جماعة الإخوان المسلمين بمصر: قراءة فى السيناريوهات المستقبلية للحركة


يبدو المشهد السياسي المصري على درجة من الغموض و الالتباس؛ فالانقلاب العكسري الذى قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي و أطاح بجماعة الإخوان المسلمين من المشهد ككل لم يتمكن بعد من ترسيخ ركائزه لثلاثة أسباب رئيسة.

أولًأ: تذبذب الدعم الدولي نظرًا لما صاحب الانقلاب من انتهاكات على صعيد الحريات قد تؤدى عاجلًا أو آجلًا إلى تفجر الموقف السياسي من خلال استمرار الاحتجاجات و المظاهرات الشعبية الرافضة للانقلاب.

ثانيًا: التوجهات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية و التي تميل إلى انتهاج السياسيات النيوليبرالية لنظام مبارك مما يفاقم من حجم المشكلات الاجتماعية و الاقتصادية التى من شأنها تحجيم أي تأييد شعبي تتمتع به المؤسسة العسكرية حاليًا.

ثالثًا: عدم استقرار الأوضاع الأمنية بالبلاد و ظهور مجموعات مسلحة صغيرة، مما يعكس الفشل الأمني للنظام و يقلل من مساحات الدعم الدولي و الشعبي معًا.

مستقبل الوضع السياسي

على ضوء ذلك يصعب التنبؤ بمستقبل الوضع السياسي، و تحديد خيارات المؤسسة العسكرية الحاكمة على المدى القصير و المتوسط، و هو ما يفتح في المقابل الباب للعديد من التكهنات بخصوص تعامل النظام السياسي مع حركة الإخوان المسلمين و دورها المستقبلي، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة الى ثلاثة سيناريوهات تحدد مستقبل جماعة الإخوان و علاقتها بالنظام السياسي.

السيناريو الأول: يتمثل فى إمكانية التصالح مع النظام و العودة إلى صفوف المعارضة السياسية. وتحققه يرتبط برغبة النظام السياسي في استخدام الإخوان كأداة لاحتواء الجماعات الجهادية على غرار موقفه من الجماعة فى مطلع التسعينيات، حيث سُمح للإخوان بحرية العمل النقابي مقابل احتواء التأثير المجتمعي للحركات التكفيرية آنذاك. اتباع هذه الاستراتيجية من قبل النظام يقتضي حدوث تحول من استراتيجية العنف الممنهج و المستمرّ ضد الإخوان وغيرهم من التيارات الجهادية بسيناء إلى استراتيجية الاحتواء و التواصل، وعلى الأغلب لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بعد ان يتم استنزاف القدرات الأمنية للنظام، و فقدانه الدعم الشعبي للاستمرار فى تبني نهج العنف و التنكيل السياسي، و التعرض لضغوط دولية. فى هذه الحالة يتوقع من النظام تقديم الكثير من الضمانات التى تسمح للجماعة بالعودة للحياة السياسة بصورة كاملة، بالإضافة الى تعويضها السياسي عن كل ما تعرضت له منذ الانقلاب العسكري فى الثالث من تموز من خسائر بشرية، و حملات دعائية تشويهية. لكن يبقى السؤال ما هى الصيغة التى يمكن بها إعادة استيعاب الجماعة سياسيًا وإلى أى حد سيلقى هذا السيناريو قبولًا من قواعد الجماعة التى بذلت الدماء بسبب سوء الإدارة السياسية للحركة؟ و هل تقبل تلك القواعد القيام بدور المعارضة الشكلية بعد إن كانت الجماعة في السلطة؟

أيضّا قد تتمكن الجماعة من العودة الى الحياة السياسية فى حال تغير النظام السياسي بصورة كاملة إما عن طريق موجة ثورية جديدة، أو من خلال حدوث انشقاقات فى رأس السلطة السياسية كما فى حالة وقوع انقلاب عسكري يسعى إلى اكتساب شرعية جديدة، أو حدوث انشقاقات في رأس السلطة تهدد بتحول ديمقراطي يسمح بمشاركة الإخوان كفصيل سياسي معارض.

تغير المسار

السيناريو الثاني:- القبول بالخروج من الساحة السياسية و الاقتصار على العمل الدعوى فقط؛ بناء على ذلك تتمكن الجماعة من الحفاظ على التنظيم و لكن مع تغير البوصلة و الأهداف على غرار حركة فتح الله جولن بتركيا. المشكل فى هذا السيناريو أن تاريخ الدولة المصرية الحديثة لم يشهد وجود أي جماعة أو قوة اجتماعية مستقلة موازية لقوة الدولة، فالدولة منذ نشأتها و خاصة خلال فترة عبد الناصر عمدت إلى تأميم المجتمع و احتوائه بصورة كاملة، و من ثم ليس من المتوقع أن نشهد تحولًا سريعًا بأي حال من الأحوال لهذه الفلسفة.

