خراب مصر بعد الربيع العربي


خراب مصر وعبدالفتاح السيسيعبدالفتاح السيسي في زيارته لبرلين 3-6-2015
خراب مصر بعد الربيع العربي
مقال مترجم عن مجلة الإيكونومست
القمع وعدم كفاءة عبدالفتاح السيسي يذكيان نار الانتفاضة القادمة

يُعرفون في مصر بـ”شباب المقاهي”، وفي الجزائر بـ”الحيطيس” (“مُسَنِّدي الحيطان”)، ويطلق عليهم في المغرب- بالتعبير الفرنسي (“diplômés chômeurs”)- “الخريجون العاطلون”. إن صفوف الشباب الساخطين في العالم العربي تتضخم باطراد. 

في أغلب بلدان العالم، يقود ازدياد أعداد الشباب إلى طفرة اقتصادية وازدهار. لكن طغاة العرب يعتبرون الشباب تهديدا- ومعهم حق. فالشباب أفضل تعليما من آبائهم، وأكثر اتصالا بالعالم الخارجي، وأكثر ريبة بالسلطتين السياسية والدينية. والشباب كانوا طليعة انتفاضات 2011، فأطاحو بحكام تونس ومصر وليبيا واليمن، وروعوا الملوك والرؤساء العرب في العديد من الدول الأخرى.

تلك الدول الآن، باستثناء تونس، إما انزلقت في أتون حرب أهلية أو شهدت ردة ثورية مضادة. ولذلك يزداد مصير الشباب العربي سوءاً، إذ صار من الأصعب عليهم إيجاد عمل، ومن الأسهل أن يؤول مآلهم إلى زنزانة معتقل. لقد أصبحت خياراتهم إجمالا الفقر، أو الهجرة، أو- بالنسبة لأقلية منهم- الجهاد.

هذا بلا شك يخلق الظروف للانفجار القادم. ولا مكان آخر أدعى للقلق من مصر، تحت حكم رجلها القوي عبدالفتاح السيسي، جراء هذه الخلطة السامة من الضغط الديموغرافي والقمع السياسي والعجز الاقتصادي.

معركة التضخم الشبابي

كما يُظهر ملخصنا عن الشباب العربي، فإن الشرق الأوسط هو المكان الذي يشعر فيه الناس بالقدر الأكبر  من التشاؤم والقدر الأكبر من الخوف، خشية أن يعاني الجيل القادم وضعاً أسوأ من الجيل الحالي. وتتزايد أعداد سكان البلدان العربية بسرعة استثنائية. فعلى الرغم من أن نسبة مَن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً بلغت ذروتها عام 2010، حيث وصلت إلى 20% من مجموع عدد السكان البالغ 357 مليون نسمة، فإن العدد الإجمالي للشباب العرب سيظل في ازدياد، وسوف يرتفع من 46 مليوناً عام 2010 إلى 58 مليوناً عام 2025.

تعد مصر، باعتبارها أكبر دولة عربية، محورية لمستقبل المنطقة. إذا نجحت، سيبدو الشرق الأوسط أقل تخلّفاً، وإذا أخفقت فإن تشوّهات اليوم ستغدو أكثر قبحا. لقد أثبت السيد السيسي، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2013، أنّه أكثر قمعيةً من حسني مبارك الذي أطيح به إبان الربيع العربي، وأكثر عجزا وعدم كفاءة من محمد مرسي، الرئيس الإسلامي المنتخب الذي عزله السيسي.

النظام المصري اليوم مفلس تمامًا، وباقٍ على قيد الحياة فقط بـ “حقنات” نقدية سخية من دول الخليج (وبدرجة أقل، مساعدات عسكرية من أميركا). لكن حتى مع مليارات البترودولار، فإن العجوزات في ميزانية مصر العامة وحسابها الجاري تتفاقم باطراد، بمعدل 12% و7% على التوالي من الناتج المحلي الإجمالي. ومع كل التباهي القومي للسيد السيسي، فقد ذهب بخنوع إلى صندوق النقد الدولي يطلب إنقاذا ماليا بقيمة 12 مليار دولار.

تصل نسبة البطالة بين شباب مصر اليوم إلى أكثر من 40%. الحكومة متخمة بموظفين حكوميين لا يعملون شيئاً. وفي اقتصاد دولة مصاب بتصلب مزمن في شرايينه، يعجز القطاع الخاص المصري عن استيعاب حشود العمال الجدد المنضمين إلى سوق العمل كل عام. ومن المذهل في النظام المصري المتصدع، أنّ أرجحية بقاء خرّيجي الجامعات عاطلين عن العمل أعلى من مثيلتها بين شبه الأميين.

