حرب إسرائيلية جديدة في قطاع غزة، الدوافع والمآلات

باحث تسوية النزاعات الدولية جامعة جورج ميسن في واشنطن

30 يوليو , 2014


لايمكن أن يكون العدوان الإسرائيلي الثالث على قطاع غزة خلال ست سنوات مماثلا للعدوانين السابقين، لا من حيث السياق الإقليمي الذي جاء فيه، ولا من حيث الدوافع التي بني عليها. إذ أن قرار الحرب يصنع في إسرائيل على مستويين أولهما ، أهداف استراتيجية تستحق التكلفة وتدفع بقوة نحو اتخاذ قرار الحرب ، وثانيهما ، أهداف مصاحبة لا تستحق حربا ولكنها توزن بميزان المكاسب التي تأتي مصاحبة للعمليات العسكرية .

الدوافع والأهداف الاستراتيجية

على المستوى الأول فإن هدفين استراتيجيين أساسيين دفعا إسرائيل لهذه الحرب الجديدة على المقاومة في قطاع غزة. الحديث هنا عن الأهداف الاستراتيجية وليس عن الذرائع، فإذا كان ثمة ذرائع واجبة لتمرير مشهد الحرب دوليا وهي ذاتها الذرائع المستهلكة مع كل حرب فإن صانع قرار الحرب في إسرائيل عليه أن يحدد أهدافا استراتيجية تجعل العدوان مبررًا من حيث التوقيت والهدف. ويظهر أن الهدفين الاستراتيجين لإسرائيل من هذه الحرب على النحو التالي :

الأول: – وضع ورقة غزة على طاولة الصراع الإقليمي في أوجه ، وخاصة مع باكورة زخم نظام السيسي في مصر التي قد لا تطول. وجدت إسرائيل الفرصة سانحة في ظل تباينات المواقف الجديدة في الشرق الأوسط وانقسام التوجهات العربية العربية ودخول دائرة الصراع السني الشيعي مرحلة متقدمة، كي تدفع بورقة صراعها مع المقاومة في القطاع إلى تسوية إقليمية يمكن أن يكون الداعمون الأساسيون للمقاومة في حالة أكثر جهوزية للمساومة خاصة مع احتدام حول المصالح حول النزاع السوري والعراقي وحتى اللبناني. كما أن وضع ورقة غزة على طاولة الصراع الإقليمي يعزل حركة حماس عن محيط دعمها الإقليمي سياسيًا على الأقل ويظهرها متكأة على محور جديد يقتصر على دول لا تملك قنوات الاتصال المباشر ولايمكنها تقديم الدعم اللوجستي بفعل الجغرافيا والبعد، فهي إما مكبلة بالخليج أو أنها لايمكن أن تمثل خط إمداد بديل كان المحور الداعم القديم يوفره.

الثاني: – إنهاء عصر التهدئة والهدنة وتثبيت وضع على الأرض من طرف واحد مع غياب أو انبطاح الوسيط الطرف “مصر”، والذي يعنيه ذلك هو انتهاء عهد مساومات التهدئة واحتفاظ إسرائيل بحق الضرب في أي وقت، وإلقاء كرة المعبر والحصار في حضن السيسي الذي لن يتورع عن الجهر بعدم رغبته في فتح المعبر وانتقاده لحماس وما تفعله ومن ثم ينتهي الأمر إلى مواجهة متواصلة بين ندين.

وثمة مكاسب أخرى تأتي لاحقة على هذين الهدفين الاستراتيجيين، أول هذه المكاسب هو الإسراع في اختبار قدرات المقاومة بعد عام حكم مرسي الذي مثل رغم عدم سيطرته الكاملة على الأجهزة المخابراتية والأمنية المصرية، مثَل فرصة للمقاومة في غزة لاقتناص ما ترغب فيه من دعم لوجيستي. ثاني هذه المكاسب، هو تفتيت صورة المصالحة التي جرت على قدم وساق بين حماس وفتح وتفريغ ما حققه حصول فلسطين على لقب دولة غير عضو من مضمونه عبر إظهار مثل هذه العضوية وكأنها بغير آلية تمكنها من المضي قدما ومحاسبة إسرائيل على ما ترتكبه من جرائم ما يعطي انطباعا أن الأمر مر باتفاق على محدوديته وألا يتجاوزه إلى التوقيع على اتفاق روما أو الذهاب للمحكمة الجنائية الدولية .

