دولة البوليس: قراءة في طبيعة الدولة الحديثة من خلال هوبز

أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية

28 يوليو , 2015 كل المناطق


  

صدر كتاب”دولة البوليس: قراءة في طبيعة الدولة الحديثة من خلال هوبز” عن دار سحر للنشر بتونس في شهر يناير 2015. وهو من تأـليف الدكتور محمد الرحموني أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية. والكتاب في الأصل رسالة ماجستير في الفلسفة السياسية ناقشها المؤلف بتاريخ 14 يوليه 2014 بعنوان ” الدولة في فلسفة هوبز السياسية: من الصورة إلى المفهوم”.

الربيع العربي والفلسفة

   لقد تزامن إعداد هذا العمل مع بدايات ثورات الربيع العربي حيث كان الصراع على أشده بين الدولة “الوطنية” المحدّثة (والعبارة تهجينية استعملها المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي لينعت بها المجتمعات العربية في القرن العشرين) وجموع الثوار. وكان مدار هذا الصراع من يمتلك الشارع. كانت الجموع الغاضبة في تونس ومصر واليمن وسوريا والمغرب وغيرها تسارع إلى الشوارع والساحات والميادين تعتصم بها وفيها. حقا إنّ الثورة لا تعرف قيامتها إلاّ في الشارع. وبكلمة أدق الثورة لا معنى لها إذا لم تستعد “الحق في الشارع”، وكل شعارات الثوار إنما هي ترجمة لهذا الحق:”نحن باقون هنا، صامدون هنا، نحن مرابطون هنا.. ارحل…Dégage “. وهكذا فإنّ التحكم في الشارع هو التحكم في الحركة السياسية. إنّ الكتاب، بمعنى ما، بحث في فلسفة ثورات الربيع العربي.

السلطة مرئية أو لا تكون

    لماذا اختار هوبز تجسيد الدولة في صورة ذلك الوحش البحري الخرافي المسمّى “لويثان” Léviathan؟ التعاطي مع هذا السؤال يبدأ بما كتبه هوبز نفسه في مقدمة كتاب “لويثان”: “إن الطبيعة (أي الفن الذي صنع به الله العالم ويحكمه) يقلّدها فن الإنسان، كما يقلّد أشياء كثيرة أخرى، إلى حدّ إمكانية صنع حيوان اصطناعي(…) ذلك أنه بواسطة الفن، يخلق ذلك اللويثان الضخم المدعو جمهورية أو civitas باللغة اللاتينية، والذي ليس سوى إنسان اصطناعي، وقد خُلق محبيّا بقامة وقوّة أضخم من تلك التي يتمتع بها الإنسان الطبيعي وذلك من أجل حمايته والدفاع عنه،، وفيه تشكّل السّيادة روحا اصطناعية للدّولة، فهي تعطي الحياة والحركة للجسم كلّه، ويكون القضاة وغيرهم من مسؤولي القضاء والتنفيذ مفاصل اصطناعية”. لويثان إذن، وحش أسطوري، استعاره هوبز من “العهد القديم” ليكون خير مجسد للدولة من جهة كونها حامية للإنسان الطبيعي الذي يعيش حالة خوف مستمرة نتيجة حالة الحرب الدائمة والشاملة التي قضي عليه أن يعيشها. وهكذا عبّر هوبز منذ البداية عن هذا التلازم بين الرسم والكتاب أي بين الصورة والمفهوم. وبذلك أضحت الدولة مرئية. وعليه فإن كتاب “لويثان” ليس فقط تأسيسا لنظرية الدولة الحديثة بل هو كذلك تدشين للأيقنة السياسية iconographie politique.

   في هذا المجال نجح هوبز في جعل الصورة جزءا من تاريخ الفلسفة عموما والفلسفة السياسية تحديدا. ولكن نجاحه الأبرز يكمن في إظهار السلطة visibilité du pouvoir. وبذلك تجاوزت الصورة ميدان الإبداع الفنيّ إلى ميدان ما فوق فنيّ. لقد أضحت الصورة فكرة فلسفية ونظريّة في السياسة ترجمت بصدق عن عملية علمنة التيولوجيا السياسيّة. يظهر ذلك من خلال غياب رجال الدين عن الصورة وكذلك غياب الآلهة وتنوّع رموز السلطة الدينية بتنوّع طبعات كتبه. كلّ ذلك لأجل هدف أساسي: وضوح السلطة. ويشهد لذلك إبرام الرعايا للعقد وانخراطهم فيه، فهم يعرفون الآن جيّدا من يحكمهم )أبصارهم متجهة إلى وجه العملاق( ويعرفون حقوقهم وواجباتهم.

لقد نجح هوبز في النهاية في استبدال النموذج الأيقوني الوسيط، حيث كانت صورة مريم العذراء تضم تحت معطفها كل أعضاء الهيئة الاجتماعية والدينية رمزا للسلطة الدينية، بنموذج جديد حلت فيه الدولة والسلطة المعلمنة محل العذراء.

