ثورة المتروكين

كاتب وباحث سوري

27 أغسطس , 2014 الشرق الأوسط


واحد وأربعون شهراً مرّت إذن منذ انفجار الثورة السورية في درعا 18 آذار 2011م، الثورة التي ابتدأت كانتفاضة مجتمعات محلّية ضد السلطة ترفع شعارات الحرية والكرامة والوطن في مواجهة جهاز القمع الدموي الذي واجه بالقتل أصوات المتظاهرين الغاضبين الذين اكتشفوا أنفسهم للمرة الأولى كذوات حرة مستقلة عن حيز السلطة، وكمجتمعات قادرة على الفعل والتعبير عن “الوجود”، وجودها بمعناه الفلسفي الأوسع، لتنعتق من كونها محض موضوع لقمع السلطة واستغلالها، وكمحض مضاف إليها مبني أبداً رغماً عن قواعد اللغة و”الاسم الإنساني” كما اكتشفه آدم كاملاً ضمن الأسماء قبل وجود السلطة وإكراهاتها.

لم يكن المتظاهرون مجرّدين عن الخوف وقتها، ولكن الخوف أصبح هو “طقس العبور” نحو التمرد وإعلان الوجود. بتحويل الخوف إلى طاقة غضب انتزعت الثورة من السلطة مبرر وجودها واستمرارها الأول، منذ مذبحة حماة التي كانت “الأسطورة المؤسسة” والحيّة لشرعية السلطة كحقيقة موضوعية قهرية لا يمكن الانعتاق منها.

كانت مواجهة السلطة ضمن سيرورة “قلقلة البداهات” المكرسة على المستوى الاجتماعي والنفسي التي مارستها الثورة على مستوى “الفرد الحر” أو “المجتمع المحلي الحرّ”، هذا بعد أن كان الفرد شكلاً من المواطن العاري الذي يمارس فرديته السياسية -أو “الوجودية” بالمعنى الأوسع- بالتخفي والانعزال عن جهاز المراقبة والمعاقبة للسلطة المترصد لكل كلمة منه حتى لو كانت مع عائلته، أو بالانخراط في السلطة والعبودية لها من داخلها، كعبودية طوعية كما يقول لابوازيه ولكنها تتم في سياق قهري من الإكراهات التي تمارسها الدولة على من يوجد خارج منطقها، وبعد أن كان المجتمع المحلي هو الامتداد المقيّد لهذا الفرد ضمن تعريفات السلطة ورقابتها وتكتيكات الضبط و”الاستتباع” حسب التعبير الخلدوني، ولكن دون أن تمتلك الدولة هنا عصبية الدين أو الشرف القبلي، بل عصبية القوة والقمع لا غير.

ولم تحتج الثورة في ذلك إلى تنظير فلسفي سابق، كما يتوهم المفتونون بالسردية الثقافوية للثورة الفرنسية، ولم تحتج الحرية إلى تعريف قاموسي معقلن ومضبوط كي يسير المتظاهر وفق الخطة، فالحرية التي تحضر واقعاً تغيب تنظيراً كما يقول العروي، وكان الشعور بالحرية والكرامة الإنسانية المعاشة والمفجّرة للطاقات الكامنة في مجتمع مكبوت لنصف قرن، أظهر وأوضح تجلّياً من أي تنظير للحرية سابق أو لاحق على تفجر الصوت الإنساني الذي يريد فرض “نظام الحقيقة” الخاص به (حسب تعبير ميشيل فوكو)، رغماً عن سلطة التزييف المفروض والكذب المعمم وانتهاك الإنسان حتى في فهمه لنفسه كذات إنسانية حرة ومستقلة.

وانتشرت هذه الثورة وتنقّلت ضمن مراحل عدة وشائكة ومعقدة، حتى وصلت اليوم إلى مشهد تغطيه صور الدمار والركام والأشلاء والرؤوس المقطوعة، بعد أكثر من 200 ألف شهيد و 85 ألف معتقل ، و 7500 امرأة تعرضت لعنف جنسي، وأربعة ملايين لاجئ، و 6 ملايين نازح، وشعب بأكمله لكل منهم تأثره الخاص وحكايته الخاصة وولادته الخاصة في هذه الثورة العظمى والكارثة المعممة.

وهذه المقدمة الطويلة تمهيد لنموذج تفسيري مقترح لسيرورة هذه الثورة ومآلاتها ومشهدها الراهن، باعتبارها: “ثورة المتروكين”.

لتحميل الدراسة كاملة

اضغط هنا للتحميل