العلمانية…محاولة للفهم (1)

17 فبراير , 2015 كل المناطق


استدعت التجربة السياسية الأخيرة للأحزاب الإسلامية سواء في مصر أو تونس –على اختلافها- أسئلة حول مفهوم الدولة الإسلامية والحكم الاسلامي. فالتجربة أبرزت مدى الفجوة بين الشعارات السياسية للإسلاميين وبين السياسات الفعلية بشكل يدفع للتساؤل حول ما هو حقًا إسلامي لدى الإسلاميين، أو بمعنى آخر: ما الذى يجعل تلك الأحزاب مختلفة عن نظيرتها الليبرالية العلمانية؟ وهل من الممكن الاستفادة وخلق جسور للتواصل بين المنطلقات الفكرية والفلسفية للطرفين؟

الإجابة على السؤالين السابقين تقتضى البحث في عدة أمور؛ أولها: كيف يمكننا الحكم حقًا على مدى الاستيعاب الكامل للحركات والأحزاب الإسلامية ضمن المنظومة القيمية التي عليها قامت الدولة القومية الحديثة بشكل يسمح لنا بالتمييز بين أوجه الإبداع والخصوصية في مقابل ملامح الاجترار والاستيعاب؟ ثانيًا: ما هي الرؤى الإسلامية المختلفة المطروحة حول مفهوم الدولة والحكم الإسلامي؟ ثالثًأ: ما هي الأطروحات الغربية النقدية حول مفاهيم مثل الحداثة، العلمانية، الديمقراطية التداولية…وغيرها؟ وكيف يمكن الاستفادة منها وتطويعها للسياق الثقافي العربى الإسلامي؟

تعتبر الأسئلة السابقة بمثابة رحلة بحثية للاطلاع على المتاح من القراءات النظرية العربية والغربية حول التصورات السياسة الإسلامية المعاصرة لقضايا كالعلمانية والديمقراطية والحكم الإسلامي. ويأتي هذا المقال ليناقش واحدًا من المفاهيم سالفة الذكر؛ وهو مفهوم “العلمانية”على أمل أن يعقب تلك الخطوة الأولى عدد من المقالات التى تتناول الطرح النقد الغربي للحداثة والديمقراطية وغيرها من المفاهيم المركزية.

فقد مثلت علمانية الدولة إحدى القضايا المركزية التي انشغل بها العقل العربى منذ أن طرح شكيب أرسلان سؤاله الأشهر: “لماذا تأخر المسلمون و تقدم غيرهم؟” حيث ظل مفهوم العلمانية حاضرًا في كافة النقاشات الجدالية بين التيارات الفكرية المختلفة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى الرغم من ذلك الاستدعاء المستمر للمفهوم – منذ مطلع القرن العشرين – وما نتج عنه من استقطابات حادة بين التيارات الليبرالية والإسلامية إلا أن تحديد فحوى المفهوم ومقدار فهم كل طرف لجذوره ومآلاته في السياق الغربى والعربى مازال مفقودا إلى الآن. ويرجع ذلك إلى التعامل السطحى مع المفهوم أو بالأحرى حصره فى المرحلة التاريخية الخاصة بعصر التنوير والتي قصرت العلمانية على التصور التقليدي الخاص بفصل الدين عن الدولة أو بصورة أخرى: تمايز المجال الخاص عن العام بحيث ينسحب الدين من الدائرة العامة إلى الدائرة الخاصة. كذلك عدم الاطلاع الكافي على الكتابات النقدية الغربية التي تناولت الحداثة بصورة تفكيكية سمحت بإعادة النظر إلى مفاهيم مركزية مثل العلمانية، الدولة، المجال العام، بالإضافة الى عدم ربط الكتابات الأكاديمية بالممارسات اليومية للأفراد والمؤسسات مما يجعل المفاهيم في البيئة العربية مفاهيم خاوية لا تعكس حقيقة الواقع الاجتماعي.

فيما يخص التعامل المجتزأ مع العلمانية باعتبارها فصل الدين عند الدولة لا أكثر؛ نجد طرح تشارلز تايلور يتجاوز تلك الثنائية التقليدية مؤكدًا على تماهي الحدود بين المجال الخاص والعام، بل كيفية الاستفادة من ذلك في تجاوز إشكالية التعددية الثقافية بالمجتمعات الغربية. فيؤكد على صعوبات تنحية المرجعيات الفكرية الخاصة بالأفراد وخاصة الدينية منها فيما يخص مناقشات المجال العام وما تفرزها من سياسات عامة. لذا يؤكد تايلور على العلمانية بمعنى “حيادية الدولة” أي إن الدولة تقف على مسافة واحدة من المرجعيات الخاصة بالجماعات الثقافية بحيث يصبح المجال العام مساحة حرة ومفتوحة تشتبك فيها المرجعيات الفكرية المختلفة على تنوعها بين العلمانى والديني لإنتاج التوافق العام أو ما أطلق عليه جون رولزoverlapping Consensus[1]. و يبدو أن تأكيد تايلور على ضرورة التسامح مع دخول المرجعيات الدينية للنقاش في المجال العام هو محاولة لاستيعاب التنوعات الثقافية من جهة، ومن جهة أخرى إعادة اعتبار للأدوار التي يمكن أن تلعبها الفلسفات الدينية.

