العالم العربي بين ثلاثة خيارات


في البدء كان محور الاعتدال والصمود

قبل ربيع الشعوب العربية كانت خارطة الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام دول العالم العربي محدودة، فمن جهة كان هناك محوران يتصارعان النفوذ الإقليمي في المنطقة: محور الاعتدال ومحور الصمود، وكانت الجهة الرمادية ممثلة بدول وسطية تقوم بدور تيسير توافقات الحد الأدنى، أو في أكثر الأحيان دور المصالحة والوساطة، ولم يكن موضوع الديمقراطية والتحول السياسي ليشغل أجندة المحورين، ولا حتى الدول التي كانت تفضل الاشتغال في المنطقة الرمادية، وإنما كان الموضوع الرئيس هو مسلسل التسوية والأمن الإقليمي والتمدد الاستراتيجي الإيراني.

تحولات في الرهانات الاستراتيجية

لكن مع ربيع الشعوب العربية عرفت المنطقة العربية تحولات مفصلية في الرهانات السياسية والاستراتيجية، إذ برز إلى الأفق رهانان استراتيجيان يتعلق الأول بقضية الدمقرطة والتحول السياسي في المنطقة العربية، والثاني بقضية التعاطي مع الملف النووي الإيراني، إذ كان لهذين الموضوعين أثر كبير في إعادة رسم الأدوار، وتغيير الاصطفافات، بل وأيضا تقييم الرهانات الاستراتيجية في ضوء خارطة المتغيرات الجديدة.

والواقع أن هذين الموضوعين ليسا جديدين أو طارئين على مسرح السياسة والاستراتيجية، فقد طرح موضوع التحول السياسي العالم العربي مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبالتحديد مع المبادرة الأمريكية لنشر الديمقراطية في العالم العربي التي انطلقت سنة 2002، لكن معضلة التعاطي مع الإسلاميين ومعضلة الأمن الإقليمي جعلت الفاعل الغربي- تحديدا الأمريكي والأوربي- يرجح الخيار العملي البراغماتي على الخيار الاستراتيجي، أي يرجح التعامل مع الأنظمة القائمة بدل التفكير في خيارات التعاطي مع الإسلاميين داخل مربع الحكم، خصوصا وأن فوز حماس في غزة سنة 2006 والفوز الذي حققته جماعة الإخوان في مصر سنة 2005 عزز المخاوف أكثر، وجعل مطلب الأمن لدى الفاعل السياسي الأجنبي ينتصر على مطلب الديمقراطية. في حين، أن الأوراق التي كانت بيد إيران لفرض الحوار في الملف النووي كانت محدودة على الأقل في نظر الغرب، إذ لم تكن إيران تملك سوى ورقة المقاومة، وورقة نفوذها في العراق، بالإضافة إلى تحالفها مع سوريا، وهو ما جعل الفاعل الأجنبي، يصر على خيار ممارسة الضغوط وتشديد الحصار لإجبارها على التخلي عن مشروعها النووي أو تخفيض معدلات تخصيب اليورانيوم إلى المستويات التي لا تمثل تهديدا للأمن الإسرائيلي والخليجي على السواء.

تشكل محور دعم التحول في مقابل محور المحافظة على النظم التقليدية

لكن، مع الربيع العربي، دخلت هاتان القضيتان إلى المربع الذي تتفاعل فيه الرهانات الاستراتيجية، وأحدثت تحولا مفصليا في المحاور، إذ لم يعد الحديث عن محور الصمود في مقابل الاعتدال، وإنما تشكل محوران اثنان أفرزهما الصراع حول الرؤية العربية للتحول السياسي في المنطقة مع تشكل منطقة رمادية أخرى تملأ مساحتها دول عربية تنوعت خياراتها خارج خيارات المحورين المتشكلين، كما وقع تحول مفصلي في الرهانات الاستراتيجية لكل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وذلك في ضوء رؤيتها وتقديرها الاستراتيجي لقضية التحول السياسي في العالم العربي ودور الإسلاميين فيه ومستقبل ذلك على منظومة الأمن في المنطقة، وبالتحديد الأمن الإسرائيلي.

تقف بعض الدول اليوم إلى جانب تركيا والدول التي تخوض تجربة ترتيب مسارها الانتقالي نحو الديمقراطية في المحور المناصر للدمقرطة والتحول السياسي في العالم العربي مع تبانيات مهمة في بعض تفاصيل هذه الرهانات، في حين تحاول أخرى وقوفًا إلى جانب مصر المحافظة على النظم التقليدية أو محاولة إعادة إنتاجها، مستثمرة في ذلك مساحة كبيرة من التقاطعات الاستراتيجية مع الفاعل الغربي لاسيما في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب ومخاطر انفلات الوضع في مصر وتحديدا في صحراء سيناء.

