جذور داعش.. رأي في التكوين


يقول عبدالرحمن منيف في حوار أجراه مع صحيفة النهار اللبنانية: “عادة ما تخلق الإدارة الأمريكية عدوا خارجيا كي تجعل الولايات تلتف حول الإدارة الفيدرالية”!

تبدو نشأة تنظيم القاعدة وإعلان الجهاد العالمي معروفة لدى الجميع ولا حاجة لسردها حتى نفهم طبيعة الحرب على الإرهاب والسياسة الأمريكية في إدارة هذه الحرب، فقط أريد أن أعرض في البداية موقفين يلخصان سقوط تنظيم القاعدة في أفغانستان:

في أكتوبر2010 صرّح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن “كبار مسؤولي الدفاع الأمريكيين يشعرون بالقلق بخصوص احتمال أن بعض عناصر المخابرات الباكستانية تتعامل على نحو غير سليم مع طالبان وجماعات مسلحة أخرى”[1].

ولم يمضِ على هذا التصريح عدة أشهر حتى تمكنت القوات الخاصة الأمريكية من تصفية زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية، في مدينة آبوت أباد بالقرب من العاصمة الباكستانية إسلام أباد، حيث وجد في أحد المباني القريبة من أحد المقرات العسكرية التابعة للجيش الباكستاني.

ما زال مكان تواجد أسامة بن لادن محل تساؤل إلى هذه اللحظة، ولم تتوفر معلومات مؤكدة حول كيفية انتقاله من جبال تورا بورا إلى داخل الأراضي الباكستانية، وكيف بوسع المخابرات الباكستانية أن تقوم بإخفاء زعيم تنظيم القاعدة المطلوب الأول لدى أمريكا دون علم الأخيرة وهي شريكها الأول في الحرب على الإرهاب في تلك المنطقة؟!

قد يقودنا لفهم هذه المتناقضات الموقف الثاني والذي يلخص ما دار بين الرئيسين الباكستاني برويز مشرف والأفغاني حامد قرضاي، ففي أحد الاجتماعات، فاجأ أحد مساعدي الرئيس الأفغاني – من ولاية بانشير – الرئيس الباكستاني بقوله: ” مخابراتك تحمي أسامة بن لادن”! الأمر الذي أغضب مشرف ووجه كلامه للرئيس الأفغاني قائلا هل: “هل جلبت هذا البانشيري حتى يعلّمني ماذا تفعل مخابرات بلدي؟!”[2]

هنا فعلا نحن أمام أشياء تبدو غير مفهومة، فالولايات المتحدة تشعر بقلق من أن المخابرات الباكستانية تؤوي عددا من المتشددين المنتمين لتنظيم القاعدة وهي الشريك الأبرز في محاربة الإرهاب، والرئيس الأفغاني الضعيف يعلم أن مخابرات باكستان تخبئ ابن لادن في أراضيها، وبعد ذلك يقتل زعيم تنظيم القاعدة على الأراضي الباكستانية في مبنى قريب من معسكر للجيش الباكستاني دون أن توجه الإدارة الأمريكية أي اتهام للسلطات الباكستانية!

هذه المعطيات غير المفهومة تمثل براعة السياسة الخارجية الأمريكية في القدرة على خلق عدو لها وتضخمه إعلاميًا وتنسج حوله الأساطير ثم الشروع في التخلص منه. هذه اللعبة المفضلة لدى الإدارة الأمريكية تحقق غايات وأهداف الأمن القومي الأمريكي، وذلك عن طريق مزيد من الهيمنة والنفوذ، ورفع مستوى التوتر لدى الحلفاء، والتفاف الولايات حول الإدارة الفيدرالية وتأجيل النظر في مشاكلها الاقتصادية التي يسببها الاتحاد الفيدرالي، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق العسكري وإنعاش سوق السلاح الذي يهيمن عليه أباطرة المال والسياسة في أمريكا، والظهور بمظهر البطل التقليدي المنقذ أمام شعوب المنطقة التي ضاقت ذرعا بالتنظيمات المتطرفة.

فالأسطرة التي تسبغها الولايات المتحدة على خصومها ليست مجرد ردة فعل مبنية على تقارير خاطئة أو تعكس مدى القوة والخطورة التي يتمتع بها العدو التقليدي لها، بل هي أسطرة منظمة تخضع لمنهجية واضحة وثابتة، الغاية منها المبالغة بردة الفعل لتحقيق أكبر قدر من المصالح والغايات.

تساءلت الخبيرة الأمريكية في شؤون الإرهاب لوريتا نابوليوني، التي ألفت كتاباً بعنوان “العراق المتمرد”، في مقابلة أجرتها معها نشرته صحيفة “واشنطن تايمز”، عما إذا كان الزرقاوي قادراً على صناعة “الهالة” العالمية الموجودة حوله اليوم، من دون مساعدة، مقصودة أو غير مقصودة، من الولايات المتحدة الامريكية”[3].

