تكنولوجيا إنتاج اللاجئين في الدول الحديثة!


“إنما من حيث الواجهة فحسب، أو في أوهن الأوقات، وبوجهٍ ما على كبر ٍ، هم قد انتموا إلى “الأوطان”، فإنهم لم يرتاحوا إذ أصبحوا وطنيين إلا من أنفسهم” – نيتشه

تثير قضايا الحقوق والحريات الشخصية في العالم العربي مثل حادثة الحكم على طبيبة سودانية بالإعدام لإلحادها، أو منع المرأة من قيادة السيارات في السعودية، أو غيرها من القضايا المشابهة المتكررة في العالم العربي المليء بالتناقضات الفادحة،  المتعلقة بالتحالفات المعقدة التي تعقدها السلطة مع الدين، بل وفي العالم الثالث ككل -الذي لم نبرحه كعرب على أي حال– تثير سؤالاً مهماً: لماذا يكون مبرر الحكومات في هذه “القضايا” الحفاظ على “الآداب العامة”؟، لماذا لا يندرج التعذيب والاعتقال والمحاكمات السياسية والاعتداء على المظاهرات وإغلاق ومراقبة الصحف والقنوات التليفزيونية تحت بند انتهاك “الآداب العامة”، لماذا لا يخدش ذلك أي “أدب عام”، وما هي الآداب العامة التي نتحدث عنها هنا على أية حال؟

في الحقيقة لا يُهم أي أحد في موقع من مواقع السلطة أن يتساءل عن حقيقة هذا الاصطلاح أو ما يحويه تحته من حقائق أو بنى معيارية، إن “الآداب العامة” كمصطلح يستخدم في القضاء وفي الأحكام القضائية – السياسية، هو وبقية أقرانه من قبيل “هيبة الدولة” و”تكدير السلم العام “والتعرض لـ”ذات” ولي الأمر، وغيرها من التُهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي يبرع العالم العربي في إنتاجها، عند تفكيكها لا يبقى منها سوى مصطلح خاوٍ لا يحمل أي معنى، لا يبقى منها سوى الترميز الفينومينولوجي غير المُؤول، متخذاً معناه فقط سلطة من أوجدوه، ومن الحس المشترك للمتلقين .

هذا السؤال نفسه الذي سأله من قبل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في حواره مع رفيقه ميشيل فوكو، لكن بشكل مقلوب، يقول جيل دولوز :” كيف حصل أن أناساً ليس لهم أية مصلحة في وجود هذه السلطة يتزوجون مواقعها، ويتبنون أوامرها، ويستجدون كسرة خبز منها؟”[1] هكذا علق  جيل دولوز على طرح الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في حوارهما، الذي يقول فيه إن السؤال الأساسي بخصوص السلطة في هذا العصر يجب أن يكون عن من يمارس السلطة وكيف تؤدي هي عملها وتفرض انتشارها.

وهو السؤال المحوري في السؤال عن السلطة وطريقة عملها داخل الدول القومية الحديثة، الذي عند عكسه يصبح، هل “فعلاً” تدافع السلطة عن هؤلاء الناس ومعتقداتهم؟، ليس هناك سوى “لا” للإجابة على هذا السؤال، إن السلطة تدافع عن معتقداتهم  والأقل كلفة من معتقداتهم  ليمكنها بعد ذلك الحديث باسمهم، كما يقول بيير بورديو: ” إن ما يعطي الكلمات، وكلمات السر، قولها وقوتها، وما يجعلها قادرة على حفظ النظام أو خرقه هو الإيمان  بمشروعية الكلمات ومن ينطق بها وهو إيمان ليس في إمكان الكلمات أن تنتجه أو تولده “[2] 

 ومن هنا يتحتم علينا أن نأخذ في الاعتبار علاقات الصراع على السلطة في البداية كعلاقات موضوعية تاريخية بين مواقع ترتكز على أشكال معينة من رأس المال الرمزي سعياً منها لفرض سيطرتها على هذا المجال الاجتماعي، وكيفية عمل هذه الأنساق الرمزية ومتى وأين تفرض سلطتها وتحت أي قواعد، لأن النظريات الكلاسيكية للدولة ونظريات نقد الدولة أيضاً لا يستنفذان أبداً حقل ممارسة السلطة، إن السلطة ” تنبثق من أسفل، السلطة مرض خبيث لا يصيب الرأس، ولكن يبدأ من القدم [3] ” كما يقول فوكو.

إن السلطة الرمزية مثلها مثل كافة الأنساق الرمزية لا يمكن أن تؤدي عملها إلا “بتواطؤ” وتحالف طوعي من المضطهَد مع المضطهِد، من المغلوب مع الغالب، من عامة الناس مع المستغل، كانت لها خصيصة غير الخصائص المادية المعروفة في ممارسة الدولة للسلطة من عنف وحجز وحجر وقمع وعقاب، هذه الخصيصة هي “إعادة الإنتاج ” فهي تعيد إنتاج نفسها من خلال “تفويض” أجساد اجتماعية تحمل بداخلها ثروة سلطوية رمزية – لا بشكل اضطرادي ولكنها عملية تتسم بالفاعلية والتجدد داخل هذه الأجساد الاجتماعية أيضاً –  هذه الأجساد التي تطمس ماهياتها وتنسحق في مجموع أفكار السلطة ورمزياتها المتراكبة  تمارس بدورها علمية انتشار ومد أفكار ورمزيات السلطة في الفضاء الاجتماعي، تتحول لأجساد معاد إنتاجها سلطوياً كرمز للسلطة يمارس هو أيضاً عملية إعادة الإنتاج السلطوي إلى مالا نهاية، إنها تشكل بؤراً سلطوية يدعم بعضها بعضاً تعيد إنتاج السلطة في الفضاء الاجتماعي من أقصاه إلى أقصاه.