فتايلور نفسه يقر بحقيقة أن العقلانية والفلسفات المادية فشلت في تحقيق وعودها الكبرى عن السعادة والانعتاق human emanicipation، كما يؤكد على أن الإقرار بأن الدين والسرديات التي يطرحها ليست أوهاما أو اساطير كما ادعت الفلسفات المادية، فالمرجعيات الدينية تقدم تصورات يمكن الاستفادة بها فى تيسير الشأن العام. إلا أنه يكمل تصوره مؤكداً أن الاستعانة بالمرجعيات الدينية يجب أن يكون على قدم المساواة مع المرجعيات العلمانية، بمعنى نزع القداسة عن التفسيرات الدينية وإخضاعها للتحليل والجدال العقلي[2].

ودون الإشارة إلى المنحى الذى تبناه تايلور في السماح بدخول المرجعيات الدينية لنقاشات المجال العام على أسس نقدية عقلانية يعيد عبد الله النعيم نفس الطرح حول ضرورة مناقشة ما تقدمه الشريعة من أمور تنظيمية بصورة نقدية عقلانية. حيث يرى أن بعض التصورات الدينية حبيسة السياق والزمان الخاص بها وهي ليست كافية لتيسير الشأن العام، بحيث يبدو النعيم على إيمان تام بقوة العلم والعقل في التجاوز الدائم للصعوبات التي تولدها الممارسة العملية[3].

تبدو تلك التصورات التي يطرحها النعيم وغيره من الأكادييمن العرب ذوي التوجهات الحداثية غير مقبولة لدى كثير من الإسلاميين خاصة فيما يخص الأمور القطعية التي حددتها الشريعة. لكن تبقى القضايا الأخرى التي تتطلب اشتباكاً بين التراث الفقهى الإسلامي والقضايا المعاصرة من أمور تتعلق بالإدارة والاقتصاد والعلوم والعلاقات الدولية محل سعة وقبول، حيث يلاحظ أن الخبرة الإسلامية المعاصرة لم تنتج الكثير مما يمكن النظر إليه كنموذج بديل للخبرة الغربية على صعيد الممارسة. ويبدو أن تركيز المنظرين الإسلاميين المستمر على قضايا بعينها كفكرة الشورى، وأهل الحل والعقد، أو سمات الحاكم المسلم في المخيلة، والخبرة الإسلامية، إنما هي إغفال لمدى تغلغل القيم الحداثية كالبراغماتية، الاستهلاك، الاختزال، والصراع في الممارسات اليومية للشعوب الإسلامية، مدعومة بسطوة الدولة على الحياة اليومية للأفراد.

لذا نجد عبد الوهاب المسيري في تحليله للحداثة والعلمانية يلفت الانتباه لتلك الممارسات وحجم التحيزات الواعية وغير الواعية لصالح قيم الحداثة. فالمسيري يبدأ تحليله مؤكدًا أن كافة المجتمعات هي مجتمعات علمانية حيث لم يحدث توحد السلطة الدينية والسياسية معا بصورة كاملة إلا في حالة المجتمعات القبلية والبدائية بحيث نجد شيخ القبيلة هو رجل الدين، وهو القائد الذي يقوم بكافة المهام اللازمة لتيسير المعاش اليومي. فالعلمانية عند المسيري عملية مستمرة مرتبطة بالطبيعة البشرية الساعية للهيمنة والسيطرة على البيئة المحيطة بها. وتبدو العلمانية في ضوء ذلك مفهوما مركزىا يعكس رؤية كونية تسعى لتهميش أو تحجيم القيم والمرجعيات المطلقة واستبدالها بأخرى نسبية متغيرة، بمعنى أن يتحرر العقل في حركته اليومية من المرجعيات المطلقة وهي الدين[4].

ويرى المسيري أن الغرب تحرك تدريجيا من التهميش المحدود للدين في المجال السياسي إلى التهميش الواسع للدين والقيم في المجال الخاص بحيث تحكمت قيم السوق والاستهلاك واللذة في كافة الممارسات اليومية للبشر. وفي ضوء ما قدمته مدرسة فرانكورت حول الحداثة، وتغلغل الدولة القومية في المجال الخاص للأفراد، وإعادة تشكيله بما يضمن تحقق قيم الرشاد، والفاعلية الاقتصادية؛ أصبح من غير المعقول تصور الحدود الجامدة بين المجال الخاص للأفراد والمجال العام، ومن ثم حكمت القيمُ المادية للمجال السياسى والعام المجالَ الخاص للأفراد حيث أصبح من الصعب الفكاك الروحي والقيمى من تصورات الدولة عن الخير والفاعلية والسعادة[5].

