المشهد السياسي في مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو


بعد نجاحهم في إنجاز ثورة 25 يناير المهيبة، استمر شباب المعارضة الثوري مؤثرين باحتجاجاتهم العارمة التي نجحت في أكثر من موطن في المشهد المصري. فبعد مرور ما يزيد على العامين من بداية الثورة، وقف الشباب الثوري أمام نجاح أحمد شفيق المحسوب على النظام السابق في الانتخابات السابقة، ووقفوا ضد المجلس العسكري في أكثر من موطن ما قوّى موقف الرئيس السابق محمد مرسي حين أحال قيادات المجلس العسكري إلى التقاعد، وكذلك احتج الشباب على الإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس مرسي في الثاني والعشرين من نوفمبر 2012، وهو الأمر الذي أدى لتراجعه لاحقا. واليوم أنجز هذا الشباب المحتج محطة جديدة، بعد احتجاجه ضد الرئيس السابق محمد مرسي وحشده لتمرد واسع، التحم فيه ذات الشباب مع فلول النظام السابق وقوى “الثورة المضادة”، مما عزز من رغبة الجيش في عزل الرئيس محمد مرسي.

لم يكن وجود النظام السابق أكيداً في مشهد ما بعد الثورة في مصر كما هو اليوم. ويعود جزء كبير من هذا النجاح والحضور في المشهد إلى تقارب الموقف مع موقف الشباب المحتج. فرغم أن الشباب الثائر لديه موقف مستمر ضد قوى النظام السابق، إلا أن احتجاجاته الحاليةصبت في نفس مسار قوى الثورة المضادة التي هدفت في السابق لإجهاض العملية السياسية في مصر، ثم تحولت لاحقا إلى هدف إسقاط النظام القائم، وهو ما تحقق. لم تكن قوى المعارضة، التي تشكل قوى النظام السابق أجزاء منها اليوم، ناجحة في المشهد المصري، لكن الحراك الشبابي وهبها كل هذا النجاح.

ويعود هذا التقارب بين المعارضة والقوى الشبابية إلى أسباب، أولها: السلوك السياسي لرئاسة مرسي وتنظيم الإخوان من ورائه، ففي خلال هذا العام، لم ينجح الرئيس مرسي في إدارة الدولة بمنطق تشاركي يجتمع فيه مع القوى الأخرى، بل كانت هناك ملامح استفراد، وحتى السلفيون الذين كانوا حلفاء للإخوان تركوهم بسبب ذلك. على سبيل المثال، في مطلع هذا العام قدّم رئيس حزب النور يونس مخيون ملفاً للرئيس محمد مرسي يتضمن 12 ألف اسم من الإخوان تم زرعها في مفاصل الدولة بعد أشهر من حكم مرسي. كذلك ولد هذا السلوك السياسي الصدام مع القوى الشبابية كما تجلى من حصارهم الاحتجاجي لقصر الاتحادية في أواخر 2012، وبقي يالحنق الشبابي مستمرا ينتظر فرصته الأخرى، حتى عبر عن نفسه بقوة في أحداث 30 يونيو. ثاني هذه الأسباب، كان موقف الجيش الذي دعم الحشد الاحتجاجي وساهم في تحقيق هدفه بإسقاط الرئيس. وبحسب مصادر عسكرية مصرية، فإن الجيش، الذي لم تكن له علاقة انسجامية مع المؤسسة الرئاسية السابقة، قد اتخذ موقفه التصعيدي تجاه مرسي بعد أن تصرف الرئيس مرسي منفرداً في حزيران/ يونيو وصعد من الموقف تجاه النظام السوري، وطالب بحظر جوي، وحضر تجمعا لإسلاميين في مصر طالبوا بالجهاد في سوريا. والسبب الثالث تمثل في الحشود الشعبية الضخمة التي لم يُشهد مثيلها في مصر وربما في العالم، فقد قوّت هذه الحشود من موقف الشباب والقوى المعارضة والجيش في المطالبة بإسقاط مرسي. ويُعزى هذا الحشد الكبير إلى احتقان ثقافي في المجتمع المصري تجاه حركة الإخوان، من ذلك وجود تصريحات وسلوكيات تكفيرية وتهديدية، كان آخرها تهديدات من إسلاميين تجاه من يشاركون في احتجاجات ثلاثين يونيو. ساهم الإعلام وأجهزته التي وقفت ضد الإخوان بكل طاقتها في هذا الحشد الكبير. يضاف إلى ذلك الإحساس أن حكومة الرئيس السابق مرسي قد أزمت الوضع الاقتصادي في مصر أكثر.

