- منتدى العلاقات العربية والدولية - http://fairforum.org -

تداعيات «الربيع الديمقراطي» على العلاقات البينية العربية

الكاتب امحمد جبرون بتاريخ 1 مايو,2014 @ 9:50 ص بقسم | لايوجد تعليقات

دخل العالم العربي منذ أواخر سنة 2010م طورا جديدا من تاريخه، تغيرت في إطاره الكثير من التوازنات والثوابت التي رافقته منذ فترة الاستقلالات الوطنية في منتصف القرن الماضي، وتسامح مع فاعلين جدد وأذن لهم بالتأثير بدرجة قوية في مجريات الأحداث الإقليمية والدولية. ومن المتغيرات الرئيسة في هذه اللحظة التاريخية – التي شهدت «انقلابا» على أكثر من مستوى – متغير العلاقات الخارجية، فالسياسة الخارجية العربية قبل ثورة الياسمين 17/ 12/ 2010، ليست هي نفسها بعدها وإلى الآن، حيث عرفت التوازنات المتوارثة بالعالم العربي، واصطفافاته، وعلاقاته بالغرب والشرق تحولات راديكالية في أكثر من مجال أو موضوع.

تحولات السياسة الخارجية

فهل ندرك اليوم، وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات من انطلاق الثورات العربية، طبيعة التحولات التي عرفتها السياسة الخارجية العربية في هذا الظرف الثوري، وخلفياتها، ومآلاتها المحتملة داخليا وخارجيا؟، هل ما زال بإمكان العرب استعادة الاستقرار لعلاقاتهم البينية، استنادا إلى مرجعية ورؤية استراتيجية، تضع بالاعتبار الأول المصلحة العربية المشتركة؟.

1-    السياسات الخارجية العربية غداة الثورات العربية:

كانت السياسات الخارجية العربية قبل اندلاع أحداث الربيع الديمقراطي العربي تتأطر في ثلاث دوائر كبرى، أولها دائرة الاعتدال وتضم عددا من الدول العربية بقيادة جمهورية مصر العربية ومعها بعض دول الخليج ودائرة الممانعة وتضم دولا عربية أخرى معها الجمهورية السورية؛ ودائرة ثالثة متأرجحة الموقف، تقترب في بعض الأحيان من الممانعة، وفي أحيان أخرى تبعد عنها لتقترب من الاعتدال مثل العراق والأردن ولبنان… إلخ. ويستند هذا التصنيف بالأساس إلى الموقف من المقاومة المسلحة الفلسطينية، ومستقبل القضية الفلسطينية، والموقف من المسألة العراقية وفي صلبها الموقف من النفوذ الأمريكي بالخليج العربي والمشرق العربي، بالإضافة إلى الموضوع السوري في علاقته بحزب الله اللبناني. (*)

وقد ظهر هذا الانقسام في السياسة الخارجية العربية في أكثر من مناسبة، كان أبرزها قمة الدوحة  الطارئة (مارس 2009)، التي أراد الداعون لها وقف العدوان على غزة، وترددت كثير من الدول العربية في حضورها، وبدا العالم العربي منقسما إلى معسكرين: معسكر الممانعة ومعسكر الاعتدال.

المخاوف من إيران

بالإضافة إلى القضيتين الفلسطينية والعراقية، انشغلت الدبلوماسية العربية بعدد من المواضيع الأخرى من قبيل موضوع محاربة الإرهاب، وانخرطت فيه بحماس متفاوت؛ والنزاع الإماراتي – الإيراني حول الجزر الإماراتية؛ بالإضافة إلى تعاظم النفوذ الإيراني في منطقة الخليج، ومحيطها الإقليمي، الذي أثار مخاوف كثير من الدول العربية، وجعلها مرتابة تجاه السياسات الإيرانية بالمنطقة، وأقل حماسا للتعاون وتطوير العلاقات مع الدولة الإيرانية.

وبالعودة إلى جدول أعمال القمم والمؤتمرات العربية المختلفة قبل ثورات الربيع وخاصة أعمال الجامعة العربية يلاحظ المتتبع بيسر هيمنة موضوع الخلافات العربية على ذهن القادة العرب، ويكفي في هذا السياق العودة إلى بعض قرارات الجامعة العربية، وخاصة قرارات القمة المنعقدة بمدينة سرت الليبية في مارس 2010، التي تداولت في آليات تطوير منظومة العمل العربي المشترك، وحاولت ترميم البيت العربي، وطَرحت في هذا السياق مبادرة الجمهورية العربية السورية على طاولة النقاش، وكان القصد من ورائها وضع آلية لإدارة الخلافات العربية – العربية، وكانت هذه المبادرة موضع ترحيب القادة العرب.