يبدو أن ذلك الإدراك الشامل للعلمانية و سطوة الدولة القومية على حياة الأفراد الخاصة لم يتجل واضحًا لدى عدد كبير من الإسلاميين على صعيد الحركة، ومن ثم جاءت أغلب الأطروحات لتركز على قضايا كبرى كتولي السلطة أو تطبيق الحدود والأقليات وغيرها من القضايا الجدالية التي ركزت على عناصر بعيدة عن حياة المسلم العادى اليومية، فيما أغفلت كافة سياسات الدولة التي تعيد تركيب نفسية الإنسان المسلم وتصوراته عن الحياة. وأصبحت بعض السياسات مجرد صدى لمكاسب حققتها حركات اجتماعية غربية كما في حال سياسات التمييز الإيجابي لصالح المرأة، على سبيل المثال.

وفي ذات الإطار يبدو كذلك أن سياسات صدى الصوت أو محاولات التعايش من قبل تأويلات إسلامية تبرر لبعض السياسات وتهلل لها، تعكس غياباً للإبداع وفهم احتياجات المسلم المعاصر بشكل يمكنه من الفكاك من ترسانة الحداثة الرأسمالية. فيبدو لى مع كتابة تلك السطور أنه كان من الأجدر ببعض حركات الإسلام السياسي في نضالها لاكتساب الشعبية والشرعية أن تدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين بشكل يتوافق مع قيمهم وتصوراتهم الثقافية، فبدلًا من الجدال حول تولي الذمي للرئاسة كان من الممكن أن تخوض تلك الحركات نضالا لتعديل ساعات العمل الخاصة بالأمهات أو إجازات رعاية الأسرة، أو الضغط من أجل تغيير التصورات الذهنية عن دور الرجل في رعاية الأسرة، أو تقديم مشاريع قوانين مبتكرة تعيد هيكلة ساعات العمل بحيث يسمح لرب الأسرة بالعمل لساعات أقل أو بساعات عمل مرنة مع توفير شبكات ضمان اجتماعي تتلاءم مع تغير أدوار الفرد على مدار حياته. أو تركز تلك الحركات جهودها للتعامل مع السياسات النيوليبرالية للدولة في محالات الاقتصاد والتعليم والصحة، وتضغط على الدولة لتوفير شبكات ضمان اجتماعي لأصحاب الحرف أو ربات المنزل اللواتي يعشن دون عائل، أو من تم تسريحهم عن العمل ضمن سياسات الخصخصة. لكن مثل هذه الأمور بدت مضحكة للبعض في مقابل عراك الصراع حول السلطة أو فتات التمثيل السياسي في البرلمان على الرغم من كونها في لب مقاصد الشريعة العليا، بل امتد الأمر إلى السير في ركاب سياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية دون أدنى تعديل، حيث وافقت حكومات الإخوان أثناء توليها السلطة على عقد قرض مع صندوق النقد الدولي دون أي رفض للشروط الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لمثل هذه القروض.

لذلك يبدو أن الأزمة ليست في سوء إدراك المصطلحات والمفاهيم الغربية بقدر ما هي تتعلق بكيف تمت إعادة تشكيل وبناء نفسية الفرد العامل في تلك الحركات بحيث أصبح من الصعب عليه التفكير خارج مساحات الصراع والحرية التي رسمتها له الدولة ابتداء، بل صعوبة الخروج عن المطروح على الصعيد الغربي على الرغم من معاناته اليومية في محاولات اللحاق بسياسات تعيد تنظيم حياته بشكل غير مناسب وغير فاعل.

 


 

[1] Charles Taylor,”Modes of Secualrism”, in Secularismand Its Critics, edited by Rajeev Bhargava (New Delhi, Manzar Khan, Oxford University Press, 1998), 38.

[2] Charles Taylor,”Why Do We Need a Radical Redefinition of Secularism”, in The Power of Religion in the Public Sphere, edited by Judith Butler, JurgenHabermas, Charles Taylor, and Cornel West (New York, Columbia University Press, 2011),50-56.

[3] Abdullah A. AnNa’im, Islam and the Secular StateNegotiating the Future of Shari’a (Massachusetts, Harvard University press, 2008), 3-29.

[4] Jose Casanova, “The Secualr, Secularization, Secularism”, in Rethinking Secularism,edited by Craig Calhoun, Mark Juergemsmeyer, and Jonathan VanAntwerpon (London, Oxford University Press, 2011), 55-73.

[5] عبد الوهاب المسيرى، “العلمانية الشاملة و الجزئية”، (القاهرة: دار الشروق، 2002).