قرار الحرب في واشنطن

لم تكن واشنطن متفاجئة بالطبع بهذا العدوان أو على الأقل لم يباغتها ، لكنها لم تكن راضية عن توقيته خاصة وأن الأمر هذه المرة يتصل بتفاعلات إقليمية وإعادة رسم لخطوط التماس مع قوى فاعلة كإيران عبر مفاوضات برنامجها النووي التي مُدت شهرا بما يعني رغبة الجميع في التوصل لاتفاق . كي نفهم حدود الدور الأميركي فيما يجري علينا أن نعود سريعا لنوع العلاقة التي تربط الطرفين، فأبجديات العلاقة بين تل أبيب وواشنطن والتي ترقى لمرتبة أكبر من الحليف لتصبح “شريكا”، تقتضي أن يكون التنسيق بينهما عاليا عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط. فإسرائيل التي أخبرت واشنطن أنها ماضية في هذه الحرب لأجل الهدفين الاستراتيجيين اللذين أتينا على ذكرهما سابقا، تقتضي علاقتها مع الشريك واشنطن أن يكون هناك تناغم في الأهداف، لكن ثمة غايات قد تتعارض بينهما، ويمكن أن نقول أن هذه الحرب من حيث التوقيت فقط، وضح فيها تعارض المصالح بين الشريكين، فواشنطن لم تشأ أن تُقدِم إسرائيل على هذه الحرب الآن حتى تنتهي من إعادة تشكيل علاقتها مع طهران والانتهاء من رسم خطوط تماس هذه العلاقة. وإسرائيل ارتأت أنه لا وقت أنسب من المضي قدما في تحقيق الهدفين الاستراتيجيين المذكورين سابقا خاصة مع الوضع في الاعتبار ثلاثة محددات هامة:

أولا: هناك حاجة لاستثمار حالة الرفض داخل مصر لحكم الإسلاميين وجماعة الاخوان تحديدًا في ضمان تحول الدور المصري أثناء الحرب من الوسيط المنحاز الضاغط في عهد مرسي إلى الوسيط صاحب المصالح الشخصية، وهو ما بدى واضحًا من مفردات المبادرة المصرية التي اشترطت ترتيبات أمنية لفتح معبر رفح ما أعطى انطباعا أن السيسي لايريد لهذا أن يحدث .

ثانيا: تبدو إسرائيل من حيث الحدود أكثر أمنا من أي وقت مضى، فالخطوط الملتهبة في سوريا والعراق ولبنان كلها لا تأتي على ذكرها، ويبقى التهديد الوحيد -في ظل سلام مع الأردن ومصر- قادما من قطاع غزة الذي يبدو أن سياسة الحصار لم تجد نفعاً معه. تجدر الحاجة للقضاء على هذا التهديد في ظل حالة الانفصال الإقليمي التي يتعرض لها نتيجة الوضع في مصر وغرق حزب الله في المستنقع السوري وانشغال إيران بإعادة تموضع نفسها إقليميا.

ثالثا: مشاهد القتل اليومية في سوريا والعراق ومصر وليبيا والعديد من البلدان العربية توفر في حد ذاتها غطاءً لارتفاع التكلفة الإنسانية لحرب طويلة على قطاع غزة، فالعقلية العربية أصبحت أكثر استيعابا بصمت لمشاهد القتل من أي وقت مضى . كما أن حالة الامتعاض الصامت للشعوب العربية إثر أزمة التعثر التي تعرض لها الربيع العربي تبدو مناسبة للإمعان في القتل دون اعتراض عربي على ذلك ولو شكليا على الأقل.

إسرائيل ومآلات الحرب

لا تريد إسرائيل أن تنتزع حماس من جذورها لعلمها صعوبة ذلك وإنما تسعى لتقويضها وإضعافها وعزلها، ووفقا لذلك فإنها تسعى لأحد مخرجين :

أولا : مبادرة مصر دون تعديل وهي تحقق الهدف ذاته، إذ ينص البند الأول فيها علي وقف استهداف المدنيين، بدلاً من اتفاق ٢٠١٢ الذي قال “الأشخاص وليس المدنيين” ، والبند الأخير الذي يتحدث عن النظر في فتح معبر رفح وفق الترتيبات الأمنية، ما يعني عمليا بقاء الحال كما هو عليه.