الاستبداد السياسي والاستقلال الوطني

إن أهم ما ميز العلاقات العربية – العربية خلال هذه الفترة، بالرغم من انقسامها بين دول الممانعة ودول الاعتدال، هو التزامها الحياد اتجاه الشأن الداخلي لبعضها البعض، ونأيها بنفسها عن التدخل في الصراع السياسي والأوضاع الداخلية للبلدان العربية، ولم نسجل قبل الثورات العربية حالات كثيرة ومتكررة لتدخل دولة معينة في الشأن الداخلي لدولة أخرى، باستثناء ما يلاحظ في الحالتين الفلسطينية واللبنانية، أو دعم الجزائر للحركة الانفصالية في الصحراء المغربية.

احترام سيادة الدول

إن مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية الذي ميز العلاقات العربية – العربية في فترة ما قبل الثورات، يرجع من جهة إلى طبيعة الشرعية السياسية التي استندت إليها الأنظمة العربية، فكلها تقريبا استند إلى شرعية الشوكة والتغلب (العسكر/جهاز الأمن)، وبالتالي لا فضل لأحد على آخر في هذا الباب؛ ويرجع من جهة ثانية إلى ضعف دواعي التدخل، فجل الخلافات العربية البينية – تقريبا- لم تبلغ درجة تهديد استقرار أي من الدول العربية، وخاصة الدول الكبرى ورغم وجود نزاع حول بعض الملفات وبالرغم من حدته لم يهدد استقرار أي من البلدان، وبقي في حدود معقولة، تجسد ذلك في تباين وجهات نظر الطرفين حول عدد من القضايا الإقليمية.

أما فيما يتعلق بالعلاقة مع الدول الكبرى، فقد تفادت الدول العربية الصدام مع القوى المؤثرة في المسرح السياسي الدولي، وعلى رأس هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية، فبالرغم من انحياز هذه الأخيرة الواضح لإسرائيل في الصراع العربي- الإسرائيلي، واحتلالها العراق، وتقديمه لقمة سائغة لإيران، والتعسف اتجاه كل ما هو عربي في الحرب على الإرهاب، فإن العرب حافظوا على علاقات الود والتعاون مع السلطات الأمريكية، وتجلى هذا التعاون بشكل قوي فيما سمي بالحرب على الإرهاب، حيث قدمت الدول العربية وخاصة الممانعة كل التسهيلات والخدمات للأمريكان في تعقبهم لأعضاء القاعدة، ورموزها وقادتها، في كل الأنحاء، وأبدت تعاونا غير محدود.

ولعل التعاون والانسجام الكبير الذي أبدته معظم الدول العربية مع السياسات الأمريكية في المشرق العربي، وخاصة الدول الكبرى يعود تفسيره – في نظرنا – بشكل كبير لفرضية الخوف من سياسة نشر الديمقراطية، التي لوحت بها الولايات المتحدة الأمريكية في وجه الأنظمة العربية المستبدة في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن (2001- 2009)، وبالتالي وحفاظا على استمرارها لم تتردد معظم الدول العربية في التعاون المطلق مع أمريكا، والتجاوب مع مطالبها في كل المجالات مقابل غض الطرف عن تجاوزاتها في مجالات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات العامة.

ومن ثم، إن هشاشة شرعية عدد من الأنظمة العربية، وهواجسها غير الطبيعية في الحفاظ على السلطة والاستقرار الداخلي، جعلها غير جادة في الدفاع عن المصالح القومية العربية، ومنغلقة على ذاتها، ومتجاوبة مع سياسات القوى الكبرى في المنطقة العربية، مقابل حصولها على دعم هذه القوى، وتغاضيها عن تجاوزاتها، وقد ظهر هذا الأمر بوضوح في الاحتلال الأمريكي للعراق (2003)، الذي عارضته بعض الدول العربية باحتشام، وفي الملف الفلسطيني، بحيث لم يستطع العرب أن يفرضوا السلام على إسرائيل، بالرغم من التنازلات المؤلمة التي قدموها، وعلى رأسها الاعتراف بشرعية الاغتصاب، الذي جسدته مبادرة السلام العربية، ومطالبة إسرائيل – فقط – بالانسحاب إلى حدود 1967.