كما نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا يفيد بأن “شخصية الزرقاوي مختلقة بهدف إيجاد شخصية شريرة للاستهلاك المحلي”[4] وقد أفاد مراسلها من بغداد “أن المصادر الاستخبارية الأمريكية في بغداد والفلوجة تحدثت عن محاولات للترقيع لكي يسمع الأمريكيون ما يحبذون سماعه، وقال أحد رجال الاستخبارات الأمريكية: كنا ندفع تقريبا عشرة آلاف دولار في كل مرة لمقتنصي الفرص والمجرمين الذين يمررون القصص الخيالية والافتراضات بشأن الزرقاوي، لتحويله إلى حقيقة واقعة، وجعله على علاقة بكل هجوم يحدث في العراق”[5]

وقالت الصحيفة إن “حكومة الرئيس الأمريكي جورج بوش قد ضخمت كثيرا دور الزرقاوي في محاولة للترويج بأن وراء عمليات المقاومة في العراق ضد الاحتلال مقاتلين إسلاميين أجانب، ونقلت الصحيفة عن أحد رجال المخابرات أن عدد المقاتلين الأجانب لا يزيد عن عدة مئات وربما نحو 200مقاتل”[6].

أبوعمر البغدادي لم يكن بأفضل حالا من سلفه من ناحية الظهور الإعلامي بل على العكس، فقد أحاط الغموض بهويته. فقد “زعم المتحدث العسكري الأمريكي العميد كيفين بيرجر أن خالد المشهداني القيادي بالقاعدة، والذي ألقي القبض عليه في الرابع من يوليو الجاري، اعترف بأن زعيم “دولة العراق الإسلامية” أبو عمر البغدادي شخصية وهمية وأن هذه “الدولة” هي مجرد واجهة تحمي النفوذ والقيادة الأجنبية للقاعدة في العراق، وهي مجرد واجهة لإضفاء صبغة عراقية على زعامة القاعدة المشار إليها.

 

نظام الأسد واستيراد الأسطرة الأمريكية :

قام النظام السوري في أواخر 2012 بإطلاق سراح المنظر السلفي التكفيري أبو مصعب السوري والعديد من دعاة الفكر السلفي الذين كانوا يقبعون في السجون السورية والذين هم الآن أبرز قادة فصائل المعارضة السورية المسلحة! في محاولة منه لإغراق الثورة السورية بالنزاعات الأيديولوجية، وفي محاولة لتشويه صورة الثورة، وتأكيد مزاعمه أمام المجتمع الدولي بأن هذه الثورة يقف خلفها ثلة من الإرهابيين التكفيريين.

وفي أغسطس 2013 تمت عملية هروب سجناء سجني التاج وأبو غريب التي تمكن من خلالها عدد من عناصر القاعدة الهروب متوجهين إلى سوريا، وادّعت الحكومة أن تلك العملية تمت من خلال عملية هجوم كبيرة من قبل عناصر مسلحة. واستطاعت تهريب وزير حرب تنظيم دولة العراق الإسلامية المعروف باسم أبو عبدالرحمن البيلاوي[7].

لكن تقرير البرلمان العراقي ذكر أن عملية اقتحام السجن يشوبها كثير من الغموض، حيث أن الكهرباء انقطعت في غير موعدها المحدد ودون وجود خلل أدى إلى ذلك، ولمدة 6 دقائق في التاسعة ليلا وقت الاقتحام، وأن إدارة السجن تسلمت معلومات استخباراتية تحذر من وجود مخطط لتهريب السجناء، وقد تكرر التحذير قبل وقوع العملية بعشرة أيام، وتكرر أيضا في اليوم ذاته قبل الحادث بساعات، لكن إدارة السجن لم تتخذ أي إجراء حيال تلك التحذيرات. بالإضافة إلى انسحاب أعضاء الشرطة الاتحادية من أبراج المراقبة في السجن[8]. أحد الهاربين من السجن والذي يعد أحد أبرز المطلوبين هو شاكر وهيب الفهداوي، صاحب العملية الشهيرة التي أعدم فيها سائقي الشاحنات بعد أن سألهم عن عدد ركعات صلاة الفجر، ذكر من خلال مقطع فيديو أنه خرج من السجن بعد أن فتحت الأبواب أمام مرأى بعض عناصر الشرطة الذين لم يحركوا ساكنا[9] . وجاء تصريح وزير العدل العراقي بمثابة الصدمة على الجميع عندما صرّح بأن “مسؤولين كبارا قاموا بتسهيل تهريب عناصر وقادة بتنظيم القاعدة من السجون العراقية، بهدف إخافة الولايات المتحدة من إسقاط نظام بشار”[10].

