العلاقات المدنية العسكرية في مصر

باحث في العلاقات المدنية العسكرية

21 ديسمبر , 2015 الشرق الأوسط, مصر والسودان


العلاقات المدنية
سلسلة العلاقات المدنية العسكرية:
مدخل لقراءة العلاقات المدنية العسكرية في مصر
تمهيد

احتل ملف العلاقات المدنية العسكرية مكانًا مركزيًا في الحياة السياسية في العالم العربي والإسلامي منذ الانقلاب العسكري الذي شهده العراق في عام 1936 بقيادة الجنرال بكر صدقي، فقد أعقب هذا الانقلاب عددًا من الانقلابات العسكرية الأخرى في العراق وفي شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي، سوريا (1949)، مصر (1952)، إيران (1953)، اليمن (1955)، السودان (1958)، العراق (1936 – 1958 – 1959 – 1963)، تركيا (1960 – 1980 – 1997)، الجزائر (1961 – 1965)، ليبيا (1969)، عمان (1970)، المغرب (1971 – 1972)، موريتانيا (1984) وغيرها من الدول.

بيد أن الملاحظ خلال العشرين عامًا الأخيرة تراجع هذه الظاهرة في العالم العربي، وهو ما أعطى انطباعًا وهميًا بأن زمن الانقلابات قد ولى، خاصة أن البيئة الإقليمية والدولية باتت تجرم الانقلابات العسكرية بشكل أوضح مما سبق، فالاتحاد الأفريقي على سبيل المثال وضع في السنوات الأخيرة قوانين صارمة لردع الانقلابات العسكرية تحظر تعامل الدول الأعضاء مع أي سلطة انقلابية بشكل كامل، وهو ما يفسر موقفه من الانقلاب العسكري الذي وقع في مصر 3 يوليو 2013.

عاد ملف العلاقات المدنية العسكرية على الساحة العربية من جديد بدفع من الثورات العربية، وبات الحديث الأساسي في كل بلدان الربيع العربي منصرفًا حول قضايا مرتبطة بالجيوش والحكم، والمدنيين والعسكريين، ففي مصر تولى الجيش مقاليد السلطة (بطريقة لا تخلو من الالتفاف) عقب ثورة 25 يناير2011، ودشن فترة انتقالية استمرت لأكثر من عام ونصف (متجاوزًا فترة الـ6 أشهر المعلنة في البداية)، اتسمت مواقفه فيها بالمراوغة والمماطلة إلى أن سلّم السلطة للرئيس محمد مرسي (بطريقة لا تخلو من الالتفاف أيضًا)، وصولا إلى ذروة الانفجار في انقلاب عسكري مفاجئ على الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013.

منذ ذلك التاريخ تشهد مصر توابع حالات انشطار متتالية لهذا الانفجار، إلى أن قررت المؤسسة العسكرية الدفع بقائدها رسميًا لمنصب رئيس الجمهورية، في عملية انتخابية شكلية أشبه بمحاولة شرعنة الأمر الواقع منها إلى الانتخابات التنافسية، بما يمثل تدشينًا لبداية ليست بالجديدة في تاريخ المؤسسة العسكرية.. فصل جديد في العلاقات المدنية العسكرية ملخصه أن الجيش صار اللاعب الرئيس في المشهد السياسي، بما يجعل أي محاولة لتفسير ما يجري ضعيفة الفائدة، إذا ما أغفلت ثنائية المدني والعسكري.

كيف نقترب من هذا الملف الشائك ونجيب عن أسئلته المتراكمة؟ كيف نفسر سلوك الجنرالات خلال السنوات الماضية ونتوقع سلوكهم مستقبلاً؟ لماذا لم يترك الجيش الحكم للمدنيين في الفترة الانتقالية كما فعل الجيش التونسي مع ثورة الياسمين؟ لماذا أصر على الحكم في بلد انهار فيه ذراع الأمن الداخلي وهو في أمس الحاجة لعودته لثكناته؟ لماذا ماطل في تسليم السلطة لمدة عام ونصف بدلاً من ستة أشهر؟ لماذا أصر على محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية؟ ولماذا يصر على عدم محاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية حتى بعد التقاعد؟ لماذا يهدد من يقترب من مشروعات الجيش الاقتصادية ويصف ذلك بمفردات “عرقنا” وسنقاتل من يقترب منه؟ لماذا حاول تمرير “وثيقة السلمي”[1]؟ لماذا حل مجلس الشعب؟ لماذا أصدر الإعلان الدستوري المكمل (المكبل)؟ لماذا أخر إعلان نتيجة الانتخابات عشرة أيام؟ لماذا قام الجيش بالانقلاب؟ لماذا لم يجر انتخابات مبكرة كما طالب المتظاهرون في 30 يونيو وما قبلها؟ لماذا رفض الاستفتاء على خارطة الطريق التي فرضها بعيدة عن مطلب الجماهير التي زعم أنه تحرك لرغبتها؟ لماذا رفض كل المبادرات التي قدمت (من الداخل والخارج) للخروج من الأزمة سلميًا؟ لماذا ارتكب مجازر أخرى؟ لماذا دفع الجيش بقائده رئيسًا؟