2-   تحولات السياسة الخارجية العربية خلال فترة الربيع الديمقراطي:

شهد العالم العربي منذ نهاية سنة 2010 تحولات عميقة، لم يشهد مثيلا لها منذ استقلالاته الوطنية في منتصف القرن الماضي، وتمثلت هذه التحولات في انهيار عدد من الأنظمة الاستبدادية العتيدة تحت ضربات الحراك الجماهيري في الميادين والساحات، وظهور أنظمة أخرى بمرجعيات سياسية وفكرية جديدة.

فلأول مرة بالعالم العربي تسود الشرعية الديمقراطية، وتتمكن الشعوب العربية في أكثر من بلد من ممارسة قدر من سيادتها عبر صناديق الاقتراع، وقد ظهر هذا الأمر بجلاء في المغرب، وتونس، ومصر، وليبيا، واليمن، حيث ظهرت حكومات منتخبة، ومجالس تأسيسية ووطنية منتخبة، ومنابر حوار تعددية… إلخ.

كما اضطرت رموز التغلب في هذا السياق من جيش وأجهزة أمن ومخابرات إلى التقهقر والرجوع إلى وظائفها التقليدية كما هي متعارف عليها في الدولة الحديثة، وسعت جميع الأنظمة التي جاءت عقب الثورات – من خلال مجموعة من التشريعات – إلى الحد من توغل وتغول الأجهزة الأمنية في المجال السياسي، الشيء الذي انعكس على إحساس الجمهور العام، الذي أمسى أكثر تنعما بالأمن والحرية معا من السابق.

الإرادة الشعبية وتحولات السياسة الخارجية

إن هذه الشرعية الجديدة التي سرت في جسد الدولة العربية في سياق الربيع العربي ستنعكس حتما على أهداف السياسة الخارجية لعدد من الدول العربية، وستعيد ترتيب أولياتها، فبعدما كان الحاكم مستعدا لتقديم أعظم التنازلات للآخر خوفا من الديمقراطية، ومن أجل – فقط – الاستمرار في الحكم، أصبحنا أمام جيل ثان من الحكام، يرون في الديمقراطية واحترام أحاسيس الجمهور العام، الوسيلة المثلى للفوز بالحكم مرة ثانية وثالثة… إلخ.

فمن الحقائق الجديدة التي أمست واضحة للعيان في السنوات الأربع الماضية، وجود نوعين من الأنظمة السياسية بالعالم العربي، أنظمة ديمقراطية، أو بعبارة أدق أنظمة في طور انتقال ديمقراطي؛ وأنظمة استبدادية شبه عسكرية، تعيش جنبا إلى جنب، وبينها – في كثير من الحالات – حدود مشتركة، وقد انعكس هذا الاختلاف على السياسة الخارجية للنظامين، فدبلوماسية دول الثورات أمست ملزمة بالسعي لجلب أكبر قدر من المصالح لشعوبها، والتطابق مع تطلعات الرأي العام فيما يتعلق بالقضايا القومية والإسلامية، وشرسة في التفاوض مع الدول الكبرى حول مصالحها في المنطقة، حيث تعمل على تحقيق قدر معقول من التكافؤ والتوازن في العلاقات الثنائية.

وبالمقابل استمرت دول الاستبداد العربية على نهجها القديم في العمل الدبلوماسي، وبقيت وفية لأيديولوجيتها في السياسة الخارجية التي تقارب المصلحة الخارجية بصورة لا تهدد الاستقرار الداخلي واستمرار العائلة في الحكم، ولهذا كانت مواقفها هشة وغير صلبة اتجاه التدخل الأجنبي في المنطقة العربية، ومنحازة بشكل شبه مطلق – في السر والعلن- للعدو الاستراتيجي للعرب.

من ثنائية الاعتدال والممانعة إلي ثنائية الاستبداد والديمقراطية

لكن الجديد الذي عرفته السياسة الخارجية لأنظمة الاستبداد في الآونة الأخيرة هو ظهور عدو دبلوماسي جديد على الساحة لم يكن موجودا في السابق، يشكل خطرا عليها، وهو «الأنظمة الديمقراطية العربية» (دول الثورات)، فكل أعداء العرب قبل الربيع كانوا خارج الحدود بشكل عام، وكانت الخصومات العربية – العربية، أشبه ما تكون بالخصومات العائلية منها بالنزاعات الدبلوماسية الحادة إلا في حالات قليلة, غير أن الأمر تغير تماما مع الربيع العربي حيث أمست «الدول الديمقراطية العربية» عدوةً للأنظمة العربية الاستبدادية وبسرعة، ذلك أن رسوخ النظام الديمقراطي بالعالم العربي، ونجاحه في التنمية من منظور محور الاستبداد سيقوض عاجلا أم آجلا الأنظمة الاستبدادية، وسيهدد بقاءها في الحكم، وبالتالي وجبت مواجهته قبل تجذره، ومن ثم، انتقل الاصطفاف بالعالم العربي من انقسام بين دول الاعتدال ودول الممانعة إلى انقسام بين دول استبدادية ودول ديمقراطية.

