تونس:المواجهة على أرضية الديمقراطية

باحث موريتاني في منتدى العلاقات العربية والدولية

4 نوفمبر , 2014


سلكت تونس في مسار ثورتها خطا مغايرا لما سلكته بلدان أخر، فبالإضافة إلى انخفاض التكلفة الدموية للثورة ـ قياسا على بقية بلدان الربيع ـ كان هروب بن علي مبكرا وعدم تدخل الجيش من سمات الثورة التونسية التي لم تحظ بها بقية بلدان الربيع فقد أًسلمها المد الثوري لحرب دائمة أحيانا،أولتحول في مسار الثورة إلى وجهة غير معروفة.

غير أن نتائج الانتخابات الأخيرة وما نتج عنها من تغيرموقعي يطرح الكثير من الأسئلة حول مستقبل تونس وثورتها ومستقبل التعايش فيها بين مشروع الثورة الذي لم يفلح في التقدم الانتخابي ولم يخرج من اللعبة خاسرا، ومشروع الثورة المضادة الذي لم يستطع الاكتساح ولم يكسب الرهان بالكامل.

حسابات الناخب التونسي: الحيرة المطبقة:

من الجدير بالانتباه أن الحالة التونسية تمثل بجدارة الحيرة التي تغلف العالم العربي فالانتحابات الأخيرة أظهرت حيرة الناخب التونسي وترنحه بين التطلع الثوري من جهة والجنوح إلى خيار الاستقرار من جهة، وهي حيرة أملتها جملة عوامل من أبرزها:

رفع حالة العزل السياسي:

فبغض النظر عن وجاهة العزل السياسي من الناحية القانونية،إلا أن وجوده كقانون ثوري مكن القوى الممثلة للثورة بكل أطرافها من الانفراد في الساحة سابقا، ومن خطف ألق الثورة، وجر الناخب التونسي حديث العهد بالحرية إلى انتخاب قوى سياسية خارجة لتوها من السجون، أوعائدة من المنفى السياسي، سواء أكانت تلك القوى إسلامية أوعلمانية.

لقد تحفظت جهات عديدة من التيار المحسوب على الثورة ـ بمافي ذلك حركة النهضة ـ على قانون العزل السياسي، فأتاحت الفرصة لقوى الحرس القديم التي تجمع بين طول التجربة والخبرة في اللعب على الحبلين، فاستثمرت هذه القوى تعثرات المرحلة الانتقالية وخبرتها في التجميع وصدمة المواطن التونسي لتسويق نفسها كبديل حتمي عن الأحزاب والقوى الثورية.

تأرجح الخطاب الثوري:

خرج المواطن التونسي في ثورته وقد أرهقَته سنين الظلم وأمضه الفقر وأنهكه الفساد، فخرج استجابة لخطاب الثورة المنادي بالحرية المنفلت من أسوار المناورة السياسية، لكن إملاءات السياسة ومكايد سدنة الدولة العميقة أرغمت الخطاب الثوري على الجنوح إلى التهدئة بدل المواجهة السياسية، فخابت آمال المواطن البسيط الذي خرج ينشد الحرية ولقمة العيش ويرفض من حاصروا صوته واستبدوا بوطنه.

لقد أدى خفوت الخطاب الثوري إلى تراجع ثقة المواطن العادي بصدقية القوى السياسية الحاملة لمشروع الثورة.

مخاوف واقع دول الربيع:

على خلاف ماوقع في تونس وصلت المناجزة السياسية ذروتها في بلدان الربيع العربي، ووصل الأمر إلى الانقلاب على مخرجات الثورة في بعض الدول،وارتهنت (الثورة )في دول أخرى لحسابات طائفية وخارجية، وعادت الدولة المستبدة بكل سماتها القهرية والدكتاتورية، وهو ما انعكس على خيارات الناخب التونسي الذي يقع تحت تأثير إعلامي مركز، فظهرت النتائج وكأنها تعبير من المواطن عن الجنوح إلى الاستقرار والخروج من مغبة التجاذب السياسي.