وفي الحقيقة ليس نظام الأسد أو نظام المالكي هما الوحيدين اللذين استنسخا التجربة الأمريكية مع التنظيمات الجهادية، في 2009 أعلن أبو النور المقدسي قائد جماعة أنصار الله السلفية من على منبر مسجد ابن تيمية في مدينة رفح في قطاع غزة عن قيام إمارة إسلامية في غزة، قبل أن تجهز عليه حركة حماس خلال ساعات. و”علمت الجزيرة نت من مصادر فلسطينية موثوقة أن الحكومة الفلسطينية المقالة حصلت على وثائق قبل مهاجمة معقل جند أنصار الله في رفح تؤكد سعي الجماعة لمهاجمة المقار الأمنية في قطاع غزة واستهداف قياديين من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتثبت حصولها على أموال من دولة عربية ومن مقربين من محمد دحلان النائب عن حركة التحرير الفلسطينية (فتح)[11]

هنا يبدو أن معظم الأنظمة العربية أصبحت تستورد اللعبة الأمريكية مع التنظيمات الجهادية وتستنسخ التجربة الأمريكية في إدارة الصراع لتحقيق غاياتها الخاصة. والآن من جديد نحن أمام حرب دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم داعش، تشبه كثيرا تلك الحرب التي شنتها ضد تنظيم القاعدة مطلع العقد الماضي من حيث الإثارة، فالحشد الإعلامي يرافقه حشد للحلفاء ومهرجانات خطابية وزيارات مكوكية من أجل محاربة هذا التنظيم الصغير الذي لا يتجاوز عدد مقاتليه العشرين ألف مقاتل، لاشك أن كثيرين يعتقدون أن الحرب على هذا التنظيم جاءت متأخرة بالنسبة للمنطقة، بعد أن أفسد هذا التنظيم الثورة السورية، وساهم في تشويه صورة الثورة في العراق، وقد يكون من البديهي أن نعتقد أن هذه الحملة لن تقتصر على تنظيم داعش وحده، بل ستطال جميع المجاميع المسلحة التي تهدد المشاريع الأمريكية في المنطقة كثوار العشائر وضباط الجيش العراقي السابق ورجال الطريقة النقشبندية وضحايا قانون اجتثاث البعث الذين يقودهم إبراهيم سبعاوي ابن الأخ غير الشقيق للرئيس العراقي السابق صدام حسين المسؤول الأول عن مذبحة سبايكر، والتي تهدد النظام الطائفي وليد الاحتلال الأمريكي للعراق. كما ستمتد الحملة لتشمل المجاميع المسلحة التي تمتلك أدبيات سلفية جهادية كجبهة النصرة وعدد من الكتائب السلفية الفاعلة على الساحة السورية.

لا يجرؤ أحد على رفض ما تقرره الإدارة الأمريكية، فوحدها تمتلك القوة في تحديد الطريقة التي تلائمها والتي عادة ما تخضع لقانون الإثارة الهوليودية.

[1] صحيفة الرياض، "أمريكا: علاقة المخابرات الباكستانية بالمتشددين مقلقة" 2010http://www.alriyadh.com/net/article/566225
[2] الغارديان5 مايو 2011 http://www.theguardian.com/world/2011/may/05/osama-bin-laden-afghan-intelligence-abbottabad-lead
[3]تقرير أمريكي: حكومتنا صنعت أسطورة الزرقاوي، موقع العربية نت، 19 نوفمبر2005 http://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:ca0XwaLY220J:www.alarabiya.net/articles/2005/11/19/18757.html+&cd=1&hl=ar&ct=clnk&gl=sa
[4]نقلته صحيفة الدستور، تشرين الأول ،2004http://www.addustour.com/sn/695751/
[5]المرجع السابق
[6]المرجع السابق
[7] وكالة الاستقلال للأخبار:المالكي يعلن أن وزير حرب دولة العراق الإسلامية هرب http://independencenews.net/news.php?action=view&id=17143
[8] تقرير البرلمان حول هروب سجناء سجن أبوغريبhttp://almadapaper.net/ar/printnews.aspx?NewsID=450053
[9] مقطع فيديو على اليوتيوب لشاكر وهيب http://www.youtube.com/watch?v=pRVH1O2dGi8&desktop_uri=%2Fwatch%3Fv%3DpRVH1O2dGi8&app=desktop
[10] الجزيرة نت:وزير العدل اتهم مسؤولين كبار بالتورط في الهروب http://www.aljazeera.net/news/pages/83929cd9-7571-4efb-9b53-2ecfc88de538
[11] الجزيرة نتhttp://www.aljazeera.net/home/print/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/a1ff1cfc-dbdf-4202-8047-412d435487b2