برلين تتقدم: الدور العالمي الجديد لألمانيا


فرانك-فالتر شتاينماير، وزير خارجية ألمانيافرانك-فالتر شتاينماير، وزير خارجية ألمانيا
مقال مترجم عن مجلة الشؤون الخارجية
فرانك-فالتر شتاينماير، وزير خارجية ألمانيا

شهد الدور العالمي لألمانيا خلال العقدين الماضيين تحولا ملحوظا. فبعد إعادة توحيدها السلمي عام 1990، كانت ألمانيا[1] في طريقها لتصبح عملاقا اقتصاديا ليس لديه الكثير ليقدمه في مجال السياسة الخارجية. أما اليوم فتعتبر البلاد قوة أوروبية رئيسة تجتذب الثناء والنقد على حد سواء. وينسحب ذلك على استجابتها لموجة اللاجئين[2] الأخيرة – حيث رحبت بأكثر من مليون لاجئ في السنة الماضية – وعلى طريقة تعاملها مع أزمة اليورو[3]

مع ازدياد قوة ألمانيا، تزداد أيضا حاجتها إلى شرح سياستها الخارجية بوضوح أكبر. ويعتبر تاريخ ألمانيا الحديث المفتاح لفهم الطريقة التي ترى فيها مكانتها في العالم اليوم. منذ عام 1998، خدمتُ بلدي عضوا في أربع وزارات، وزعيما للمعارضة البرلمانية. لم تسعَ ألمانيا خلال هذه الفترة إلى لعب دورها الجديد على المسرح الدولي، بل ظهرت كلاعب مركزي يحافظ على استقراره مع تغير العالم من حوله. بينما كانت الولايات المتحدة تترنح من آثار حرب العراق، والاتحاد الأوروبي يناضل للخروج من سلسلة أزمات، ثبتت ألمانيا وصمدت، وشقت طريقها عبر مصاعب اقتصادية لتعود وتتحمل الآن مسؤوليات تتناسب مع مكانتها كأكبر اقتصاد في أوروبا. كذلك تسهم ألمانيا على المستوى الدبلوماسي في إيجاد حلول سلمية لنزاعات متعددة حول العالم – أبرزها في إيران وأوكرانيا، لكن أيضا في كولومبيا والعراق وليبيا ومالي وسوريا ودول البلقان. مثل هذه الأعمال تجبر ألمانيا على إعادة تأويل المبادئ التي ظلت توجه سياستها الخارجية لأكثر من نصف قرن. لكن ألمانيا قوة متبصرة؛ فحتى وهي تتكيف مع الوضع الجديد، سوف يظل الإيمان بأهمية ضبط النفس وتداول الرأي والتفاوض السلمي يوجه تعاملاتها مع بقية دول العالم.

رجل أوروبا القوي

تناضل الولايات المتحدة وأوروبا اليوم لتوفير قيادة عالمية. لقد أضر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بمكانة الولايات المتحدة في العالم. فبعد إسقاط صدام حسين، مزق العنف الطائفي العراق، وبدأت قوة الولايات المتحدة تضعف في المنطقة. ولم تفشل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في إعادة ترتيب الشرق الأوسط بالقوة، بل إن التكلفة السياسية والاقتصادية وتكلفة القوة الناعمة لهذه المغامرة قوضت الوضع العام للولايات المتحدة. لقد تلاشى وهم العالم أحادي القطب.

حين تولى باراك أوباما منصب الرئاسة عام 2009، بدأ بإعادة النظر في التزام الولايات بقضايا الشرق الأوسط والقضايا العالمية بشكل أوسع. يقول منتقدوه إن الرئيس خلق فراغات في السلطة كان فاعلون آخرون، من بينهم  إيران وروسيا، على أتم الاستعداد لملئها. أما مناصروه، وأنا واحد منهم، فيردون بأن أوباما يتعامل بحكمة مع نظام عالمي متغير، ومع تغيرَ طبيعة قوة الولايات المتحدة. فهو يكيّف وسائل السياسة الخارجية الأمريكية وأهدافها تبعا لقدرات الأمة والتحديات الجديدة التي تواجهها.

