تركيا بين فكَّيْ الصداقة الروسية الأمريكية


كان التعامل التركي مع الاتحاد السوفيتي واضحاً وصعباً في آن واحد؛ فالوضوح فيه لأن السياسة السوفيتية كانت تقوم على الأيديولوجيا الفكرية أكثر من لغة المصالح السياسية والاقتصادية، فكانت مواقف الاتحاد السوفيتي معروفة من القضايا الدولية قبل أن يعلن عنها، أما الصعوبة فيها فهي أن اللغة العسكرية كانت هي الراجحة في تفكير الحزب الشيوعي الحاكم في الكرملين، فلا يحل مشاكله إلا بالقوة العسكرية، ولذلك لم يكن أمام العالم إلا أن يلجأ إلى الحل العسكري في حل قضاياه ومشاكله مع الاتحاد السوفيتي، وللسبب ذاته لم يكن حل مشكلة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان إلا دعم إعلان الشعب الأفغاني الجهاد المقدس ضد الاحتلال السوفيتي الشيوعي لبلادهم حيث إن الاعتماد على المفاوضات السياسية مع القيادة السوفيتية للخروج من أفغانستان لم تكن لتؤتي أُكلها علي الإطلاق لأن العقلية السوفيتية الأيديولوجية تعتبر التفاوض صورة أخرى لقبول الهزيمة العسكرية والسياسية.

السياسة وجمع المتناقضات

إضافة إلى ذلك كانت الحرب الباردة بين حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي مع حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تساعد على التعاون العسكري بل المشاركة العسكرية بين الحركات الجهادية الأفغانية مع القيادة الغربية وأمريكا للقيام بحرب دولية ضد الاتحاد السوفيتي بحجة احتلاله لأراضي دولة أخرى، وقد وجدت أمريكا، أو وظفت أمريكا عدداً من الدول العربية والإسلامية لدعم حرب الحركات الجهادية الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي وحكومته المصطنعة في كابول من أفراد من الشعب الأفغاني، وكانت السياسة الغربية تدرك المتاعب الاقتصادية التي يعاني منها الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت ولذلك عمدت إلى جعل الحرب الأفغانية مكلفة وباهظة على الاقتصاد السوفيتي، الضعيف جداً؛  قبل احتلال أفغانستان وفي أثنائه.

نهاية المصالح وعودة العداء

هذه السياسة الغربية نجحت في إخراج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان أولاً، ونجحت في توظيف عدد من الحركات والقيادات الجهادية للعمل العسكري المشترك مع البنتاغون والناتو، وكانت النتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي وحلف وارسوا بحدود عام 1989، ولكن أمريكا عجزت بعد ذلك أن تواصل التعاون مع الحركات الجهادية الأفغانية، لأنها كانت تريد منها أن تلقي سلاحها وتتخلى عن جهادها الداخلي وإقامة الكيان السياسي الذي تؤمن به، فدخلت أمريكا في مرحلة صناعة العداء مع الحركات الجهادية الأفغانية وعموم الشعب الأفغاني الذي جاهد معها لتحرير أفغانستان من الغرباء والأجانب مهما كانت جنسيتهم أو لونهم أو دينهم أو قوميتهم.

في تلك المرحلة ومع بداية تفكير أمريكا بإنشاء نظام عالمي جديد مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عام 1990، وبعد قيامه بحرب كونية لتحرير الكويت من جيش صدام حسين، وجدت القيادات اليمينية في الولايات المتحدة الأمريكية عدوها المحتمل أو المرغوب فيه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لتبقي لنفسها مبرراً أمام شعبها والعالم لانتشارها العسكري في منطقة الشرق الأوسط بعد تحرير الكويت وعدم إرجاعه إلى حدوده الجغرافية بعد تحرير أفغانستان من الاتحاد السوفيتي والكويت من صدام حسين، وفي نفس الوقت؛ كان صعود الصين الاقتصادي والعالمي يمثل حالة تحد لأمريكا في المستقبل غير البعيد، ومن ثم وظفت القيادات اليمينية في الولايات المتحدة فلاسفتها المأجورين لتقديم نظريات صراع الحضارات في العقد الأخير من القرن العشرين، فخرجت نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتغنتون، ونظرية نهاية التاريخ لفاكوياما، ونظريات مواجهة الخطر الأصولي الإسلامي المتنامي في العالم الإسلامي، وبالأخص من الحركات الجهادية وحركات التحرر الوطني في البلاد العربية والإسلامية، وكانت الحركات الجهادية أكثر تركزاً في أفغانستان، وذلك بسبب دخولها في حرب داخلية بين الفصائل الجهادية نفسها لأسباب دولية أولاً وإقليمية ثانياً وداخلية ثالثاً، حتى تمكنت حركة طالبان من السيطرة على القسم الأكبر من أراضي افغانستان وبالأخص الولايات الكبرى بما فيها العاصمة كابول، فعملت الأجهزة الاستخباراتية الغربية وأتباعها من أجهزة المخابرات التابعة للدول العربية والإسلامية على تشويه صورة حركات طالبان وتسليط الأضواء على وحشية تطبيقها للشريعة الإسلامية، واختزلت الأمر في صورة إعدام امرأة  أفغانية رمياً بالرصاص، لإثارة الرأي العام الغربي ومنظمات حقوق الإنسان وحقوق المرأة العالمية ضد حكم حركة طالبان ومحاصرة الاعتراف بها سياسياً، وعزلها عن العالم الخارجي الدولي.