تنبع كوارث مصر الاقتصادية جزئياً من عوامل خارج سيطرة الحكومة. فأسعار النفط المنخفظة تؤثّر على اقتصادات كل البلدان العربية، بما فيها مستوردي الطاقة الصافية المعتمدين على التحويلات الخارجية. كذلك أبعدت الحروب والإرهاب السيّاح عن منطقة الشرق الأوسط. كما كان لأخطاء الماضي وطأتها الثقيلة أيضا، بما في ذلك تركة الاشتراكية العربية، ومصالح الجيش التجارية الهائلة.

لكن السيد السيسي يزيد الأمور سوءاً. فهو يصر على حماية الجنيه المصري، ليتجنّب تفاقم التضخم المالي ويتفادى اندلاع انتفاضات الخبز. يظن أنه بدعم العملة يستطيع التحكّم بتكلفة الغذاء، الذي يُستورد معظمه من الخارج. لكن نظم السيطرة المالية فشلت في منع ظهور سوق سوداء لصرف الدولار (حيث يتداول الجنيه المصري بحوالي ثلثي قيمته الرسمية). كما أحدثت نقصا في قطع الغيار والآلات المستوردة، ما يزيد في كل الأحوال من معدلات التضخم (14% وتتصاعد)، ويضر بالصناعة، ويخيف الستثمرين ويدفعهم للهروب.  

كان ينبغي أن تكون مصر في وضع جيد للاستفادة من التجارة العالمية، كونها تتربع على قناة السويس، أحد أعظم شريانات التجارة في العالم. لكن مصر تقبع في أسفل قائمة البنك الدولي لـسهولة الأنشطة والأعمال التجارية. وبدل الحد من الإجراءات الروتينية لإطلاق مواهب شعبه، صب السيسي أموال دافعي الضرائب في مشاريع ضخمة ومتكلفة. إذ وسّع  قناة السويس، لكن إيراداتها بقيت في تدهور مطرد. أما خططه لبناء مدينة تجارية جديدة في الصحراء، على غرار دبي، فتقبع مدفونة في الرمال. ومؤخرا أثار بناء جسر مقترح يربط مصر بالسعودية احتجاجات واسعة، بعد أن وعد السيد السيسي بإرجاع جزيرتين كانتا لأمد طويل تحت السيطرة المصرية إلى السعودية.  

يبدو أنّ حتى ممولي السيسي العرب يشعرون بنفاذ الصبر. فقد عاد مستشارون من الإمارات المتحدة إلى بلدهم، محبطين من بيروقراطية متصلبة، وقيادة حمقاء تعتقد أن مصر ليست بحاجة إلى مشورة من “عربان خليجيين” مبتدئين ومحدثي نعمة- قادمين من مجرد “أشباه دول… عندها فلوس متل الرز”- كما سُمع السيسي ومعاونوه يقولون في تسجيل صوتي مسرّب.

هل الجنرال الذي تعرفه أفضل؟

لا يملك العالم خيارات كثيرة وهو مضطر للتعامل مع السيسي، نظرا لأهمية مصر الاستراتيجية. لكن يجب على الغرب أن يتعامل معه بمزيج من البراغماتية والإقناع والضغط. على الغرب أن يوقف بيع الأسلحة باهظة الثمن، التي لا تحتاجها مصر ولا تتحمل تكلفتها، سواء كانت طائرات أميركية من طراز إف-16 أو حاملات طائرات مروحية فرنسية من طراز ميسترال. ويجب أن تكون أي مساعدة اقتصادية مشروطة ببنود صارمة: يجب في النهاية السماح بتعويم العملة؛ ويجب تقليص حجم قطاع الخدمة المدنية؛ ويجب إلغاء برامج الدعم المكلفة والمنخورة بالفساد تدريجيا؛ وينبغي تعويض الفقراء بدفوعات مباشرة في الوقت الملائم.

ويجب فعل كل ذلك تدريجيا، فمصر أكثر هشاشة، والشرق الأوسط أكثر تقلّباً، من تحمّل علاج الصدمة. سوف تعمل البيروقراطية المصرية لإحداث تغييرات جذرية في كل الأحوال، لكن إعطاء وجهة واضحة للإصلاح سيساعد في إعادة الثقة بالاقتصاد المصري. ويتحتم على عرب الخليج الإصرار على مثل هذه التغييرات، وبدون “بعض الأرز” إن أبدى السيسي أية مقاومة.

لقد خفت الحديث الآن عن قيام انتفاضة أخرى، أو حتى انقلاب آخر للتخلص من السيد السيسي. فالشرطة السرية، التي أخذت على حين غرة عام 2011، أكثر جدية اليوم في البحث عن أية معارضة وسحقها. لكن الضغوط الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية داخل مصر تتصاعد بلا هوادة. إن السيسي غير قادر على توفير استقرار دائم لمصر، ولابد من إعادة فتح النظام السياسي المصري.

أحد الأمكنة المناسبة للبدء في ذلك هو إعلان السيسي عن عدم ترشحه ثانية في انتخابات عام 2018.