العدالة في “ومن لم يحكم بما أنزل الله”

29 مايو , 2014


ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” غالبا ما تستدل الجماعات الحركية كالقاعدة و داعش وغيرها بهذه الآية الكريمة كمسوغٍ للتكفير.

لن أقف عند تفسير الآية وأقوال ابن عباس وغيره فيها، والأحوال  والظروف التي تتعطّل بها بعض الأحكام، ومدى قناعة المجتمع إزاء الشريعة، بل سأقف عند إقصاء أبرز مكوّن من مكونات الشريعة، ألا وهو العدل.

فالظلم وهو نقيض العدل عند عامة الفقهاء لا يكفر صاحبه، هذه مسلمة لا جدال فيها عند الجمهور. وإذا ما قارنّا بين مكانة الظلم في المخيلة الشعبية ورفع الحدود على سبيل المثال، فإن رفع الحدود بالتأكيد أشد وقعا على مخيلة المجتمع من مسألة غياب العدالة.

بالتأكيد هناك إرث فقهي متراكم عبر عصور ماضية أحدث خللا في فهم الشريعة، وفي أولويات الشريعة الإسلامية، فكيف إذن حدث هذا الخلل وغابت العدالة من الشريعة وكأنها ليست مما أنزل الله؟!

إذا كان الحكم بغير ما أنزل الله كفرا؛ فلماذا لا يكون الحكم الجائر كفرا بسبب عدم مطابقته  للشريعة؟ وإذا كان الظلم ليس بكفر – كما هو عليه الجمهور- فلماذا يكون عدم تطبيق الحدود كفرا؟ مع أن العدالة مكوّن رئيس من مكونات الشريعة كما ذكرت  غير خاضع للتأويل كما هو حال الحدود التي رفعها عمر بن الخطاب عام الرمادة.

فنحن هنا أمام تساؤل مثير، فإما أن الحكم الجائر وغياب العدالة يعد كفرا لأنه إقصاء لأحد أحكام الشريعة، أو أن رفع الحدود ليس بكفر إذا كان الحكم بالجور ليس كفرا، لأن الشريعة واحدة ولا تجزأ؛ فكيف يكفر بترك بعضها بينما لا يكفر بترك البعض الآخر؟!

هناك من سيقول إن اغتصاب السلطة ليس بكفر لأن مغتصب السلطة مقر بوجوب العدل، ولكنه باستيلائه على السلطة وتمكنه من سحق خصومه تحققت مصلحة عظمى وهي استتباب الأمن. هنا نلحظ أن ثمة مسوغًا لغياب العدالة وتبريرًا لاغتصاب السلطة بحجة استتباب الأمن والذي يعد “المصلحة العظمى”، والعدالة التي تمثل أحد مكونات الشريعة الإسلامية غابت مع وجود هذه “المصلحة العظمى”، فقدمت المصلحة على النص، وهنا نلمس لدى من يتبنى هذا التفسير نفسا مقاصديا؛ وذلك بتقديم المصلحة على النص! المصلحة التي يمثلها الاستيلاء على السلطة – وما يصاحبه من قهر وظلم –  قدّمت على العدالة التي لا تمثل الشريعة وحسب بل تمثل روح الشريعة والمقصد العظيم الذي بعث من أجله الرسل (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).

والطريف في الموضوع أن من يتبنون هذا التفسير المقاصدي  لا يؤمنون بالفقه المقاصدي بشكل عام ونجدهم “نصوصيين” وقّافين عند ظواهر الآيات والأحكام، ليس هذا وحسب؛ بل يكّفرون من يقول بتقديم المصلحة على النص بشكل عام، في الوقت الذي يمارسون المقاصدية بأوضح صورها في السياسة الشرعية عندما يقدمون الواقع (التغلّب) على النص (الشورى).

والأدهى والأمرّ أن من يقوم بالاستيلاء على السلطة مقر بجدوى الجور والقهر ومستحل له ولا يؤمن بجدوى العدل، وعليه يرى أن هديه (=الظلم) أفضل من هدي محمد صلى الله عليه وسلم (=العدل) وهذا بحد ذاته ممارسة جلية للناقض الرابع من نواقض الإسلام. وقد قال ابن الجوزي في هذا السياق إنه “يحسن لهم (يقصد الولاة) العمل برأيهم، فيقطعون من لا يجوز قطعه، ويقتلون من لا يحل قتله، ويوهمهم أن هذه سياسة، وتحت هذا المعنى: أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام، ونحن نتمها بآرائنا”هنا ندرك جليا أن الشريعة الإسلامية تعرضت للتفكيك والفصل بين مكوناتها، وهكذا تباينت أحكام ترك مكوناتها المختلفة. وبلا شك أن هذا التباين يعود في مجمله إلى الممارسة السياسية عبر تاريخ الدولة الإسلامية، فنلحظ الزهد ببعض مكونات الشريعة التي تقف أمام طموح الساسة في الدولة الإسلامية، والذي يقابله تبرير مصلحي فقهي يسوّغ ذلك، فنلحظ تبني الفقه المقاصدي وتقديم المصلحة على النص عند من يكّفرون من يقوم بذلك.