هذه القوة الثلاثية للقوى الشبابية والمعارضة السياسية والجيش التحمت في مسار واحد، وكان لها رافد شعبي كبير في الشارع، ما أنتج ضربة سريعة تجسدت في انقلاب عزل فيه الجيش الرئيس المنتخب محمد مرسي. هذه الخطوة السريعة والقوية التي تجسدت في إسقاط أول رئيس مصري منتخب لمصر، لها تبعات عميقة. أولى هذه التبعات كانت احتجاجات عارمة من أنصار الرئيس السابق محمد مرسي بأعداد لا تقل عن أعداد من ساهموا في إسقاطه. هذا الاحتجاج ارتبط باستقطاب عنيف وحاد، عبر الإعلام، وفي الوسط الشعبي، وفي أحداث دموية كحادثة إطلاق الجيش النار على المعتصمين من أنصار الرئيس مرسي عند رئاسة الجمهورية فجر يوم الإثنين الثامن من يوليو، ما أسفر عن مقتل أكثر من خمسين شخصا وإصابة المئات. هذه الأحداث أثرت في العملية السياسية التي أراد الجيش الترتيب لها سريعا كي يتخلص من تبعات تدخله القوي في المشهد السياسي مؤخرا، التأثيرات تجلت في أمور منها: انسحاب حزب “النور” السلفي من الدخول في خارطة الطريق للمرحلة الانتقالية، وكذلك تعليق حزب “مصر القوية” لمشاركته، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الحادة للجيش من قبل قوى سياسية وناشطة مدنية وشبابية.

إنها حالة مأزق وانسداد واضحة في المشهد المصري اليوم. ومما يصعب من حدة الوضع؛ أن كل حل محتمل في هذه المرحلة سيخلق بدوره أزمة جديدة. كما يصعب تحليل ورصد المتغيرات اليوم في الشارع المصري كون الأحداث متسارعة، وضغط الشارع اليوم في تصاعد وله اتجاهات متباينة، مما يصعب من مهمة تبني رأي الشارع وتوجه الشعب من قبل صناع القرار. لكن مع ذلك من الضروري محاولة استشفاف اتجاه كل طرف والمساحة الممكنة له أن يتحرك فيها بعد محطة انقلاب الثالث من يوليو التي أشرنا أن لها تأثيرات بالغة، هذه الأطراف هي: القوى الشبابية، والجيش، وتنظيم الإخوان.

 بالنسبة لتنظيم الإخوان الذي ينتمي إليه الرئيس السابق مرسي فقد بدأ أولى خطواته السياسية في مشهد بعد الثورة برفض حزب “الحرية والعدالة” للإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور، وهي خطوة رفض ومقاطعة يتوقع لها أن تستمر وأن يترافق معها حشد كبير للاحتجاجات من قبل الإخوان. وأي تباعد للقوى الإسلامية عن المشهد السياسي، سيعقب تطرفا في سلوك هذه الجماعات بما فيها التنظيمات السلفية التي نشطت سياسيا في العامين الأخيرين. هذا التباعد قد يحدث عبر حظر ممكن لهذه التنظيمات، أو الانتقال للعملية السياسية دون اعتبارها، أو بإدراج شكلي لها، أو ابتعاد ومقاطعة من هذه التنظيمات لأن سقف مطلبها اليوم يعتبر عاليا، وهو المطالبة بعودة الرئيس مرسي.

والجيش الذي حرص على أن يضع في السلطة حكومة مدنية مباشرة بعد الانقلاب، وأعلن عن انتخابات رئاسية بعد ستة أشهر، لا يبدو راغبا أن يبقى في واجهة الحكم في البلاد. لكن يبقى أن تدخل الجيش الأخير ترك تأثيرا سلبيا عميقا في المشهد السياسي. فالإسلاميون الذين يشكلون كتلة مهمة في العملية السياسية، تتراوح خياراتهم اليوم بين محاولة فرض إعادة الرئيس محمد مرسي، وبين مقاطعة العملية السياسية وعدم الوثوق بها، بعد ما تبين أنه لا توجد ضمانات أن الجيش سيفرض خياراته في النهاية.

وبتسليم الجيش للعملية السياسية، واستمرار مقاطعة الإسلاميين (أو بانزياح الإخوان عن المشهد بعد مواجهات محتملة)، وعدم قدرة القوى المدنية والشبابية على توفير قيادة سياسية شعبية، فإن من المرجح أن الدولة العميقة وأركان النظام السابق المدعومين بإعلام الفلول وأجهزة قائمة في الدولة سيكونون هم الكتلة السياسية الأكثر ثقلا والأوفر حظوظا في مشهد سياسي كهذا.

ولذلك، فالشباب الثوري الذي أسقط مبارك، ثم ساعد في الإطاحة بمرسي عبر تنظيمه لحركة “تمرد” التي حشدت تجمعات شعبية ضخمة، سيكون في مواجهة متوقعة مع أركان الثورة المضادة والفلول خلال الأطوار السياسية المقبلة. وقد دعم الجيش كما في بيان السيسي وجود الشباب ومشاركتهم في خارطة الطريق، اعترافا منهم بتأثير هذا الثقل الشبابي على نجاح العملية السياسية في البلاد. وستبقى المعضلة في مصر: كيف يستطيع الجيش تمرير عملية سياسية تسود فيها أركان “الدولة العميقة” التي تجذرت في عقود مبارك الثلاثة (وأهم هذه الأركان الجيش نفسه)، مع القوى الثورية الشبابية؟!.

لتحميل الدراسة كاملة

اضغط هنا للتحميل