في أثناء ذلك، كان الاتحاد الأوروبي يخوض نضالات خاصة به. في العام 2004، قَبِل الاتحاد عشر دول أعضاء جدد، مرحبا أخيرا ببلدان أوروبا الشرقية الشيوعية سابقا. لكن حتى مع توسعه، فقد الاتحاد الأوروبي زخمه في محاولاته تعميق أسس اتحاده السياسي. في السنة نفسها، قدم الاتحاد لأعضائه مسودة دستور طموحة، وضعها فريق يقوده الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان. عندما رفض الناخبون الوثيقة في فرنسا وهولندا، وهما دولتان مؤسستان للاتحاد الأوربي، شجعت الأزمة الناجمة أولئك الأوربيين المشككين بالحاجة إلى “اتحاد يزداد قربا باطراد”. تنامت قوة هذه المجموعة باستمرار  منذ تلك السنوات، في حين تراجع الاندماجيون الأوربيون.    

النظام العالمي الذي ساعدت الولايات المتحدة وأوربا على إقامته وإدامته بعد الحرب العالمية الثانية، وهو نظام قدم الحرية والسلام والازدهار إلى أجزاء واسعة من العالم، يتعرض الآن لضغوطات كثيرة. إذ أدت الهشاشة المتزايدة – وفي بعض الحالات الانهيار التام – لدول مختلفة إلى زعزعة استقرار مناطق بأكملها، خصوصا في إفريقيا والشرق الأوسط، حيث أشعلت نزاعات عنيفة، وأثارت موجات نزوح جماعية تكبر باطراد. في الآن ذاته، يتحدى فاعلون حكوميون وغير حكوميين على نحو متزايد النظام الدولي القائم على القواعد والقوانين، وهو نظام حفظ السلام والاستقرار كل تلك الفترة الطويلة. كما خلق صعود الصين والهند مراكز قوة جديدة تغير شكل العلاقات الدولية، في حين أدى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلى إحداث شرخ جدي مع أوروبا والولايات المتحدة. كذلك هيمن التنافس المتصاعد بين إيران والعربية السعودية على الشرق الأوسط، مع تآكل نظام الدولة القُطرية في المنطقة ومحاولة تنظيم الدولة الإسلامية، أو  داعش، إزالة الحدود بالكامل.

على هذه الخلفية، بقيت ألمانيا مستقرة على نحو ملحوظ ومثير للاعجاب. ولم يكن ذلك بالإنجاز البسيط، إذا ما أخذنا بالاعتبار حالة البلاد عام 2003، حين كانت مشكلات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد بدأت للتو. أطلق الكثيرون على ألمانيا آنذاك اسم “رجل أوروبا المريض”. فقد بلغت البطالة ذروتها، متجاوزة نسبة 12 بالمائة، وكان اقتصاد البلاد في حالة ركود، والأنظمة الاجتماعية مثقلة الكاهل. ثم جاءت معارضة ألمانيا للحرب التي قادتها الولايات المتحدة في العراق اختبارا لإرادة الأمة، وأثارت غضبا شديدا في واشنطن. في آذار/ مارس من تلك السنة، ألقى المستشار غيرهارد شرودر خطابا[4] في البرلمان الألماني،”البندستاغ”، تحت عنوان “شجاعة للسلام وشجاعة للتغيير”، دعى فيه إلى إصلاحات اقتصادية كبرى. على الرغم من أن زملاء شرودر في الحزب الاشتراكي الديمقراطي كانت لديهم الشجاعة لرفض حرب العراق، فلم تكن لديهم رغبة كبيرة في التغيير. مرر “البندستاغ” إصلاحات شرودر لسوق العمل والضمان الاجتماعي، لكن بثمن سياسي باهظ لشرودر نفسه: لقد خسر الانتخابات المبكرة عام 2005.

بيد أن تلك الإصلاحات أسست لعودة قوة ألمانيا الاقتصادية، وهي قوة تستمر إلى يومنا هذا. عززت استجابة ألمانيا للأزمة المالية عام 2008 موقعها الاقتصادي، إذ ركزت الشركات الألمانية على ميزاتها في مجال التصنيع، وسارعت إلى استغلال الفرص الهائلة في الأسواق الناشئة، وخاصة الصين. كما دعم العمال الألمان بحكمة نموذج النمو الاقتصادي التصديري.