أسئلة مهمة تدور كلها حول ملف المدني والعسكري الذي بات مركزيًا في تفسير ما يحدث في مصر منذ 25 يناير 2011 وما سيحدث في السنوات القادمة، تبدو الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها صعبة للغاية، إذا حاولنا الاقتراب منها متفرقة، لكن ربما تكون سهلة إذا حاولنا تتبع سلوك المؤسسة العسكرية منذ الثورة وحتى الآن، والذي يكشف عن نمط متكرر مفاده أن المؤسسة العسكرية ترفض (عمليًا) توصيفها كمؤسسة من مؤسسات الدولة، تخضع لرأس السلطة التنفيذية وتحاول دائمًا الحفاظ على وضع مستقل بشكل أو بآخر، هذا الوضع أخذ شكل اللوبي أو منطقة نفوذ داخل الدولة (طيلة عهد مبارك)، وتطور إلى وضع الدولة فوق الدولة أو مؤسسة تحكم دولة بعد الانقلاب.

تقدم هذه الورقة محاولة لبلورة مدخل تفسيري لظاهرة الاستقلال المؤسسي للمؤسسة العسكرية في مصر من خلال تصريحات العسكريين أنفسهم منذ ثورة 25 يناير والفترة الانتقالية الأولى، وحتى الانقلاب العسكري فى 3 يوليو 2013 وما تلاه، نحو إعادة قراءة لملف العلاقات المدنية العسكرية بطريقة منهجية منظمة قائمة على تتبع تاريخ الظاهرة وتطوراتها الحالية ومآلاتها المستقبلية وتأثيراتها على عملية التحول الديمقراطي.

نحاول فى هذه الورقة رصد وتحليل ظاهرة الاستقلال المؤسسي للجيش في مصر، كيف تكونت هذه الوضعية الاستقلالية وتاريخ تكوينها، والتطورات التي طرأت عليها منذ معاهدة السلام مع إسرائيل 1979؟ وكذلك نحاول تحليل أثر المعونة العسكرية الأمريكية على تنامي النزعة الاستقلالية للمؤسسة العسكرية في الداخل.كما سنتناول فى ورقة لاحقة “رصد وتحليل مظاهر تفاعل العسكريين مع ثورة يناير وإدراكهم لها كتهديد وليس كفرصة، وتنامي النزعة الاستقلالية فى مواقفهم وتصريحاتهم، وكذلك محاولاتهم المتكررة في الدفاع عن هذه الوضعية والاستماتة عليها بدءًا من المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير ومرورًا بفترة الرئيس مرسي وانتهاء بالانقلاب العسكري في 3 يوليو وتطورات الظاهرة بعدها.

محاور الورقة:

أولاً: الاستقلال في المكان..مدخل تفسيري

ثانيًا: سبع مقولات تفسيرية من تصريحات العسكريين

ثالثًا: كيف تكونت وضعية الاستقلال المؤسسي للجيش؟

رابعًا: التبعية للخارج كمقولة تفسيرية للاستقلال في الداخل

لتحميل الدراسة كاملة
pdf-icon2

——————————————————————————-

 

[1]وثيقة اقترحتها القوى العلمانية فى الفترة الانتقالية الأولى للعمل بها كنصوص فوق دستورية ملزمة لأعضاء اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور لا يجوز لهم مخالفتها، كما تضمنت مواد تمنح الجيش استقلالية عن مؤسسات الدولة، أخذت هذه الوثيقة مسمى “وثيقة السلمي” نسبة إلى علي السلمي، نائب رئيس الوزراء في حكومة عصام شرف، صاحب الطرح، وهو ما قوبل برفض القوى الإسلامية.

*علي السلمي (مواليد 12 مارس 1936 بمحافظة الإسكندرية) أكاديمي مصري متخصص في مجال إدارة الأعمال، حصل على بكالوريوس إدارة الأعمال من كلية التجارة جامعة الإسكندرية عام 1956، ثم ماجستير في إدارة الأعمال عام 1964، ثم دكتوراه من جامعة أنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1967. شغل منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة عصام شرف، كما شغل منصبين وزاريين في أواخر السبعينيات: وزير الدولة للتنمية الإدارية من 77-1978، ووزير الدولة للرقابة والمتابعة من 78-1979.