شهادة وفاة

السيناريو الثالث: تفكيك التنظيم كاملًا و حل ، بحيث يتم إصدار شهادة وفاة للحركة مقابل ظهور دوائر أو حركات صغيرة تتولى عملية التربية، و الدعوة، و الإحياء الأخلاقي فى المجتمع. هذا السيناريو يتفادى مثالب الشكل التنظيمي الجامد للحركات الاجتماعية الكبيرة، كما يسمح بثراء فكري و ثقافي، و يجنب بعض الحركات المهتمة بعملية الإحياء الثقافي و الأخلاقي مغبة الدخول فى معترك الحياة السياسية.

المراجعة الداخلية

فى واقع الأمر لا يمكن الانتقال نحو أي من هذه السيناريوهات دون وجود مراجعة داخلية أصيلة تقوم بإعادة قراءة التراث الفكري و الحركي للجماعة على مدار 80 عامًا و تحديد الغاية من وجودها، وما هو الإطار التنظيمي الأفضل الذى يمكن أن تعمل من خلاله، و ما هو موقفها من الانخراط فى العمل السياسي و كيف ستتم إدارته، و يجب أن يتم ذلك بصورة شفافة تحدد مسئولية القيادات عن أي أخطاء تم ارتكابها.

هذا النوع من المراجعات الفكرية الكبرى يقتضي وجود هامش من الحرية يسمح بحرية التداول و الاجتماع، و هو ما لا يتوافر للحركة الآن بطبيعة الحكم العسكري الاستبدادي القائم، كما أن المشهد الإخواني ما يزال يشهد عدم توافر عدة عوامل لإنجاز هذه المراجعة ومنها:

1. غياب التراكم النظري و الفكري على مدار تاريخ الحركة، باستثناء ما قدمه سيد قطب وسعيد حوّى بسورية حول عدد من القضايا التنظمية.

2. افتقار الجماعة للكوادر الفكرية التي يمكنها القيام بهذه المراجعات النظرية، فالعديد من القيادات الوسطى و العليا تأتي من خلفية علمية (إما أطباء أو مهندسين)، غير مؤهلة للقيام بهذا النوع من المراجعات النظرية، والجماعة على مدار تاريخها الكثير من القامات الفكرية و لم تستفد من إسهاماتها النظرية بصورة جيدة كما فى حال الشيخ: سيد سابق والغزالي، هذا الانغلاق الفكري للجماعة لم يتح لأعضائها فرصة الاطلاع على العديد من الكتابات الإسلامية الرصينة كتلك التى يقدمها البشري، الريسوني، الغنوشي، المسيري، هبة رؤوف…إلخ.

3. إعادة إنتاج خطاب المظلومية و المحنة، فبدلًا من توفير مناخ لإعادة مراجعة التجربة السياسية للحركة عاد الخطاب ليركز على المؤامرة التى تعرضت لها الجماعة، و ضرورات الصبر والصمود وتنحية الخلاف لحين انتهاء الغمة، بل التماس الأعذار للقيادات بحكم أن ما حدث هو خطأ فى الاجتهاد لا أكثر.

4. أغلب الكوادر من الشباب الذين لديهم رؤى إصلاحية و أفكار حول مستقبل الحركة تم استبعادهم و تنحيتهم من لعب أي دور داخل الحركة، أو حتى التواصل مع القيادات.

5. غياب شخصية القيادة المنفتحة القادرة على القيام بالمراجعة و رأب الصدع فى ظل هيمنة الرؤوس القطبية الأقوى كمحمود عزت، محمود حسين، رشاد بيومي، و خيرت الشاطر.

ختامًا، ما تزال هناك حاجة لتأمل أسباب التراجع السياسي للإخوان المسلمين، و كيف يمكن الاستفادة من ذلك في فهم و تقييم التجارب السياسية لحركات الإسلام السياسي بالمنطقة. كما أن هناك ضرورة إلى متابعة موقف النظام السياسي من التعامل مع حركات الإسلام السياسي و القوى السياسية المعارضة الأخرى، و ذلك لتقييم التجربة السياسية للدول العربية التي شهدت احتجاجات شعبية واسعة النطاق.