخرى، ليجد المجتمع المسلم نفسه في حالة تيه حقيقي، يفقد هويته شيئًا فشيئًا، ولم يعد يمتلك مرجعية حقيقية، فطارت شعاعًا عناصر الإجماع التاريخي الذي كان سائدًا في البلاد الإسلامية قبل الاستعمار، رغم الانقسام السياسي. وزاد الطين بلة مصادرة دولة العسكر المجال السياسي برمته، كما صادرت كل شيء، فلم يبق أمام القوى الأهلية والوطنية إلا “المُقدّس” لتمارس من خلاله رؤيتها لتدبير الشأن العام، ولمواجهة التسلط والاستبداد في الآن نفسه.

على النخب العربية أن تميز بين المقدس والمدنس، وبين الإسلام وأهله، وأن تنظر إلى موقع الدين في المجتمع من منظور معرفي وإنساني غير سياسوي، وأن تأخذ مسافة موضوعية من إسلام الدولة وإسلام الجماعة معًا. وإلا فإن الحملة على الإسلام وعلى المُقدّس عمومًا، بمختلف أشكالها ودوافعها، ستنتج تلقائيًّا موجة جدية من رد الفعل أكثر عنفًا، أو تنتج مزيدًا في الفشل العام والضرر البليغ على الدين ودوره في حياة الناس.

وفي حال استمرت هذه الحملة الظالمة على الدين، مهما كانت مواقع المتصارعين، فسيجد العرب أنفسهم في نهاية المطاف فاقدين عروبتهم ودينهم معًا.

 


المقال مطبوع من منتدى العلاقات العربية والدولية: http://fairforum.org

رابط المقال:

Copyright © 2014 wordpress. All rights reserved.