ثانيا : أن تحتل إسرائيل الحزام الشمالي الشرقي من القطاع وتحوله لمنطقة عسكرية، لفترة حتى تنسحب من طرف واحد وتقول أن الحرب مفتوحة وقائمة وتزيد الداخل الغزّاوي سوءا.

وفي الحالتين، فإن إسرائيل مهتمة بخروج الأمر وفق ترتيبات إقليمية ، وإغفال دور حركة حماس والمقاومة، واعتباره بمثابة انسحاب إسرائيلي ووقف للحرب مقابل مجموعة من الترتيبات التي تحفزها على ذلك وقد تتضمن :
– مطالبة مصر بتأمين الحدود ومساعدة المجتمع الدولي لها لمنع تهريب مزيد من الصواريخ للقطاع.
– الإعلان عن دعم متواصل لمنظومة القبة الحديدية الإسرائيلية لصد صواريخ المقاومة .

– فتح معبر كرم أبو سالم للمساعدات الإنسانية التي يقرها المجتمع الدولي مع فرض قيود وعقوبات على قيادات حركة حماس ومنعهم من مغادرة القطاع .

مستجدات قلبت الطاولة

بيد أن ثمة محددات لم تكن في الحسبان قد تغير حسابات إسرائيل وتضربها في مقتل، ومنها:

– أزمة نتانياهو السياسية التي بدأت قبل الحرب والتي تجعله مجبرًا على تقديم مكاسب سريعة ليست بالضرورة استراتيجية يمكن أن يقف ويتحدث عنها أمام الكنيست في إجابته عن سؤال حول مبرره منها.

– خطف الجندي والنظر في مدى كونه حيًا أم لا والذي قد يجبر الوسطاء في التهدئة على الرضوخ لمطالب حركة حماس ما يعيد الأمور لما كانت عليه إبان اتفاق التهدئة عام ألفين واثني عشر.

– قدرات المقاومة المتطورة وارتفاع عدد قتلى الجيش الإسرائيلي، ما يعني أن المقاومة طورت من تحركها على الميدان واستطاعت الاشتباك مباشرة ومداهمة العدو على حدود القطاع بما يجعل إسرائيل في حاجة لتغيير استراتيجيتها في محاربة المقاومة خاصة وأنها اتجهت للقصف عن بعد في مواجهة عمليات الإنزال خلف خطوط جنودها. ولا يعتقد أن نتانياهو يمكنه أن يواصل العملية بنفس الزخم مع استمرار سقوط القتلى في صفوف جيشه يوميا، دع عنك كون أحد الجنود مفقودًا حتى الآن.

– الخسائر الاسرائيلية المادية التي نتجت عن توقف مطار بن غوريون عن العمل للمرة الأولى خلال حرب على قطاع غزة وهو الأمر الذي يوضع في الحسبان عند الحديث عن الخسائر والأوراق السياسية الداخلية لأنداد نتانياهو عندما يسألونه عن الحرب وأهدافها وخسائرها .

وتبدو الأبجدية الأولية للحديث عن انتصار إسرائيلي في هذه الحرب مرتبطة بتمكن إسرئيل من فرض شروطها على المقاومة والتوصل لترتيبات جديدة مع حركة حماس بضغط إقليمي تماثل تلك التي توصلت إليها مع حزب الله بعد حرب 2006 . لكن وحتى الآن فإن القتال دفع الغزيين الى لملمة صفوفهم، والفصائل إلى التغاضي عن التباينات بينها، وفرض تضامناً بين الجناحين الفلسطينيين المنفصلين سياسياً وجغرافياً.

وبالنسبة لحركة حماس فإنها نجحت في تحويل تفوقها الميداني النوعي هذه المرة إلى إعادة التذكير بالوضع الإنساني الصعب الذي تعيشه غزة، والحاجة الى رفع الحصار، كما تعاملت حماس بخطاب سياسي حكيم ومتزن إزاء تأخر دعم السلطة الفلسطينية ووقوفها بجانب المبادرة المصرية التي رفضتها فصائل المقاومة.

لقد نجحت حماس في التأكيد على ترتيبات مهمة تتصل بأي جهود للتهدئة وهي فتح المعابر، والسماح بتشغيل ميناء بحري ومطار في القطاع، ووضع معبر رفح مع مصر تحت إشراف دولي، ونشر مراقبين دوليين عند الحدود مع إسرائيل.