أطماع الشر وصناعة المبرر وفرصة البديل

في هذا الوقت لم يكن العالم يدرك أن هناك مخططات عسكرية أمريكية لاحتلال أفغانستان وهو البلد الضعيف الذي لا يحتاج إلى قوة عسكرية هائلة لاحتلاله، ولكن المطلوب قبل ذلك أن يوجد مبرر يوجب عملية الاحتلال، فتلاقت عواطف حركات الجهاد الأفغاني وتقاربها مع تنظيم القاعدة مع المخططات الأمريكية التي تسعى لاحتلال أفغانستان، فجاءت تفجيرات 11سبتمبر 2001 على موعد بين الجاني والضحية، لتنفيذ المخططات الاستعمارية على أرض الواقع. وتم تحويل الحرب الباردة إلى حرب ضد الإرهاب بحسب مصطلح جورج بوش الابن عام 2001، وأعلنها في حالة نشوة طائفية بأنها حرب صليبية جديدة، ولكن بابا روما وبخه على هذه الصراحة الفظة أو الوقاحة القلبية.

في هذه الحدود الزمنية كان الموعد مع ميلاد حزب العدالة والتنمية في تركيا، وقد حصد خبرات الحركة الإسلامية التركية في العقود  الثلاثةالسابقة، وأدرك خطيئة الأحزاب السياسية العلمانية المتشددة التي قادت تركيا إلى أبواب أوروبا متوسلة الدخول الذليل وقد تم طردها مراراً من قبل، وقد وجد الحكومات التركية السابقة قد صنعت الكثير من العداء مع الدول العربية، فعمل حزب العدالة والتنمية على توازن سياسته بين الشرق والغرب ثانياً، أما أولاً فقد وضع برامجه لإصلاح الداخل والانفتاح القومي والديمقراطي على جميع مكونات المجتمع التركي، ودعا وعمل على النجاح الاقتصادي لجميع أبناء الشعب التركي دون استثناء، فرفع مستوى الدخل والرواتب والمعيشة، فشمل كل أبناء الشعب التركي وفي كل المواقع الجغرافية التركية وفي كل الولايات 81 في تركيا دون استثناء ونجح في كسب ثقة الشعب التركي داخلياً فتم انتخابه ثلاث مرات متوالية؛ لأنه استطاع أن ينجح في الانفتاح الاجتماعي والديمقراطي، واستطاع أن ينجح في نهضة الاقتصاد التركي في أصعب الظروف الاقتصادية العالمية، وسار في عملية مصالحة وبناء الثقة والتعاون الاستراتيجي مع الدول الخارجية وبالأخص دول الجوار، وبصور أكثر خصوصية مع الدول العربية.

ثورات الشعوب وخيارات السياسة

وما إن بدأ بجني ثمار تحسن علاقاته مع الدول العربية وتصفير مشاكله معها حتى انفجرت ثورات الربيع العربي، فوقفت الحكومة التركية مع مطالب الشعوب مع سعيها الحثيث أن لا تراق الدماء وأن يكون الانتقال بالسلطة المستبدة إلى السلطة الديمقراطية سلمياً؛ لأن التحول الديمقراطي طريق لا رجعة عنه لكل الشعوب مهما تأخرت انطلاقته.

في هذا السياق بذلت تركيا كل مساعيها لعدم دخول الثورة السورية في سفك الدماء والتدمير والتهجير ولكن حكومة الأسد رفضت النصائح التركية واستمعت إلى الأوامر الروسية والإيرانية باختيار الحل الأمني والعسكري وخوض حرب وهمية على الطريقة الأمريكية ضد الإرهاب المصطنع ظناً منها أن الغرب سوف يساعدها طالما قد جنَّدت هي نفسها في الحرب التي تقبل فيها أمريكا الأصدقاء، وسوقت له روسيا هذه التجارة الإعلامية ضد الإرهاب، وأمدته إيران بكل الأسلحة والكتائب العسكرية التي تقاتل معه وتسفك دماء الشعب السوري بغير حساب، وبالأخص من شيعة العرب الذين أحرقتهم إيران في حرب خاسرة.