لكن على الألمان ألا يبالغوا في تقدم بلدهم. ألمانيا لم تصبح بعد قوة اقتصادية عظمى،[5] ونصيبها من الصادرات العالمية عام 2014 كان أقل من عام 2004 – وأقل من فترة إعادة توحيدها. لم تتمكن ألمانيا إلا من الصمود، على نحو أفضل من أغلب نظرائها، في وجه المنافسة المتصاعدة.

القوة الأوروبية المسالمة   

القوة الاقتصادية النسبية لألمانيا لا لبس فيها، لكن بعض النقاد يرون أن تحفظ البلاد العسكري[6] علامة ضعف. خاضت المانيا خلال فترة مستشارية شرورد حربين (في كوسوفو و أفغانستان) وعارضت بشدة إطلاق حرب ثالثة (في العراق). وشكلت مشاركة ألمانيا عسكريا في كوسوفو وأفغانستان خطوة تاريخية بالنسة لأمة سعت فيما مضى إلى حظر  كلمة “حرب” وحذفها كليةً من قاموسها. لكن ألمانيا أقدمت عليها لأنها أخذت على محمل الجد مسؤوليتها تجاه استقرار أوروبا وتحالفها مع الولايات المتحدة. كان المسؤولون الألمان آنئذ، كما الآن، يشتركون بقناعة راسخة في أن أمن ألمانيا لا يمكن فصمه عن أمن الولايات المتحدة. مع ذلك، عارض معظمهم غزو العراق، كونهم اعتبروها حربا غير ضرورية، مشكوكا بشرعيتها، وتحمل بوضوح إمكانية إشعال المزيد من النزاعات. في ألمانيا، مايزال ينظر إلى هذه المعارضة على نطاق واسع باعتبارها إنجاز ا كبيرا – حتى من قبل القلة الذين دعموا السياسة الأمريكية وقتها.

منذ تلك السنوات، يتداول القادة الألمان بحذر شديد خيارات التورط في النزاعات والحروب اللاحقة، مخضعين قراراتهم لمستوى دراسة وتمحيص كثيرا ما أثار حنق حلفاء ألمانيا. على سبيل المثال، في صيف عام 2006 ساعدت شخصيا في التوسط لوقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله. كنت أعتقد أن من واجب ألمانيا دعم هذه الاتفاقية ولو بالقوة العسكرية إن تطلب الأمر، رغم علمي أن تاريخنا كمرتكبي المحرقة (الهولوكوست) يجعل نشر جنود ألمان على حدود إسرائيل مسألة حساسة على وجه الخصوص. لكن قبل تبني الخيار العسكري، دعوت إلى برلين أسلافي الثلاثة المباشرين في منصب وزير الخارجية لتقديم النصح والمشورة. جلبوا معهم مجتمعين 31 سنة خبرة في ذلك المنصب. ألقى التاريخ الألماني بثقله الأكبر على كاهل أكبرنا سنا، هانز ديتريش غينشر، أحد المحاربين القدماء في الحرب العالمية الثانية، الذي جادل ضد الاقتراح. لكن سلفيَّ الأصغر سنا وافقا معي، وإلى اليوم ما تزال السفن الحربية الألمانية تقوم بأعمال الدورية على شواطئ المتوسط كجزء من القوة المؤقتة التابعة للأمم المتحدة [اليونيفل] للسيطرة على شحنات الأسلحة المرسلة إلى لبنان – و هو ترتيب وافقت عليه إسرائيل ودعمته.

لم يكن مسار ألمانيا نحو تأكيد أكبر لدورها العسكري، ولن يكون أبدا، مسارا خطيا. الألمان لا يؤمنون بأن النقاش حول طاولات مستديرة يحل كل المشكلات، لكنهم لا يؤمنون أيضا بأن كل المشكلات يمكن حلها بإطلاق النار. أحد الأسباب التي تدفعنا لتوخي الحذر هو السجل المختلط للتدخلات العسكرية الخارجية خلال العشرين سنة الماضية. قبل كل شيء آخر، يشترك الألمان بقناعة راسخة ومتجذرة تاريخيا في أن على بلدهم استخدام طاقتها السياسية ومواردها لتعزيز سيادة القانون في الشؤون الدولية. لقد دمرت تجربتنا التاريخية أي اعتقاد باستثنائيةٍ قومية – لأي دولة. نفضل، ما أمكننا، اختيار القانون (Macht  ) على القوة (Recht). لذلك تؤكد ألمانيا على الحاجة إلى الشرعية في عملية صنع القرار الأممي وتدعم التعددية بقيادة الأمم المتحدة.