هذا هو جوهر التفويض الاجتماعي الذي يتحدث عنه بورديو قائلاً:” فمن عهد إليه أن يكون ناطقاً باللسان لا يستطيع أن يؤثر عن طريق الكلمات على أعضاء آخرين ويؤثر عبر علمه على الأشياء ذاتها إلا لأن كلامه يكثف رأس المال الرمزي الذي وفرته الجماعة التي فوضت إليه الكلام ووكلت إليه أمر النطق باسمها وأسندت إليه السلطة ” [4]،  فتحالفات “التفويض” هذه –وحدها – هي التي تدفع السلطة أن تدافع عن معتقدات من يفوضونها، ليمكنها فقط الحديث باسمهم، فمثلاُ في العالم العربي تعقد الحكومات تحالفات شديدة التعقيد مع الدين ضد- الدين، ليس من باب الخلاف الفكري في شيء، أو تبنّي رؤى مغايرة أو أقل “تزمتاً” مما يحمله الإسلاميون من أفكار، ولا يُعلم حتى على وجه الدقة ما الذي يجعل سلطة تعقد تحالفاً مع الدين أقل “دينية” من سواها.

فبعد أن كان الدين – قبل الدول القومية الحديثة- هو المنظومة الرمزية الأقوى في المجتمع، أصبح عنصراً من عناصر منظومة السلطة، وأداة من أدواتها الانضباطية، بل وأداة من أدوات الحفاظ على الأيديولوجيا القومية. فإذا سايرنا بينديكت أندرسن في أطروحته حول أصل القومية[5]، نجد أنه يعرفها على أنها: “جماعة سياسية متخيلة، حيث يشمل التخيل أنها محددة وسيدة أصلاً”، فالأمم بالنسبة له لا تخترع شعورها القومي من العدم، ولكن هي حالة من اليقظة أو الوعي التام المحدد بذاتها، عن طريق أدوات هي ” التعداد والخارطة والمتحف” ، تكون هي أدوات التخيل، وتشكل هذه الأدوات في مرحلة عميقة جداً الحالة القومية الوجدانية  كانتماء فكري وثقافي ووجداني لجماعة متخيلة، والذي يشكل هوية أفراد المجتمع تدريجياً بعد ذلك ويوطنها على التماهي مع طاعة السلطة .

إن “اصطناع”[6] القوميات وصناعة الحس المشترك الذي يغلفها بالتبعية، هي نفسها صناعة حواجز ضد الثورات والتغييرات الاجتماعية التي يمكن أن تغير من مواقع السلطة، أو تُنقص من مواقعها ومكتسبات أصحابها، إن الدول القومية، وهذا لب أطروحة الفيلسوفة الألمانية حنا أرنت حول التوتاليتارية، دول دائبة في إنتاج اللاجئين، وهم من تقصيهم من مظلتها للحفاظ على تجانس قومي ما للقومية نفسها، إنها ترى أن أية دولة تخفق في الحصول على الدعم الشعبي من سكانها وتعرف المواطنة على أساس الانتماء الديني أو القومي – وهي حالة دائمة الحدوث مع الأنظمة التوتاليتارية – ستنتج بشكل مستمر مجموعات من اللاجئين يحيون على هامش قوميتها المصطنعة[7].

وفوق كل ذلك لم تعد الدول العربية – حتى – تُعَرِّف الوطنية على أساس الانتماء للديني أو القومي، بل على أساس الانتماء لتأويل من تأويلات الديني والقومي الداخلية، تنتمي له مجموعة من التحديدات الأخلاقية والإجرائية شديدة الخصوصية، تقوم السلطة بحمايتها – والإعلاء من شانها أيضاً – والقتال على حقانيتها المطلقة بلا تهاون، في مقابل الغير – قومي الداخلي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]المثقفون والسلطة، حوار جيل دولوز مع ميشيل فوكو، الزمان المغربية، العدد 8، ص 14، بتصرف في الترجمة
[2]بورديو، الرمز والسلطة، ص 65
[3]المثقف والسلطة، حوار ميشيل فوكو، ترجمة د. عز الدين الخطابي، رؤى تربوية، العدد السادس والعشرون
[4]بيير بورديو،، الرمز والسلطة، ص 59 
[5] بنديكت أندرسن، الجماعات المتخيلة، تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، قدمس للنشر والتوزيع
[6] وأنا هنا أساير الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في أطروحته حول “المصطنع والاصطناع ” لا “المتخيل” عند بنيديكت اندرسن، لمزيد من التفصيل، المصطنع والاصطناع، ترجمة جوزيف عبد الله، المنظمة العربية للترجمة، ص 46 وما بعدها .
[7]أسس التوتاليتارية، حنا أرنت، ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي، وهناك مناقشة مهمة لهذه الفكرة مقارنة بأفكار إدوارد سعيد بخصوص الشتات والآخرية في كتابه فرويد وغير الأوروبي تطرحها جوديث باتلر في مداخلتها الثرية ضمن كتاب قوة الدين في المجال العام، تحت عنوان هل اليهودية هي نفسها الصهيونية، وهو من إصدارات التنوير اللبنانية،  ص 125 وما بعدها .