تقرير: خزي أمريكا وعارها؟


“هذا ليس برنامج ’سي أي إيه‘، ولا برنامج الرئيس. هذا برنامج أمريكا”.

مايكل هايدن، مدير وكالة المخابرات المركزية (السابق)، للسفراء الأوروبيين في واشنطن.

لم تقتصر عاقبة “فيلم الرعب” المقزز الذي عرضه تقرير الكونغرس عن أساليب وكالة المخابرات المركزية في الاستجواب، على إلحاق ضرر بالغ بصورة أمريكا وسمعتها في العالم، بل توسعت لتشمل سؤالاً مقلقاً وجوهرياً وإشكالياً: كيف تسيطر حكومة الولايات المتحدة “العلنية” على دويلتها “الخفية” وتدير عملياتها السرية القادمة؟ فقد لا يكفي مجرد نسيان القصة بوصفها جزءاً من الماضي كما قال الرئيس أوباما، ولا وضع ضوابط وكوابح وقيود على أداء الوكالة في المستقبل بسبب لجوئها المنهجي إلى الكذب والتضليل والمراوغة، كما أكد التقرير.

يبدو أن الوكالة لم تترك جهة (رسمية) في السلطتين التشريعية والتنفيذية دون أن تخدعها عامدة متعمدة فيما يتعلق بفاعلية تقنياتها القاسية في الاستجواب: البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، ووزارة العدل، والكونغرس، إضافة إلى الحلفاء والأصدقاء طبعاً. كما لم تطلع صناع القرار السياسي على عمليات الاستجواب العنيفة للمعتقلين وظروف الاحتجاز المخيفة في المعتقلات. بينما كررت تقديم معلومات مزيفة لوزارة العدل حول برنامجها، ما منع الوزارة من إجراء تحليل قانوني مناسب. وتأخرت في إبلاغ لجنة الاستخبارات في الكونغرس حول استخدامها للتعذيب ولم تستجب لطلبها للمعلومات. وحجبت عن وزيري الخارجية والدفاع (بطلب من البيت الأبيض) حقيقة أساليبها المستخدمة. فضلاً عن التحايل على مكتب التحقيقات الفيدرالي ومكتب مدير الأمن القومي والمفتش العام. وعدم تقديم لائحة كاملة بأسماء المعتقلين أو الذين تعرضوا للتعذيب في سجونها.

في النظام الديمقراطي الأمريكي، من الممكن، بل من الضروري، للمؤسسة العسكرية أو الاستخبارية (الخاضعتين لسلطة الرئيس) القيام بعمليات سرية للدفاع عن الأمة، لكن بشرط أن تكون تحت إشراف مسؤولين منتخبين منها –أي أعضاء الكونغرس-. المبدأ بسيط: لا يمكن لوكالة رسمية أو مؤسسة حكومية أو موظف مسؤول الانخراط في نشاط سري، حميد أو خبيث، بعيداً عن مراقبة ممثلين عن الأمة، حيث يجب أن يعرف هؤلاء -دون أن يبلغوا عامة الشعب بالضرورة- ماذا يحدث، وهل تجاوز الجواسيس والعملاء والمحاربون في الخفاء الحدود والمعايير وبالغوا في حماستهم لـ”الدفاع” عن الأمة إلى حد تهديد مصالحها القومية، فضلاً عن تهديم قيمها ومبادئها ومثلها التي تأسست عليها أصلاً؟من الصعب بعد قراءة التقرير الاعتقاد بأن نظام المحاسبة والمساءلة سيعمل بنجاح. بل بدا أن نظام الإشراف قد تصدع كلياً في مارس الماضي حين تبين أن الوكالة تتجسس حتى على محققي اللجنة. إذ لا يمكن أن يؤدي وظيفته إلا بوجود درجة من الثقة بين المشرّع الراصد والجاسوس المرصود. وفي هذه الحالة بالذات، لم يقتصر الأمر على انهيار الثقة، بل اندلعت حرب بيروقراطية سافرة بين الوكالة واللجنة.

تقول المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيبالتي وقعتها الولايات المتحدة عام 1988 (في عهد إدارة ريغان) وصادقت عليها بعد ست سنوات (1994): “يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص بقصد الحصول منه، أو من شخص ثالث، على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه بأنه ارتكبه..”. وتؤكد المادة الثانية أن على كل دولة طرف اتخاذ “إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة لمنع أعمال التعذيب..”، كما “لا يجوز التذرع بأي ظروف استثنائية (حالة حرب أو تهديد بالحرب أو عدم استقرار سياسي) لتكون مبرراً للتعذيب”.

