حمى الذهب الجديدة في الشرق الأوسط

محلل سياسي في الشؤون السياسية-العسكرية

2 يونيو , 2015 أوروبا وأمريكا, الشرق الأوسط


سباق المفاعلات النووية – رؤية أمريكية [1]

ثمة حمى ذهب تستعر في الشرق الأوسط، مع أن المعدن الثمين ليس ما يسعى إليه المنقبون الجدد. ما يبحثون عنه هو مبيعات المفاعلات النووية التي كثر الحديث عنها في العقود الماضية، وتكتسب اليوم زخمًا جديدًا. حتى الآن، تحتل روسيا موقع الريادة في السوق الجديد، فبعد بنائها محطة الطاقة النووية الوحيدة العاملة في المنطقة- مفاعل بوشهر الإيراني- ستباشر العمل لاحقًا في العام الحالي أو العام القادم على بناء أربعة مفاعلات في تركيا، على أن يبدأ تدفق الطاقة مطلع العشرينيات. كذلك عقدت روسيا اتفاقات مع الجزائر ومصر وإيران والأردن، وتسعى إلى دخول السوق النووي السعودي.

وتحاول باقي الدول اليوم التعويض عن الوقت الضائع. كوريا الجنوبية تعاقدت لتوها مع الإمارات العربية المتحدة لبناء أربع محطات طاقة نووية، ويتوقع أن تكون أولها جاهزة للعمل عام 2017. الأرجنتين وكندا والصين وجمهورية التشكيك وفنلندا وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة هي من بين الدول الساعية إلى عقد اتفاقات لبناء المفاعلات و/أو الفوز بصفقات تخديمها وتزويدها بقطع الغيار. أما الولايات المتحدة، الخاضعة للمادة 123 من قانون الطاقة النووية الأميركي- التي تتطلب الالتزام بمجموعة معايير الحد من انتشار الأسلحة النووية لقاء تلقي مواد أو معدات أو عناصر نووية أميركية- فتجد نفسها مقيدة إلى حد أبعد في محاولتها استغلال الأسواق النووية الصاعدة. مع ذلك، وعلاوة على تزويدها الإمارات العربية المتحدة بقطع تبديل وخدمات دعم هندسي نووي بموجب اتفاقية ثنائية تخضع للمادة 123، فقد أعلن مكتب التجارة الأميركي أن شركتي “جي. إي-هيتاشي” و”توشيبا-وستنغهاوس” وقعتا عقدين مع شركة إكسيلون (Exelon) الأميركية للعمل على بناء مفاعل نووي في العربية السعودية، على أمل نجاح المفاوضات حول إخضاح الاتفاق للمادة 123 من القانون الأميركي ذاته.

وبغض النظر عن الطاقة الواعدة للمفاعلات النووية السلمية، يبدو أن هناك تجاهل واضح للمخاطر الأمنية المتأصلة في بناء مفاعلات نووية في الشرق الأوسط- ولا يقتصر ذلك على المخاوف الشائعة حول كون المفاعلات نذير الأسلحة النووية والخطوة الأولى للحصول عليها. الخطر الحقيقي يكمن في إمكانية تحول المفاعلات نفسها إلى رهائن أو أهداف للمتطرفين العدميين في الشرق الأوسط، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى كوارث على شاكلة تشيرنوبيل أو فوكوشيما.  

ما حجم الخطر؟ التاريخ يرسم صورة معقدة. من جهة، لم ينجح إرهابي أو دولة بعد في شن هجوم على محطة طاقة نووية عاملة. المثال الأقرب كان خلال الحرب الأهلية اليوغسلافية، حين حلقت طائرة عسكرية صربية سريعًا فوق مفاعل كرشكو في سلوفينيا. لكن لم يعقب ذلك هجوم فعلي، ولم تسفر تهديدات القوميين الصرب بتخريب المفاعل عن شيء يذكر.

غير أن نموذج يوغسلافيا السابقة لا يقدم الكثير من العزاء للشرق الأوسط، وهو المنطقة الوحيدة في العالم التي شهدت شن هجمات فعلية على مفاعلات نووية. لحسن الحظ، لم تدمر الهجمات إلا مفاعلات قيد الإنشاء- سواء القصف الجوي العراقي المتكرر لمفاعل بوشهر خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، أو تدمير إسرائيل مفاعل أوزيريك العراقي ومفاعل الخبر السوري عامي 1981 و2007. لم يتساقط الغبار النووي القاتل على المدنيين تحديدًا لأنه لم يكن ثمة مواد نووية في المفاعلات بعد. العمل العسكري الوحيد ضد مفاعل نووي عامل كان عامي 1991 و2012، حين حاول العراق وحركة حماس، وفشلا تباعًا، في تدمير مفاعل اسرائيل الصغير للأسلحة النووية في ديمونا، عبر استهداف المنشأة بالصواريخ والقذائف.