في حين اختارت بعض الدول العربية الاستمرار في نفس المنطقة الرمادية لكن بأدوار مختلفة، فالجزائر المهجوسة برهان ترتيب السلطة والانفلات من رياح التحول السياسي التي ضربت المنطقة العربية، قلصت كثيرا من المعجم الذي استلهمته من محور الصمود، وصارت أقرب إلى منطق عدم الانحياز، مثلها في ذلك مثل بعض الدول الخليجية التي نأت بنفسها عن الاصطفاف (نموذج عمان)، بينما اختار المغرب مبكرا الخيار الثالث (الإصلاح في إطار الاستقرار) محاولات بذلك شق تجربته الخاصة في التعاطي مع قضية التحول السياسي، بينما لم تنجح الأردن إلى الآن في إقرار إصلاحات ترشحها لتمثل نموذجا آخر لهذا الخيار.

بؤر توتر المحورين

البؤرة اليوم توجد بالتحديد في منطقتين:

1- منطقة دول الربيع العربي: والتي تعيش ثلاث مستويات من الصراع والتدافع على ترتيب السلطة: مسار التوافق والشراكة الذي يمثله تونس بشكل واضح، واليمن مع تعثر في المسار بسبب التعقيدات التقليدية المطروحة (التحدي الأمني، التعاطي مع الملف الحوثي، وتحدي إعادة توزيع مراكز السلطة)، ومسار الانقلاب على الشرعية الانتخابية الذي شهدته مصر في 3 يوليو 2013، والذي حاول أن يتمدد ويتعمم في ليبيا مع ما في هذه الحالة من تعقيدات وتباين عن الحالة المصرية، وحالة الخيار الثالث (الإصلاح في إطار الاستقرار) الذي اختاره المغرب، وحاولت الأردن الالتحاق به دون أن تقدم على إصلاحات دستورية وسياسية مقنعة.

2- دول التوتر الاستراتيجي: والتي تشمل مصر وسوريا والعراق، إذ تتزكى الخلافات في الرهانات الاستراتيجية بشكل أساسي على قاعدة موضوع توازنات الأمن الإقليمي أكثر من قاعدة التحول الديمقراطي، وإن كانت حالة مصر مختلفة عن حالة سوريا والعراق إذ يجتمع فيها الموضوعان معا: الأمن إلى جانب التحول السياسي، ويوحدهما شكل التعاطي مع الإسلاميين الذين صاروا يمثلون لدى الفاعل الأجنبي تهديدا أمنيا بالإضافة إلى التهديد السياسي.

اللافت للانتباه في الأدوار والرهانات الاستراتيجية، أن الولايات المتحدة الأمريكية غيرت استراتيجيتها في المنطقة العربية في ثلاثة محاور: الأول؛ في محور دعم التحول السياسي، إذ انحازت إلى المقاربة الأوربية التقليدية، واختارت في نهاية المطاف أطروحة المدى القريب بدل أطروحة المدى البعيد، أي الأمن بدل دعم الديمقراطية مرجحة التعامل ببراغماتية مع الانقلاب على الشرعية الانتخابية في مصر، والثاني في سوريا، إذ ألزمها سؤال وماذا بعد بشار؟ إلى ترجيح الخيار البراغماتي بدل مواجهة التحدي الأمني الذي يطرحه صعود الإسلاميين أو التوجهات الراديكالية إلى السلطة، أما المحور الثالث؛ فهو الخاص بالتعاطي مع الملف النووي، إذ اختارت الولايات المتحدة الأمريكية الحوار مع إيران، ومقايضة تخفيض معدلات تخصيب اليورانيوم بالرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية عنها، وهو الخيار الذي كانت كثير من أروقة مستودعات التفكير الاستراتيجية الأمريكية تحذر من تداعياته الخطيرة على الأمن في المنطقة، وبالتحديد الأمن الإسرائيلي.

أما إيران؛ فقد أبدت غير قليل من التحفظ في مواكبة التحول السياسي في المنطقة العربية، ولم تبد ودا لصعود الإسلاميين في بعض الدول العربية، وكانت الرابح الأكبر من بؤر التوتر التي اندلعت في دول العالم العربي، مستغلة بذلك ورقة الجماعات المسلحة والتكفيريين للحفاظ على مواقعها ونفوذها الاستراتيجي في كل من العراق وسوريا ولبنان، بل وظفت ذلك كله في تقوية موقعها التفاوضي في الملف النووي.

