الدين العاقل عند المفكر الألماني، وعالم الاجتماع “يورغين هابرماز”


كثيرا ما أثير موضوع الصلة بين الدين والعقل، وقد حفل تاريخ الأديان السماوية بذلك، سواء أكان الأمر خاصا بالتوفيق بينهما، أم بالتعارض. ويرى المؤمنون بعقيدة أنهم، دون سواهم، الأقرب إلى العقلانية، فيما أصحاب العقائد الأخرى هم الأبعد، فيوصمون بالضلال والمروق عن الحق، وهذا من نتاج التحيزات العمياء، وغياب الرؤية النقدية-التاريخية للظاهرة الدينية. ومن الغريب أنه كلما توهمنا بأن المسار الإنساني ينبغي أن يكون صاعدا لا يعود لمناقشة قضايا مرّ بها قبل قرون وقرون فإذا به ينعطف إلى الوراء، ويعيد تكرار القضايا ذاتها التي أثيرت قبل ألف سنة.

المستقبل للدين العاقل

مرت التجربة الدينية عبر التاريخ بمراحل كثيرة تكوينا وتفسيرا وتأويلا، فتعاقبت الديانات، وتعاقبت تفسيراتها، وفي كل عصر يهيمن نسق من أنساق التفسير والتأويل، وكلما كانت التجربة الدينية موضوعا للتحليل والاستنطاق فتحت الآفاق أمام تأويلات جديدة، والنصوص الدينية ثرية بالإيحاءات، وتمنح مشروعية لكثير من التفسيرات إلى درجة ذهب فيها كثير من المفكرين إلى أن التجربة الدينية لها القدرة على مواكبة التطورات الاجتماعية إذا فتحت آفاق التفسير أمامها، ولم تحجز خلف تفسير ضيق ومغلق. وهذا الأمر هو الذي جعلها موضوعا جاذبا لاهتمام الفلاسفة، والمفكرين، وعلماء الاجتماع والنفس والتاريخ والانثربولوجيا، وسواهم، ولعلّ آخر من أدلى برأيه في هذا الموضوع، المفكر الألماني، وعالم الاجتماع “يورغين هابرماز” الذي أكد أن “المستقبل للدين العاقل” ففي مجتمع حديث، قطع الصلة مع الأساطير، واللاهوت، أو هو في طريقه لقطعها، لن يبقى من الدين غير صفة “العاقل” أي الدين المجرد عن الأطر الخرافية، والأيديولوجية، وكل صيغ العنف المذهبي، وينبغي عليه ألا يدفع بالمنتمين إليه، والمؤمنين به لاقتراف أعمال عدوانية ضد الآخر، كما يقع اليوم في كثير من بقاع العالم.

ضرورة الحوار الحقيقي

يرى هابرماز أن تلك الفكرة يفرضها عالم متداخل من الديانات التي صار الحوار الحقيقي بينها ضرورة لا مهرب منها، وكل فرد ينتمي إلى دين ما ينبغي عليه أن يأخذ بالحسبان أنه عنصر في عالم متعدد من الثقافات والديانات والأعراق، والتخلي الكلي عن التفكير بمنتصر أو غالب، وعلى الوعي الديني أن” يعالج أولًا: اللقاء المختلف معرفيًا مع مذاهب أخرى، وأديان أخرى. ويجب عليه ثانيًا: أن يقبل سلطة العلوم التي تمتلك في مجتمع اليوم حق احتكار معرفة العالم. ويجب عليه أخيرًا: أن يتقبل المقدمات المنطقية الخاصة بالدولة الدستورية، وهي مقدمات تنبثق من أخلاق غير دينية “وإذا تنكر الوعي الديني لحالة التأمل العقلي، فسوف تفجر الأديان التوحيدية طاقة هدامة في مجتمعات حديثة”. والمعنى الذي يقصده هابرماز بـ”الدفع التأملي”هو” التأمل، والتفكر، والتدبر، والنقد المزدوج”.

ضرورة نقد الظاهرة الدينية

انتظم نقد هابرماز في الإطار العام الذي استحدثته”النظرية النقدية” التي وضعت في اعتبارها نقد الميتافيزيقا الغربية، ومحاولة إعطاء بُعد اجتماعي للممارسة العقلانية بعيداً عن الاختزال الذي مارسته الفلسفة والدين من قبل، ومن أهم الركائز التي استندت إليها النظرية النقدية: منظورها النقدي للظواهر الفكرية والاجتماعية، بما في ذلك الظاهرة الدينية، وذلك لا يمكن تحقيقه إلاّ بالانفصال الرمزي عن تلك الظواهر، ووضع مسافة تمكّن المنظور النقدي من ممارسة فعاليته، مطوراً موقفاً مختلفاً، يرتب العلاقات بين الظواهر المدروسة بمعزل عن الخضوع والسيطرة التي تمارسها تلك الظواهر. وعلى هذا فإن أولى مظاهر الاشتغال النقدي في هذه النظرية تشكلت في الأساس من خلال نقد المتون الفلسفية الكبرى في تاريخ الثقافة الغربية، وإبراز التناقضات الكامنة فيها، واستنطاق الأبعاد التي ترمي إليها. وأفضى ذلك العمل إلى العثور على بؤر تمركز حول موضوعات معينة، واستقطابات متكتّلة، تمارس نفوذاً في سياق التفكير العقلاني منذ “عصر الأنوار” إلى الآن، ولعل أبرز ما وقفت عليه النظرية النقدية، هو نسق التأمل الذاتي الميتافيزيقي الذي يستأثر بمكانة مهمة في الفلسفة الغربية التي تستند في بعض ركائزها إلى الدين. وطرحت هدفها النقدي; وهو تصفية هذا الضرب من التفكير، لأنه الأساس الضمني لمفهوم الحرية الذي ما هو إلاّ تعبير عن التمركز الذاتي، وقاد هذا إلى نقد العقل وممارساته. باعتبار أنه أداة خاضعة لصيرورة التاريخ وتحولاته، وليس له قوة تعالٍ مطلقة ومجردة.

ومع نقد الميتافيزيقيا الدينية قدمت النظرية النقدية تحليلاً نقديا للفلسفة الوضعية، واعتبرتها فلسفة علم قاصرة ومضللة، وعاجزة عن فهم الحياة الاجتماعية، وأنها فلسفة متواطئة مع السلطات التي تمارس قهراً للإنسان باعتبار أنها فلسفة الاتجاهات السياسية المحافظة، وأخيراً اعتبروا الوضعية عنصراً مساعداً في خلق أشكال جديدة من التسلّط يمكن تسميته بـ«التسلّط التكنوقراطي». فالمفهوم الجديد للسلطة لم يعد ممارسة محتكرة من طبقة معينة، إنما هو تسلّط يتم من خلال قوة لا شخصية هي”التكنولوجيا”.

دعوة هابرماز إلى”الدين العاقل” بالفكر الديني ليكون جزءا من حركة التحليل العقلي، لأن الظاهرة الدينية أصبحت حاضرة بقوة في نزاعات العالم المعاصر، وأصبح الهروب من تحليلها، وإعادة تأويلها هروبا من ممارسة الدور الحقيقي للمثقف.