فكّا الصداقة الروسية الأمريكية

هنا دخلت تركيا بين فكَّيْ الصداقة الروسية الأمريكية، التي تعمل على استغلال الصراع في سوريا لتحقيق الأهداف الروسية والأمريكية، فأمريكا تريد استنزاف إيران في سوريا وكافة ميليشياتها في الشرق الأوسط وفي مقدمتها ميليشيات حزب الله اللبناني، وروسيا تريد تحقيق أهداف سياسية دولية والحفاظ على قاعدتها العسكرية في طرطوس، والأهم من ذلك تريد استمرار بيع الأسلحة الروسية إلى سوريا المستعرة  ما دامت إيران سخية في دفع فواتيرها، وقد باركت الدولة الإسرائيلية هذه الصداقة الروسية الأمريكية في سوريا وأذكت نارها، بينما عجزت تركيا عن حل الأزمة السورية وإنقاذ الشعب السوري، لأن الدول الغربية وروسيا تحتكم إلى مصالحها الخاصة، والنصائح الإسرائيلية تقول إن على أمريكا أن تتخلى عن دعمها للديمقراطية أحياناً حفاظاً على مصالحه.

أثناء ذلك بقيت تركيا تعتصر ألماً عما يجري في سوريا وكل ما يقع فيها من مجازر بشرية دون أن تستطيع فعل شيء إلا المساعدات الإنسانية وإيواء اللاجئين السوريين وتقديم كافة المساعدات لكل الفارين من سوريا حتى لو كانوا من السياسيين أو العسكريين السوريين الذين يفرون بأرواحهم إلى تركيا، دون أن تفرض عليهم قيوداً في الحركة ودون أن تفرض عليهم موانع ضد مساعدتهم لأهلهم في داخل سوريا، مهما توجهت إلى الحكومة التركية من انتقادات، فهذا أقل الواجب، واستضافت تركيا العديد من المؤتمرات الوطنية للمعارضة السورية، والمؤتمرات الدولية لأصدقاء سوريا، وحضرت بقوة في المؤتمرات الدولة من أجل سوريا في جنيف ولندن وباريس وغيرها، دون أن يصل المجتمع الدولي المتخاذل إلى حل لهذه الأزمة.

إن تركيا تمسك بمعادلة التوزان في العلاقات مع الدول المؤثرة على حل الأزمة السورية من روسيا إلى أمريكا إلى إيران إلى العراق وكافة الدول العربية التي كان من الواجب أن يكون موقفها أكثر حزماً وقوة لمساعدة الشعب السوري، ولو ساندت الدول العربية الحكومة التركية كما ينبغي لكان الوضع السوري أفضل، بينما الدول العربية نفسها دخلت في مناكفات ثنائية ولم تتحد على موقف موحد من الأزمة السورية، وهذا زاد في معاناة الشعب السوري، وأساء كثيراً للدول العربية نفسها، فكيف تقبل أن يقوم رئيس دولة عربية بقتل نصف مليون مواطن من شعبه، ويضربه بكافة أنواع الاسلحة المحرمة دولياً دون أن تخرج الشعوب العربية إلى الشوارع، ولا تعود إلى بيوتها حتى توقف الحرب على أخوتها؟

فلما انفجرت الأزمة الأوكرانية ورفض الغرب أن يكون موقفه في أوكرانيا شبيهًا بموقفه من الثورة السورية، ودعم التغيير السياسي في تغيير الرئاسة الأوكرانية، ورفض ضم روسيا الاتحادية لجزيرة القرم، وحيث إن هذه الجزيرة تخص الدولة التركية كثيراً، لأن نسبة من سكانها من أصل تركي عثماني، وتركيا لها علاقات اقتصادية قوية مع روسيا الاتحادية، لذلك رفضت تركيا مرة أخرى أن تدخل بين فكي الصداقة الروسية الأمريكية في الأزمة الأوكرانية، لإدراكها أن الغرب حريص على تخريب العلاقات الروسية التركية المتنامية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، دون أن تقدم لتركيا البديل عن الخسارة لو حصلت، وكذلك فإن الحكومة التركية تدرك صعوبات تدخلها العسكري في القرم حتى لو قام الغرب أو فكّر بتصعيد الصراع مع روسيا الاتحادية، كما إن روسيا وعدت الأتراك بتقديم امتيازات كبيرة لتتار القرم خلال أشهر، وهو ما بدا واضحا خلال الأيام الماضية.

في الوقت ذاته فإن السياسة التركية تدرك أن روسيا بوتين سوف تقدم تنازلات للغرب في أوكرانيا والقرم إذا شعر بالحصار الاقتصادي، أو حتى إذا شعر بالحصار السياسي، فروسيا لا تحتمل أن تكون خارج البيت الأوروبي، وما تقوم به من مناورات سياسية في أوكرانيا أو القرم يمكن أن تتراجع عنه تحت ضغط الصعوبات الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن أن روسيا ترفض أن تدخل في صراع عسكري مع الغرب، لأن بوتين غيّر من سياسة الاتحاد السوفيتي القائمة على الأيديولوجيا واختار سياسة المصالح والاتفاقيات السرية المالية والسمعة السياسية ولو كانت فارغة، ولكن بشرط وجود العصا التي تجعله يختار الجزرة كرها لا رغبة فقط.