 المخاوف الأمنية:

رسخت دولة بن علي_ بصبغتها البوليسية الأمنية في الوعي الجمعوي التونسي الميل إلى السكوت وعدم المشاحة، وكانت الثورة بوابة لدخول التونسيين مرحلة جديدة دشنت ظهور حركات نازعة إلى التشدد، ووصل الأمر إلى درجة تكون خلايا جهادية نفذت عدة هجمات، وكانت ساحة اشعامبي مسرحا للكثير من هذه الهجمات التي خسر فيها الجيش التونسي كثيرا من عناصره، بل تجاوز الأمر ذلك إلى مرحلة الاغتيالات السياسية فاغتيل شكري بلعيد ولبراهمي، وعاشت تونس توترا أمنيا غير مسبوق اتخذه بعض القوى المناهضة للنهضة ـ لحاكمة حينهاـ ذريعة لتأجيج إعلامي كبير، وانعكس ذلك على خيارات الناخب التونسي المتوجس.

ينضاف إلى هذه المخاوف ضمور الإنجاز فيما يتعلق بحياة المواطن، إذ الشعوب بطبعها تواقة إلى الإنجاز المنعكس على الحياة اليومية، تفضل مشروعا لدعم الأسعار على ألف قانون يدعم الحريات العامة، وتحتفي بزيادة الرواتب أكثر من حفاوتها بالشفافية في التسيير.

دلالات النتائج:

المتابع لنتائج الانتخابات التونسية سيلمح جملة من الدلالات السياسية قد تؤدي إلى استكناه ملامح الفترة المستقبلية وأبرز تلك الدلالات ثلاث:

العقاب المتريث: لا أجد وصفا مناسبا لتراجع النتائج التي حصلت عليها أحزاب الترويكا من العقاب المتريث؛ فلئن كان الناخب التونسي قد عاقب بعض هذه الأحزاب بشكل صارخ (التكتل والمؤتمر) فإن عقابه للحزب الأكبر(النهضة) كان دون ذلك، ولو جمعت نتائج الترويكا وقورنت بنتائج حزب نداء تونس لقاربته، ما يشي أن عقاب أحزاب الترويكا كان انفعالا دعمته عوامل المال السياسي والحملات الإعلامية غير المسبوقة، وكأن الناخب احتفظ لنفسه بحق اختبار تنبه الأحزاب ـ سيما النهضة ـ لتعيد ترتيب أوراقها وتبني مشروعها على أسس الواقعية والإنجاز.

 الانتخاب المتخوف: أظهرت الانتخابات أن الناخب التونسي تتجاذبه نزعتان تجاه الحرس القديم ممثلا في حزب نداء تونس، نزعة الثورية الرافضة لوجوده، ونزعة المهادنة التي تعول على خبرة أصحابه، وأعتقد أن النتائج الأخيرة أثبتت ذلك فأعطت لنداء تونس نتيجة تمكنه من العودة وليس من التغول، وتجعله في الصدارة وليس كاسبا للرهان بشكل حاسم.

إن نتائج نداء تونس ستعطي لأصحابه الفرصة للحكم لكنها سترغمهم على إشراك غيرهم لا محالة.

التصويت غير المصطف: لا يخطئ المتتبع للوضع الراهن في تونس مدى مبلغ الاصطفاف في الساحة السياسية، غير أن نتيجة حزب الاتحاد الوطني الحر بقيادة رجل الأعمال (السليم الرياحي) أظهرت أن كتلة انتخابية كبيرة من التونسيين لا تقف في صف سياسي وإنما تنحصر عوامل التأثير فيها في المال والرياضة والثقافة وفي ذلك دلالات مهمة أوضحها أن جمهور الرياضة أصبح لاعبا قويا في ميدان السياسة.