أما تركيا؛ فقد دفعت كلفة خيارها الاستراتيجي لدعم التحول السياسي في العالم العربي بمواجهة العديد من التحديات السياسية الداخلية. ورغم نجاح قيادتها السياسية في انتزاع وتدعيم الشرعية الانتخابية من جديد، إلا أن التحديات التي تواجهها فرضت أن تحدث تكتيكات في موضوع منظومة الأمن الاستراتيجي في المنطقة (تعديل في السياسة التركية اتجاه إسرائيل) لكن من غير تعديل في أدوراها في دعم التحول السياسي في الوطن العربي.

مستقبل التدافع بين المحاور الإقليمية في المنطقة العربية

هذه الأدوار الجديدة التي بررتها مساحة التدافع بين المحورين الجديدين، والتحولات الاستراتيجية التي عرفتها مخرجات الفاعلين الأساسيين في المنطقة، يجعل مستقبل المنطقة رهينا بالسيرورة التي سيأخذها تفاعل هذه الرهانات في الموضوعين المركزيين (منظومة الأمن الإقليمي، والتحول السياسي في العالم العربي)، وهل ستكون فعالية خيار المدى القريب (الأمن) قادرا على الجواب على المعضلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تبرر الحاجة الملحة إلى التحول السياسي في المنطقة العربية.

ففي مصر مثلا؛ ليس المهم اليوم هو النجاح في ترتيب الوضع الانتقالي، والانتهاء من جميع الاستحقاقات الانتخابية، وبناء شرعية جديدة، وإنما المهم هو إلى أي حد يمكن للسلطة الجديدة أن تلبي الانتظارات التي كانت سببا في اندلاع الثورة، كما كانت “حجة” في حراك 30 يوينو؟

أما في ليبيا؛ فإن التحدي يصير أكثر تعقيدا؛ لأن المهم ليس هو هل تستطيع عملية الكرامة التي يقودها حفتر في كسب جزء هام من الاصطفاف السياسي إلى جانبه وتحويل ذريعة محاربة الإرهاب إلى فرض خارطة طريق جديدة غير المسار الانتقالي المتوافق حوله، وإنما المهم هو القدرة على تحقيق الاستقرار بهذا السيناريو علما بأن التحدي الأمني سيتضاعف بشكل أكبر، وسيجد مبررات أوسع لتحويل ليبيا إلى حالة فوضى وحرب أهلية مفتوحة سيكون لها تأثير جد سلبي على الاستقرار في الجوار التونسي والجزائري والمصري أيضا.

معنى ذلك أن الحسم بين الخيارات المتدافعة لن يكون على المدى القريب، وأنه ما لم تتغير الرؤية الناظمة للمحاور المؤطرة للفضاء العربي؛ فإن التدافع سيستمر في مناطق التوتر الأولى – دول الربيع العربي- وأن التفاهمات التي كانت تخفف من حدة التوتر بين محور دعم التحول ومحور دعم الأنظمة التقليدية باتت شبه معدومة، لاسيما بعد تعديل الولايات المتحدة الأمريكية لاستراتيجيتها في سوريا والملف النووي، وبعد الانفراج الكبير في العلاقات السعودية الإيرانية، إذ لم يعد هناك شيء لتمدد الهلال الشيعي بريق يمكن الارتهان إليه كحجة لتعبئة التوافق.

في ظل استمرار نفس الرؤية لدى المحورين، ليس هناك إلا خيار وحيد لإنهاء التوتر، وهو أن يتم التوافق العربي على خيار وسط هو أقرب إلى الخيار الثالث الذي انتهجه المغرب، وذلك بتفعيل المصالحة داخل مصر وليبيا، وذلك بالقبول بالإدماج السياسي للإسلاميين، والقيام بإصلاحات دستورية وسياسية جوهرية، والمضي نحو توسيع هوامش البنية السياسية المغلقة داخل دول الربيع العربي، وتقديم الدعم المالي لهذه الدول حتى تفارق حالة الغليان الشعبي الذي يجعل أي إمكانية للإصلاح تفقد مضمونها وتتعثر في بداية الطريق، بسبب عدم الثقة في المؤسسات السياسية، وعدم وجود أي جاهزية للتضحية الشعبية لبناء توازنات الدولة المفقودة.

الخيار الثالث، وخيار المصالحة وفق أجندة خطوة مهمة في اتجاه الديمقراطية بدل الديمقراطية، يمكن أن يساهم في تجنب التمزق والاضطراب والفوضى والضعف التي سيعيشه العالم العربي في العقد القادم من الزمن.