يواجه كل نشر للقوات العسكرية الألمانية في الخارج تمحيصا عاما شديدا، ويجب أن ينال موافقة “البندستاغ”. ويسعى الألمان دائما إلى الموازنة بين مسؤولية حماية الضعفاء ومسؤولية التروي وضبط النفس. إذا سار حلفاء ألمانيا وشركاؤها ميلا إضافيا باتجاه الدبلوماسية والمفاوضات، فالألمان يريدون حكومتهم أن تمشي ميلا آخر أبعد، ولو ضاق صدر شركائنا أحيانا. لا يعني ذلك أن ألمانيا تبالغ في التكفير عن ماضيها العسكري العدواني. تناضل ألمانيا بالأحرى، كونها قوة متبصرة، لمواءمة الدروس المستخلصة من تاريخها مع التحديات المعاصرة. وسوف تواصل ألمانيا صياغة موقفها الدولي أساسا من خلال الوسائل المدنية والدبلوماسية، ولن تلجأ إلى التدخل العسكري إلا بعد أن تزن كل خطر محتمل وتمعن النظر في كل بديل متاح.

تبني دور عالمي

حافظت ألمانيا على قوتها الاقتصادية النسبية وتابعت مقاربتها الحذرة لاستخدام القوة في وقت شهد فيه محيطها الإقليمي والدولي تغييرات جذرية. كانت شراكة ألمانيا مع الولايات المتحدة واندماجها في الاتحاد الأوروبي الدعامتين الأساسيتين لسياستها الخارجية. لكن مع تعثر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، صمدت ألمانيا  وبرزت كقوة كبرى، إلى حد بعيد نتيجة غياب الآخرين.   

أدركت المانيا أنه لا يمكنها في دورها هذا التهرب من مسؤولياتها. ولأنها تقبع في مركز أوربا، لم يكن الانعزال ولا المواجهة خيارا سياسيا حكيما. حاولت ألمانيا بدلا من ذلك استخدام الحوار و التعاون لتشجيع السلام وإنهاء النزاعات.  

انظر إلى دور ألمانيا الجديد في الشرق الأوسط.[7] لعقود طويلة، هيمن الصراع العربي – الإسرائيلي على المشهد السياسي في المنطقة. وتعمدت ألمانيا في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تجنب لعب دور متقدم في الجهود الدبلوماسية الرامية لحل الأزمة. أما الآن، مع امتداد الصراعات، تنخرط ألمانيا بشكل أوسع في مختلف أرجاء الشرق الأوسط. منذ عام 2003، عندما بذلت أطراف دولية عدة جهودها لثني إيران عن بناء قنبلة نووية، لعبت ألمانيا دورا محوريا، وكانت أحد الأطراف الموقعة على الاتفاق الذي تم التوصل إليه عام 2015. كذلك ماتزال ألمانيا ضالعة بعمق في السعي لإيجاد حل دبلوماسي للصراع في سورية.   

ولا تتنصل ألمانيا من مسؤولية المساعدة في إقامة بنية أمنية جديدة في المنطقة – وهي عملية قد تكون الصفقة مع إيران مهدت الطريق لها. يمكننا هنا أن نستخلص دروسا مفيدة من التاريخ الأوروبي. فقد ساعد مؤتمر هلسنكي المنعقد عام 1975 في التغلب على انقسامات القارة الأوربية إبان الحرب الباردة، عبر إنشاء منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. لو أراد اللاعبون الإقليميون النظر إلى ذلك المثال، فسيجدون دروسا مفيدة قد تساعدهم في التعامل مع صراعاتهم الراهنة.