كل هذه المعطيات تظهر أن الساحة السياسية في تونس مقبلة على عهد لايملك فيه أي طرف أغلبية، وليس بإمكان أي طرف فيه أن يُتجاوز، وهي ظاهرة صحية تبقي على طبيعة التوازن، وتدفع بالساحة السياسية إلى تعايش لا يقوم على التقاسم فحسب، وإنما على التدافع والإنجاز، لكن مخاوف مشروعة تساور كثيرين في أن تلتف بعض القوى على مسار الثورة والتبادل الديمقراطي وتعود بالبلاد على نقطة البدء أوبالأحرى نقطة الانحدار.

أسئلة مفتوحة:

خلفت الانتخابات جملة من التساؤلات المتداخلة لايمكن الجزم بإجابة محددة عليها، ولكنها جزما مطروحة بإلحاح.

سؤال التعايش: بين قوتين متابينتين في الأطروحات والتاريخ تقف تونس وهي تتلمس طريقها نحو الديمقراطية، صحيح أن أرض الزيتونة تجاوزت عقبة الخروج من مرحلة انتقالية واحتفلت بتنظيم انتخابات مقبولة في أقل التقييمات تفاؤلا، لكن تكريس الحياة الديمقراطية يتطلب ماهو أكثر من انتخابات، إنه يتطلب وعيا من النخبة السياسية بضرورة التعايش، ومفهوم التعايش على عكس ما يفهمه أكثر النخبة لا يقتضي التشارك بالضرورة، وإنما يقتضي تسيير الخلاف بالحسنى والميل إلى التدافع بدل التحارب، والتمييز بين دوائر الاختلاف السياسي المشروع ومواطن المماحكة السياسية العدمية.

والتاريخ السياسي التونسي يفرض على النخبة تجاوز مرحلة العقدة من بعضها، إلى مرحلة الاعتراف إن لم نقل الاقتراب.

سؤال التكامل: بين حكمة وتعقل الشيخ راشد الغنوشي، وثورية وطلاقة الرئيس المرزوقي ومخزنية وحنكة السبسي، تتراءى ملامح المشروع التونسي القادم، والسؤال هنا ليس عن إمكانية تفاهمات أوتحالفات عابرة، إنما السؤال الأعمق عن مدى وعي النخبة أنه من حقها التنافس، لكن من واجبها أن تتنافس على أرضية ديمقراطية يقع فيها التكامل بين القوى وتلعب المعارضة فيها دور الناقد المكمل لا المشاكس المعطل، وتصغي الحكومة إلى نقد المعارضة دون تخوين.

منغصات ومحفزات:

لايتبدى من الوضع التونسي الراهن أن الدولة قد عبرت إلى المسار الديمقراطي بأمان، فثمة منغصات ظاهرة للعيان تثير الكثير من المخاوف والقلق على مستقبل الديمقراطية ومن بين تلك المنغصات:

حضور اللاعب الخارج: فقد أثبتت تجارب الربيع أن الثورة بخير ما نأى عنها التدخل الخارجي، وأثبتت بالمثل أن الحضور الخارجي مابرح ينغص الثورة ويسهم في اعوجاج مسارها مستخدما تأثير المال أحيانا، ولاعبا على وتر العداء لجهات ثورية أحيانا أخرى.

إن الارتهان للتأثيرات الخارجية سيبقي الديمقراطية في مربعها الأول، وسينعكس على تفاهم القوى الوطنية التونسية بما لايخدم الثورة ولا الدولة الوطنية التونسية،وهذا مايجب أن يعيه معسكر الحزب الفائز.