لكن المفاعلات تبقى أهدافًا جذابة. حزب الله هدد بقصف مفاعل ديمونا بترسانة صواريخه إذا نشبت الحرب مجددا مع اسرائيل. كذلك أعلنت إيران أن المفاعل على قائمة أهدافها. وبالنظر إلى الفوضى العارمة والعنف المدمر اللذين تزرعتهما الدولة الإسلامية (وتعرف كذلك بـ”داعش”) والتنظيمات المشابهة في المنطقة، وإلى فلسفة نهاية العالم التي تؤمن بها، فإن احتمالات شن هجوم على محطة توليد طاقة نووية عاملة تبقى واردة ومعقولة ولا يمكن إنكارها. بالنظر أيضا إلى الأداء المضطرب والمتواضع (في أحسن حالاته) لقوات الأمن الداخلي والدفاع في المنطقة، لا يمكن فعليا ضمان أمن محطات الطاقة النووية في الشرق الأوسط.    

إذا نجح الإرهابيون في مهاجمة محطة توليد طاقة نووية عاملة، فستعتمد الآثار على مصداقية نظم الاحتواء داخل المفاعل نفسه، وقدرة طاقم موظفي الطوارئ على منع الانبعاثات أو كبحها، وهو تحد صعب حتى لأكثر الدول تقدما، كما أدركت اليابان في فوكوشيما. ووجود الإرهاب المستدام أو الحرب أو الحروب الأهلية خلال فترة تضرر المفاعل يعقد الأمور إلى درجة أبعد بكثير.

قد يكون من المجدي المغامرة بتحمل المخاطر الأمنية لو كانت المنطقة تواجه فعلاً نقصًا خطيرًا في إمدادات الطاقة. صحيح أن دول المنطقة الغنية بالنفط والغاز- الجزائر وإيران والعربية السعودية وغيرها- تواجه مشكلة استنفاذ ونضوب مصادر النفط الأحفوري لديها؛ وصحيح أن دول أخرى، بما فيها مصر والأردن، تبقى محدودة الموارد النفطية. لكن كل دول الشرق الأوسط تشترك بمصدر طاقة بديل تزداد باطراد درجة واقعيته وعمليته- الطاقة الشمسية.

وتشكل الطاقة الشمسية للتو حيزًا متناميًا من قطاع الطاقة المحلية في عدة دول شرق أوسطية، بما فيها الجزائر والمغرب والإمارات العربية المتحدة. في عام 2013، دشنت الإمارات ما كان يعتبر آنذاك أكبر محطة توليد طاقة شمسية في العالم. وفي عامي 2014 و2015، أعلنت مصر وإيران والأردن التزامها بتوسيع منشآت الطاقة الشمسية لديها على نطاق واسع وجذري، في حين وضعت السعودية خططًا لتوليد ثلث طاقتها الكهربائية من الشمس بحلول عام 2040. لكن الرياض تريد أيضا بناء 18 مفاعلًا نوويًا توفر مستوى طاقة قاعدي ومستقر يعوض عن نقص مخزون الطاقة الشمسية في الليل، علاوة على تقليص اعتماد المملكة على مصادر النفط الأحفوري.

سوف يصعب الاستمرار بتبرير الحاجة إلى الطاقة النووية بتلك الطريقة، خصوصًا مع تحسن خلايًا تخزين الطاقة الشمسية، وازدياد كفاءة مصانعها، ورخص تكاليف بنائها مقارنة بمحطات الطاقة النووية. أما المحطات العاملة بالغاز والنفط فستبقى مصادر طاقة احتياطية وداعمة.

إن على صناع القرار في الشرق الأوسط سؤال أنفسهم عما إذا كان خطر اللعب بالمفاعلات النووية يستحق المغامرة (وهي مغامرة أشبه ما تكون بلعبة “روليت روسية”). ويتحتم على مخططي الطاقة في الشرق الأوسط إعادة التفكير الآن، قبل انتشار المفاعلات النووية وتكاثرها في المنطقة.


[1] مجلة فورن أفيرز، الإثنين 25\5\2015م