يؤكد تقرير الكونغرس حقيقة معروفة وبدهية: لا يعد التعذيب جريمة قذرة وهمجية ومجردة عن أبسط المبادئ الأخلاقية فحسب، بل أسلوب غير فعال وغير ضروري أيضاً. ولم يثمر على مدى التاريخ سوى اعترافات كاذبة. كما أنه لا يتعلق باستخلاص معلومات مهمة أو “إنقاذ أرواح” بريئة (حسب عبارة جورج بوش الشهيرة)، بل بالقوة والسلطة (انظر كتاب ميشيل فوكو “المراقبة والمعاقبة”) والاستعلاء والانتقام والغضب والحقد والوحشية السادية، بتجريد البشر من إنسانيتهم وكرامتهم، والنظر إليهم بدونية وازدراء. حاولت الوكالة الدفاع عن البرنامج بالقول إن المعلومات المستخلصة تحت التعذيب ساعدت في ثلاثين حالة على منع هجمات وشيكة. لكن تقرير الكونغرس يؤكد أن “كل واحدة من هذه الحالات كانت خاطئة في جوانب جوهرية” ولا تدعمها حتى سجلات الوكالة ذاتها. إذ لم يساعد التعذيب ولا مرة في وقف هجوم وشيك. وأن سلوك الوكالة أدى إلى “تعقيد، وفي بعض الحالات تقييد” عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي وغيره من وكالات الأمن القومي التي حاولت وقف الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة.

عرض التقرير، الذي استغرق إعداده ست سنوات وكلف أربعين مليون دولار، وصفاً تفصيلياً يثير الغثيان لتقنيات التعذيب “المعززة” التي استخدمتها الوكالة، واحدة إثر الأخرى: من الإيهام بالغرق، والصفع واللكم، والصدم بالجدران، إلى التغطيس في المياه المثلجة، والحرمان من النوم، وإجبار المعتقلين على الوقوف على أطرافهم المكسورة، و”التغذية القسرية الشرجية”.. في إحدى الفقرات، وفي معرض تناول موضوع سوء الإدارة في بدايات استخدام البرنامج، يتحدث التقرير عن تعيين ضابط صغير يفتقد الخبرة في التحقيق والاستجواب مديراً لمركز احتجاز تابع للوكالة في أفغانستان وذلك في أول مهمة خارجية له. وكان مسؤولون في الوكالة قد اقترحوا منعه من الاطلاع على أي معلومات سرية مهمة بسبب افتقاره إلى “الأمانة، والحكم السليم، والنضج”. في الموقع “الأسود”، أمر الضابط الأهوج بتعرية أحد المعتقلين وتكبيله بالأرض الخرسانية فمات في الصباح بسبب انخفاض حرارة الجسم. وبعد أربعة أشهر، رشح الضابط للحصول على جائزة نقدية (2500 دولار) بسبب “استمراره في الأداء المتفوق”. تعرض سجين آخر للتعذيب بالماء 183 مرة ففقد الوعي تماماً في إحداها وخرج الزبد من فمه وأوشك على الموت. واحتجز واحد في زنزانة مظلمة مدة 17 يوماً دون أن يرى النور أو يعلم أحد بوجوده هناك.بينما قيد أحد السجناء في وضعية الوقوف مدة 54 ساعة متواصلة في إطار تقنية التعذيب بالحرمان من النوم، فتورمت رجلاه ما استدعى حقنه بمميع للدم، ثم سمح له بالجلوس ومددت ساعات حرمانه من النوم إلى 180 ساعة. وهدد سجناء آخرون بإيذاء أبنائهم أو الاعتداء الجنسي على أمهاتهم.. ثم يكشف التقرير معلومة مذهلة: ستة وعشرون من المعتقلين لا يلبون معايير الاحتجاز، أي إنهم أبرياء ولا يوجد أي مبرر لاحتجازهم أصلاً.

لم يركز التقرير كثيراً على إدانة التعذيب من منظور أخلاقي أو قانوني، بل تصدى –على الطريقة الأمريكية البراغماتية- لسؤال عملي محايد (أخلاقياً): هل حققت الوسيلة الغاية المطلوبة؟ أي هل قدم التعذيب معلومات مفيدة؟وكانت الإجابة: لا؛ صريحة وواضحة دون لبس. انحصرت بؤرة تركيز التحقيق في أضيق الحدود: لم يهتم أعضاء اللجنة إلا بما فعلته وكالة المخابرات المركزية في سجونها السرية المنتشرة في أرجاء العالم (المواقع السوداء)؛ وهل ضللت المسؤولين؟ وهل امتثلت للأوامر؟ (هذا يشابه التحقيق مع عصابة من القتلة لمعرفة هل كانت طريقتها ناجحة وأدت مهمتها بكفاءة!).لم تحاول اللجنة معرفة من أصدر الأوامر ولماذا، على الرغم من وجود أدلة تشير إلى أن عصبة نائب الرئيس السابق ديك تشيني هي التي تولت مهمة تصميم البرنامج وتخطيطه وتنظيمه والدفاع عنه، بعلم/أو سكوت/أو مباركة جورج بوش.