ويستند هذا التقسيم الجديد إلى مواقف الدول العربية من حق الشعوب في تقرير مصيرها وممارسة سيادتها، فدول المحور الديمقراطي نجحت إلى حد ما في إحقاق هذا الحق، ومعها الدول التي تناصرها، بينما دول الاستبداد، الأبوية، التي تمارس الوصاية على شعوبها، وتسعى ليكون ذلك أحد دلائل الوحدة العربية، أعرضت عن ذلك. وهو – كما يبدو – انقسام معياري مختلف تماما عن الانقسام السابق (الاعتدال والممانعة)، الذي كان يستند إلى الاختلاف حول قضايا فلسطين والنفوذ الأمريكي في الإقليم العربي والملف السوري في علاقته باللبناني…

قد يبدو هذا الاصطفاف الحديث غير دقيق، وغير مكتمل باعتبار وجود بعض الدول الاستبدادية، في طليعة المحور الديمقراطي، أو العكس وجود بعض دول الانتقال الديمقراطي ضمن محور الاستبداد، ويشار إلى المملكة المغربية، غير أن هذه الالتباسات سرعان ما ترتفع عندما نستحضر أن المعيار في تقسيم السلوك الدبلوماسي العربي بين الديمقراطية والاستبداد هو التقدير النهائي لمُؤَدى الموقف الدبلوماسي، والنظر فيما إذا كان يعكس تطلعات الشعوب ويتجاوب مع رغباتها ومصالحها العليا، وبالتالي يستحق وصف الديمقراطية، أم يدور مع تطلعات الحكام وحرصهم الشديد على الاستمرار في السلطة؟.

خاتمة:

إن الربيع الديمقراطي الذي هبت ريحه على العالم العربي منذ أواخر سنة 2010 كان له بالغ الأثر على العلاقات البينية العربية، وغير الكثير من أجندتها، فبعدما كانت الانقسامات والاختلافات العربية متمركزة على بعض القضايا الإقليمية كقضية فلسطين، والنفوذ الأمريكي في المنطقة…، أمست هذه الانقسامات مع الربيع العربي قائمة على الموقف من مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها وممارسة سيادتها، ومن ثم اصطف العرب إلى فريقين كبيرين، فريق مع هذا المبدأ وهو الذي أسميناه بالمحور الديمقراطي، وفريق ضد هذا المبدأ في السر أو العلن وهو الذي أسميناه بمحور الاستبداد. ونتيجة لهذا الاصطفاف الجديد برهاناته السياسية المختلفة، تم ضرب مبدأ عدم التدخل في الشؤون السيادية للدول العربية، وأصبحنا أمام ظاهرة جديدة وغريبة في السياسة الخارجية لبعض الدول العربية، تتميز بالإمعان في التدخل في الشأن الداخلي لبعض دول الحراك العربي، وتجلى هذا الأمر بوضوح في الموقف من التطورات السياسية بمصر وليبيا واليمن وتونس.

[*] قد يرى البعض في مقاربة السياسة الخارجية العربية قبل الربيع العربي من خلال مفهومي الاعتدال والممانعة اختيارا غير دقيق، أو غير موضوعي، بالنظر إلى محدودية القضايا التي ظهر فيها انقسام العرب بين الاعتدال والممانعة، لكن بالرجوع إلى أشغال القمم العربية قبل 2011م، والاطلاع على القضايا الرئيسة التي حظيت بالأولوية لدى الدبلوماسي العربي خلال هذه المرحلة، تبدو المكانة المتقدمة لقضايا فلسطين، وسوريا، والعراق، والمقاومة والإرهاب، وأولويتها في السياسات الخارجية للدول العربية الكبرى، ولا أدل على ذلك تصدرها لجدول أعمال القادة العرب في أكثر من قمة ولقاء، بينما القضايا الأخرى – على أهميتها – مثل: قضية السودان وعمر البشير، وقضية لوكربي، وقضية السلاح النووي بالشرق الأوسط، والصومال… تأتي تالية من حيث الاهتمام، ومن ثم النظر إلى السياسة الخارجية العربية قبيل الربيع العربي من خلال مفهومي الاعتدال والممانعة له وجاهته الإجرائية والمنهجية.

المقال مطبوع من منتدى العلاقات العربية والدولية: http://fairforum.org

رابط المقال:

Copyright © 2014 wordpress. All rights reserved.