 هشاشة الاقتصاد الوطني التونسي: ذلك أن رواسب دولة الاستبداد وما خلفته تجاذبات المرحلة الانتقالية من آثار اقتصادية تجلت في مفاصل متعددة من اقتصاد البلاد سيكون من بين المنغصات الكبرى على الساحة التونسية، وهوما يفتح الباب لتوسع العامل الخارجي بذريعة الشراكة الاقتصادية وحاجة البلاد، وهنا تحضر المصالح الغربية باستمرار كما تحضر مصالح وأجندة بعض الدول العربية.

خريطة أمنية معقدة: فتونس تشهد توترا أمنيا غير مسبوق في تاريخها، والمخاوف محتملة من دخول الحرس القديم من هذ الباب لتحميل جهات سياسية مناوئة ما لا تتحمل واستهدافها تحت ذريعة الحفاظ على الأمن، كما أن تعامل الحكومة القادمة مع ظاهرة السلفية التي انتشرت في البلاد سيجعلها أمام اختبارات صعبة، والمتوقع أن السبسي وأعوانه سيتعاملون بصرامة تصل حد القسوة مع الظاهرة السلفية.

غير أن الوضع التونسي ليس قاتما تمام القتامة فثمة محفزات تدعو إلى التفاؤل بمسقبل أفضل لتونس ولعل أهمها:

 وعي تيار الثورة بما يحاك للثورات من مكائد، واستعداده فيما يبدو للتعاون بل والتنازل عن المصالح الحزبية الضيقة، فقد أثبتت حركة النهضة والترويكا عموما أن التنازل عن المصلحة الذاتية من أجل المصلحة الكبرى غير مستحيل، كما أن إقرارها (قوى الثورة) بنتائج الانتخابات مؤشر مهم على قبول التعايش والسيرفي طريق ديمقراطي.

 الضمانات الدستورية: فدستور تونس كلف الكثير من الجهد والوقت والتجاذب لكنه خرج من بين طموحات الثورة وواقعيتها دستورا حديثا مؤسسا للتداول على السلطة، ومقننا لصلاحيات السلط المختلفة والمفترض إذا احترم الدستور أن تتحقق الحرية والعدالة وتنضج ثمرة الديمقراطية.

احتمالات واردة

لعل من المبكر التنبؤ بمستقبل الديمقراطية في تونس، لكن ثلاثة احتمالات تطرح نفسها في أفق التوقع:

أولها: احتمال التوافق وهو احتمال حالم لا تساعد طبيعة الحدية السياسية وتباين الرؤى الحزبية في التنبؤ به، سيما وأن حركة النهضة ـ وهي أقوى الأحزاب بعد نداء تونس ـ قد تجنح غالبا إلى المحافظة على نصاعتها التي خفتت في الفترة الانتقالية، ولعب دور المعارضة الناقد.

وثانيها: خيار الانفراد بالحكومة وهو ما يفترض أن يميل إليه نداء تونس خصوصا وأن الأحزاب المعارضة الأخرى لم تحصل على ما يغري بالتحالف معها، وقد يشكل حزب الاتحاد ـ بقيادة الرياحي ـ منقذا لنداء تونس وهو مايخشى أن يؤسس لتحالف المال والسلطة تحت يافطة الديمقراطية.

وثالثها: خيارالترقيع: وذلك باللجوء إلى حكومة كفاءة وهو احتمال بعيد فلا طبيعة الخلفية السياسية لأهل نداء تسمح بالتكهن به، ولاطبيعة الوضعية السياسية تدفع إليه.

ختاما

قطعت تونس شوطا مهما حين خرجت من بحر أزمات كاد يغرق سفينتها في المرحلة الانتقالية ، وتجاوزت مرحلة غلب عليها التناجز السياسي وضُحي بالصالح العام من أجل مصالح حزبية ضيقة.

لكن ما ينتظر تونس الغد أكثر بكثير مما تقدم، إنها مرحلة امتحان العقل التونسي على الثقة بالعيش في دولة واحدة وترويضه على أن يعيش تنوعه واختلافه على أرضية الديمقراطية وليس في خنادق التوتر.