الأخطر في التقرير أنه يشكل سبباً وجيهاً آخر يدعو إلى الارتياب بمزاعم الحكومة حين تعلن أنها صادقة وأمينة ونزيهة وتطلب من المواطنين التنازل عن حريتهم أو شكوكهم من أجل الأمن الذي توفره لهم.وصحيح أنه يعد وثيقة قيمة وثمينة، ودليلاً يثبت قدرة الديمقراطية على مراجعة أخطائها وكشف خطاياها، لكنه يعاني عيوباً ونواقص ومثالب عديدة. إذ لم يتطرق لفشل الكونغرس ذاته في الإشراف على هذه الأنشطة بفعالية أكبر. يقول جوزيه رودريغيز، نائب مدير الوكالة السابق إن هناك “قدراً كبيراً من النفاق في انتقاد السياسيين لبرنامج الوكالة..”. وأكد ستة من كبار مسؤولي الوكالة السابقين أنهم أبلغوا أعضاء بارزين في الكونغرس بتقنيات الاستجواب. ووفقاً لمقالة كتبها هؤلاء في صحيفة “وول ستريت جورنال” فقد “أعلمت الوكالة الكونغرس ثلاثين مرة” بأساليب الاستجواب. وكانت المعلومات مفصلة وواضحة بينما “راوحت ردود أفعال الأعضاء بين الموافقة وعدم الاعتراض”. في الحقيقة، لم يمارس أعضاء الكونغرس أي ضغوط إضافية لمعرفة ما يجري، ولم يطالبوا بمزيد من المعلومات، ولم يسألوا عن تقنيات الاستجواب المستخدمة، واكتفوا بالاستسلام لغريزة القطيع والانجراف مع التيار السائد بعد أحداث سبتمبر. ويبدو أن اللوم قد تحول إلى كرة يقذفها الكل إلى أحضان الكل: ضباط الوكالة ومديروها، والمقاولون الذين تعاقدت معهم، ومسؤولو وزارة العدل الذين صادقوا على قانونية التقنيات العنيفة، وإدارة بوش التي أجازت استخدامها، وأعضاء الكونغرس الذين سكتوا/أو وافقوا/ أو تواطؤوا أيضاً.

على الرغم من جميع الانتقادات والاتهامات والإدانات التي تستحقها أمريكا، والسهام المصوبة إلى عيوبها ونواقصها وخطاياها، لا بد من الاعتراف بأن من طلب “الحق” فأخطأه ليس كمن طلب “الباطل” فأدركه. والمؤكد أن حكومة الولايات المتحدة لم تكف يوماً عن بذل ما بوسعها لحماية المواطنين الأمريكيين، بطرائق تصيب وتخطئ وتنجح وتفشل، ويبدو هنا التناقض صارخاً مع تلك الأنظمة الهمجية التي لا تبدي أدنى اهتمام بحياة مواطنيها وكرامتهم ومصيرهم، بل لا توفر سلاحاً إلا وتستخدمه لقصفهم وذبحهم وتدميرهم وتشريدهم. ولا نستطيع إلا الإعجاب بقدرة النظام الأمريكي على تصحيح المسار وكشف الحقيقة، ومثلما قال ونستون تشرشل ذات يوم: “الديمقراطية هي أسوأ أنظمة الحكم باستثناء تلك التي جربناها من وقت لآخر”. أما العالم الذي يتطلع إلى الولايات المتحدة بوصفها المثل والأمل، فيرجو ألا يكون باتريك ليهي رئيس لجنة الشؤون القانونية في مجلس الشيوخ، آخر المؤمنين بالقيم الإنسانية الأصيلة التي ألهمت الثورة الأمريكية العظيمة والآباء المؤسسين الحالمين بالحرية والعدالة: “بوصفنا أمريكيين، لا يمكننا أن نكنس أخطاءنا تحت السجادة وندعي أنها غير موجودة. يجب أن نعترف بها. وأن نتعلم منها. وفي هذه الحالة يجب أن نفعل ما بوسعنا لنضمن ألا تعود حكومتنا إلى استخدام التعذيب مرة أخرى. في أوقات الامتحان الصعبة، كتلك التي واجهتنا بعد الحادي عشر من سبتمبر، وهذه التي نواجهها اليوم، نلجأ إلى مؤسساتنا الاستخبارية والعسكرية والقانونية طلباً للأمن والأمان. لكن من العبر المستخلصة من هذا التقرير أننا لا نقبل أن يعمي الخوف بصائرنا ويدفعنا إلى التضحية بمبادئنا وقوانيننا وإنسانيتنا. أعداؤنا بشر من لحم ودم، ولن نعرضهم للتعذيب الهمجي مهما بلغوا في شرهم، وتمادوا في غيهم، وأساءوا إلى ضحاياهم. لن ننضم أبداً إلى صفهم في الجانب المظلم من التاريخ”.

وفي الجانب المظلم من التاريخ، تقف أيضاً الحكومات المتورطة في الجريمة خائفة مذعورة من افتضاح أمرها بعد أن مارست التعذيب ضد مواطنيها، ويقف معها السجانون والجلادون والمحققون الساديون في “مسالخ” التنكيل والتقتيل، حيث لا يهلك الضحايا تحت التعذيب فحسب، بل يفتك بهم الجوع والعطش والبرد والطاعون، متسائلين مستفسرين عن سبب هذه الضجة، ولا يجدون مبرراً واحداً لتصنيف تقنيات الوكالة “الناعمة” ضمن فئة التعذيب الوحشي.