الشيعة ونظرية الحق الإلهي: الطائفة كحزب سياسي


 معظم الجدال بين السنة والشيعة كان الذي يمثل السنة فيه هم “المتغلّبة” الذين يؤمنون بقدسية التراث السياسي السني ويلوون أعناق النصوص لتبرير مظالم بني أمية وبني العباس.

اليوم شريحة واسعة من السنة ترفض الاستبداد والفقه السياسي الذي نتج عنه. وتؤمن بأن النظرية السياسية في الإسلام هي نظرية الاختيار البشري المحض. وترفض تسويغ الظلم وتعليق هذه النظرية وبقاءها كنظرية مثالية بعيدة عن الواقع.

يعلم الجميع أن النظرية السياسية لدى الشيعة هي نظرية الحق الإلهي أو التفويض الإلهي الذي اختص به آل هاشم. والإمام في هذه الحالة هو المرشد الأعلى كونه معصوما. هذه النظرية نشأت على عدة أطوار بعد الخلاف حول من يخلف الرسول، فاستأثرت قريش بالحكم دون الأنصار ثم أقصي بنو هاشم حتى لا تجتمع فيهم النبوة والخلافة، ثم استفرد بنو أمية بالحكم دون بقية قريش حتى عاد العباسيون (أحد فروع بني هاشم) واستعادوا الحكم، فضعفت خلافتهم بعد ذلك واستولى عليها العسكر الأتراك ثم البويهيون الشيعة. ولم تغب قريش عن الحكم وحسب، بل غاب معها العرب ما يقارب ألف سنة!.

إذن بدأ التشيع كحزب سياسي مؤيد لجناح ضد آخر، ثم تحول إلى مدرسة فقهية بعيدة عن مدرسة السلطة الرسمية، إلى أن تحول إلى عقيدة خاصة جعلت الإيمان بالإمامة والعصمة شرطا لصحة الإسلام، إذ تجلت هذه العقيدة بنظرية الحق الإلهي التي تكون الدولة فيها دولة ثيوقراطية يحكمها رئيس مقدّس. إلا أن هذه النظرية وقعت في عدة مآزق أولها الخلاف بين أركان البيت العلوي: الحسني والحسيني؛ فيقول عبدالله بن الحسن المثنى مستنكرا: “كيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن؟ هما في الفضل سواء، إلا أن للحسن فضلا بالكبر” ويقول الصادق في الكافي: “وإن بني الحسن يعرفون هذا كما يعرفون الليل أنه ليل والنهار أنه نهار.. ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار” المأزق الآخر لنظرية الحق الإلهي هو موت الإمام المعصوم وهو لم يحكم بعد! ثم تبعه مأزق خلافته، ومع موت كل إمام تنشطر المدرسة الشيعية وتظهر فرقة جديدة تحمل اسم إمامها الخاص. حتى جاء المأزق الأخير وهو عدم وجود إمام نهائيا. فتحولت إلى عقيدة الانتظار والتي لم تلبِّ حاجات الواقع فظهرت الدعوات المختلفة لنيابة الإمام الغائب في الصدقات والأخماس والزكاة والقضاء وغيرها، ونجح الخميني في بلورة نظام “ولاية الفقيه” الذي يقوم على إرث من تلك الدعوات الملحة من قبل الفقهاء سابقا. وظهرت كذلك نظرية “ولاية الفقهاء” للمدرسة الشيرازية ردا على استبداد الفقيه، وبلور الفقيه محمد مهدي شمس الدين نظرية “ولاية الأمة على نفسها” إلا أنها لم تلق آذانا صاغية. بعيدا عن الجدل السني الشيعي وبعيدا عن حاجات الواقع الملحة وبعيدا عن الحداثة السياسية؛ نرى جميعا كيف تبلورت نظرية الحق الإلهي، وكيف ناقضت نفسها بنفسها حتى إن مرجعا شيعيا مهما وهو الشافي في الإمامة للشريف المرتضى  ذكر أن عليا رفض استخلاف ابنه الحسن حيث قال: “لا، إنا دخلنا على رسول الله فقلنا: استخلف، فقال: لا، أخاف أن تفرّقوا عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم”. وفضلا عن نقض هذه النظرية نفسها بنفسها رأينا حجم الاضطراب والارتباك الذي يحدث لها بعد كل موقف. هذا باختصار هو المشروع السياسي الرسمي للشيعة!.

هناك من تجاوز هذا المشروع ولم يعد يؤمن بالدولة الثيوقراطية التي يحكمها حاكم مقدّس، وآثر تجاوزها للعلمانية وغيرها، لكن لم يشهر موت هذه النظرية! هناك أشياء غير مفهومة ولا تستدعي كل هذا الانكفاء، الفقيه محمد حسين فضل الله أعلن صراحة بأن الإيمان بالولاية ليس شرطا لصحة الإسلام. لكن عدم تبني ذلك من قبل شريحة واسعة من مثقفي الطائفة يعني أن الإيمان بقواعد اللعبة الطائفية مازال قائما، وكذا تفضيل التعامل بالطائفة كطائفة سياسية، وإعاقة اندماجها في مجموع الأمة.