نحتاج نحن الألمان إلى الآخرين أحيانا ليذكرونا بفائدة تاريخنا. في العام الماضي، مثلا، تبادلت حديثا ملهما مع مجموعة صغيرة من المثقفين في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية. علق أحدهم بأننا “نحتاج إلى سلام ويستفالي (Westphalian peace) لمنطقتنا”. تلك الاتفاقية التي توصل إليها دبلوماسيون في مونستر وأسنابروك عام 1648، لفصل الدين عن السلطة العسكرية، ماتزال حتى يومنا هذا تلهم مفكرين في الشرق الأوسط. بالنسبة لشخص مثلي ولد في ويستفاليا، لا تذكرة أفضل بقوة الماضي وقدرته التعليمية.

الارتقاء إلى مستوى التحدي

اختبرت الأزمة الأوكرانية، الأقرب إلى حدود ألمانيا، القيادة والمهارات الدبلوماسية الألمانية. منذ انهيار نظام فيكتور يانوكوفيتش وضم روسيا للقرم بداية عام 2014، قادت ألمانيا وفرنسا جهودا دولية لاحتواء الأزمة العسكرية والسياسية، وفي نهاية المطاف حلها. ونظرا لأن اهتمام الولايات المتحدة تركز على تحديات أخرى، لعبت ألمانيا  وفرنسا دور المحاور الرئيس[8] لروسيا حول قضايا الأمن الأوروبي وبقاء الدولة الأوكرانية.

لم تكافح ألمانيا للوصول إلى ذلك الموقع، ولم يعيّنها أحد للعب ذلك الدور. روابطها الاقتصادية والسياسية الوطيدة مع روسيا وأوكرانيا على حد سواء جعلتها وسيطا طبيعيا بين الجانبين، برغم تأييد برلين الواضح لضحايا عدوان موسكو. عزز النقاش السياسي المكثف داخل ألمانيا حول طريقة الاستجابة لهذا التحدي مصداقية برلين، بإظهاره للعالم أن الحكومة لا تتخذ قراراتها بطيش واستخفاف. اتفاقية مينسك، التي تم التوصل إليها بوساطة ألمانيا وفرنسا في فبراير 2015، أبعد ما تكون عن الكمال. لكن الشيء المؤكد أنه، بدونها، كان الصراع سيخرج عن السيطرة منذ أمد بعيد، ويمتد إلى ماوراء منطقة دونباس في أوكرانيا. سوف تمضي ألمانيا قدما، وتبذل كل ما في وسعها لمنع تصاعد التوتر  وتحوله إلى حرب باردة جديدة. 

أثناء ذلك، اضطرت ألمانيا في أزمة اليورو إلى مواجهة الخطر الذي مثلته مستويات الدين المفرط لبعض دول الاتحاد الأوربي المتوسطية. وقد دعمت الغالبية العظمى من الدول الأعضاء في منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي خططا تطالب دولا مثل اليونان بفرض ضوابط على ميزانيتها، وإجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية صعبة لكن لا يمكن تفاديها، لضمان تقارب نهائي والتقاء بين اقتصادات منطقة اليورو. بدلا من إلقاء المسؤولية عن هذه التغييرات على عاتق النخب الوطنية في تلك الدول، فضل الكثيرون في أوروبا إلقاء اللوم على ألمانيا واتهامها بدور مزعوم في دفع أجزاء من أوروبا الجنوبية إلى الفقر والخنوع و الانهيار.

تعرضت ألمانيا لانتقادات مشابهة خلال أزمة اللاجئين الحالية. في الخريف الماضي، فتحت ألمانيا حدودها[9] أمام لاجئين أتى معظمهم من العراق وسوريا. وشعرت حكومات جمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا بالقلق من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تفاقم الأزمة بتشجيع المزيد من اللاجئين على دخول هذه الدول أملا في العبور إلى ألمانيا في النهاية. لكن، حتى الآن، ثبت أن هذه المخاوف لا أساس لها.

ليس واضحا كيف ومتى ستتمكن أوروبا من حل هذه الآزمة. لكن ما هو واضح أنه ليس بمقدور حتى دولة قوية نسبيا مثل ألمانيا حل المشكلة لوحدها. لا يمكننا الاستسلام للرغبة المتصاعدة[10] لدى فئات معينة[11] من الناخبين بالتعامل مع هذه الأزمة على المستوى الوطني فقط، بوضع حدود اعتباطية لقبول اللاجئين، مثلا. ألمانيا لا تستطيع، وسوف لن تبني سياستها الخارجية على حلول تعِد بعلاجات سريعة لكنها تأتي في الواقع بنتائج عكسية، سواء كانت بناء جدران [12] أو شن حروب.  

تقتضي السياسة الخارجية المتبصرة متابعة التفكير والتشاور حول الخيارات الصعبة. كما تتطلب المرونة. انظر إلى اتفاقية اللاجئين[13] الأخيرة التي ساعدت ألمانيا الاتحاد الأوروبي على إبرامها مع تركيا. بموجب هذه الاتفاقية، سيعيد الاتحاد الأوروبي إلى تركيا أي مهاجر يصل اليونان بطريقة غير شرعية، وبالمقابل سيفتح الاتحاد مسارا قانونيا للمهاجرين السوريين الراغبين بالقدوم إلى الاتحاد الأوروبي مباشرة من تركيا. كذلك تتضمن الاتفاقية بنودا لضمان تعاون أعمق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. برغم التطورات المثيرة للجدل داخل تركيا، مثل تصاعد العنف في المناطق الكردية والمضايقات المتزايدة لوسائل الإعلام وأحزاب المعارضة، أدركت ألمانيا أن لتركيا دورا حيويا تلعبه في أزمة اللاجئين، وأن لا تقدم مستدام يمكن إحرازه بدونها. لا يستطيع أحد اليوم التكهن بأن العلاقة الجديدة مع تركيا ستكون بناءة على المدى البعيد. لكن يصعب تحقيق تقدم، أو إدارة أزمة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بطريقة إنسانية، ما لم يتعامل القادة الأوروبيون بجدية مع نظرائهم الأتراك.

يصف بعض السياسيين، أمثال وزير الخارجية البولوندي السابق رادك سيكورسكي، ألمانيا بأنها “الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها” في أوروبا. لم تطمح ألمانيا لتبوء هذه المكانة، لكن الظروف أجبرتها على لعب دور مركزي. ربما لا يرتبط مصير أمة أوروبية أخرى عن هذا القرب بوجود الاتحاد الأوروبي ونجاحه، فألمانيا للمرة الأولى في تاريخها تعيش بسلام و صداقة مع فرنسا و بولندا و بقية دول القارة. يعود هذا إلى حد كبير لنبذ فكرة السيادة المطلقة، وتقاسم الموارد الذي شجع الاتحاد الأوروبي عليه طوال ما يقارب الستين سنة. لذلك يبقى الحفاظ على هذا الاتحاد، والاشتراك في أعباء قيادته على قمة أولويات ألمانيا. وإلى أن يطور الاتحاد الأوروبي قدرته على لعب دور أقوى على المسرح الدولي، ستبذل ألمانيا  قصارى جهدها للبقاء صامدة ما أمكنها ذلك – لما فيه مصالح كل أوروبا. وستكون ألمانيا قيادة مسؤولة ومتروية ومتبصرة، تسترشد أساسا بهدي فطرتها الأوروبية.

 

 ——————————————————————-

الهوامش

[1]

https://www.foreignaffairs.com/regions/germany

[2]

https://www.foreignaffairs.com/articles/europe/2016-04-06/strongwoman-europe

[3]

https://www.foreignaffairs.com/articles/greece/2015-07-10/merkel-method

[4]

Courage for peace and courage for change

[5]

https://www.foreignaffairs.com/articles/germany/2015-06-01/myth-mighty-germany

[6]

https://www.foreignaffairs.com/articles/europe/2016-01-19/bundeswehr-backs-away-brink

[7]

https://www.foreignaffairs.com/articles/germany/2014-11-10/german-connection

[8]

https://www.foreignaffairs.com/articles/russian-federation/2014-03-09/get-ready-russo-german-europe

[9]

http://www.wsj.com/articles/behind-angela-merkels-open-door-for-migrants-1449712113

[10]

https://www.foreignaffairs.com/articles/europe/2016-06-03/rise-populism-europe

[11]

https://www.foreignaffairs.com/articles/germany/2016-03-20/germanys-step-right

[12]

http://www.economist.com/news/briefing/21690065-permanent-reintroduction-border-controls-would-harm-trade-europe-putting-up-barriers?zid=307&ah=5e80419d1bc9821ebe173f4f0f060a07

[13]

https://www.foreignaffairs.com/articles/europe/2016-03-29/europes-lousy-deal-turkey