الدولة الحديثة: حركة وسرعة

   التدقيق في مكوّنات صورة “لويثان” يفضي إلى تبيّن ركائز الدولة الحديثة المتمثلة أساسا في “الحركة” و”السرعة”.

   لفلسفة هوبز السياسية علاقة غير خافية بفيزياء غاليليGalilée. فهوبز لم يكن يرى أن غاليلي هو واضع أسس علم الميكانيك وحسبُ بل إنّه أسهم بشكل واضح في التأسيس لفلسفة طبيعية جديدة. وقد بدا تأثر هوبز بهذه الفيزياء الجديدة منذ الفصل الأول من “لويثان” حيث سعى إلى تحليل “ميكانيزم الإحساس الإنساني” والبحث عن علّته الأولى. وانتهى به تحليله إلى أن الإحساس الذي هو نتيجة تأثر الحواس بمحفّزات خارجيّة ليس في النهاية سوى تمظهر لشكل من أشكال الحركة. وهكذا لم تعد الحركة خاصية علم الفيزياء بل أصبحت تشمل كل شيء بما في ذلك الأهواء الإنسانية. وعليه فإنّ تمثلات الإنسان عن العالم الخارجي ينبغي أن تُفسّر سببيّا أي ينبغي اعتبارها من جهة كونها جملة حركات تتمّ انطلاقا من مؤثرات خارجية.

   وفق هذا الميكانيزم فإنّ الإنسان لدى هوبز هو إنسان خائف يسعى إلى الأمن لا إلى الحرية. والقوة التي تحركه هي قوّة فيزيائية نابعة بدورها من مبدأ الحركة العام في الطبيعة. إن جوهر الإنسان يكمن في بحثه الدّؤوب عن السلطة. وهكذا فالهوى الإنسانيّ الأقوى لدى هوبز هو هذا السعي الذي لا يكلّ ولا يمل نحو السلطة. فكل فرد مسكون بحب التسلّط ولا يدرك هدفه إلا بالقضاء على رغبات الآخرين في التسلّط.    ولتجاوز هذه الطبيعة الفوضوية اقترح هوبز كما هو معلوم عقدا ينجزه الأفراد في ما بينهم وتتكفل الدولة بالسهر على احترامه. يتجلّى دور الدولة أساسا في مراقبة حركة هؤلاء الذين لم يمنعهم في ما مضى مانع من التحرك الدؤوب نحو السلطة مع ما كان يترتب عن ذلك من حرب لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. إنها الحرب على الحركة المطلقة أي على الحرية المطلقة التي كان “يتمتع” بها الأفراد في حالة الطبيعة. ولا يكون ذلك إلا بالمراقبة وإقامة الحواجز. لقد زعم هوبز أنّ مهمة دولته الحديثة هي منع إنسان الطبيعة من “حقّه في قتل الآخرين” ولكن الوقائع التاريخية بيّنت أن مهمة هذه الدولة هي منع هذا الإنسان من الحركة: رغم أنّ اليد اليمنى للويثان لا يتجاوز طولها الاثني عشر مليمترا فإنها تحتوي على جمع كبير من الأفراد يتكاثرون كلّما صعدنا من الإبهام باتجاه الكتف. هذه اليد الضخمة أو بالأحرى المتضخّمة تحيل في المستوى الأول الثيولوجي إلى “الوحش البحري الهائل الذي يقهر كل الوحوش الأخرى ويسيطر سيطرة تامة على جميع الحيوانات الموجودة في مملكته”. وتحيل في المستوى الثاني أي المستوى السياسي إلى القوة وسلطة القانون لأجل القضاء على كل عوامل الفوضى والاضطراب. إن هذه المهمة بالذات هي التي تجعل منه شرطي مرور ومن سلطة الدولة مدينة Polis وشرطة Police أي هي مركز يتحكم في المواصلات. إن هذه الصورة تجعل من سلطة الدولة سلطة مادية عينية وتجعل في الآن نفسه التمظهرات الأخرى لسلطة الدولة تتوارى (سلطة الطبقة المهيمنة كما في الفلسفة الماركسية على سبيل المثال).

   ووفق هذه السلطة التي تجمع بين “المدينة” و”الشرطة” يُضْحي رهان الدولة الأساسي هو الشارع فمن يسيطر على الشارع يمتلك الدولة لأنّ جذور السلطة منغرسة في الشارع. وهكذا يكون الإشراف على حركة المرور هو الشرط الأول للسيطرة على الشارع ومن ثمة على الدولة وذلك عبر التحكّم في حركة “سيلان الجمهور” ومنعه بكل الطرق من امتلاك الشارع ومن حرية التصرف فيه ولا يتأتى ذلك إلا عبر استعادة كل عناصر الدولة / الحصن. ومن ثمة تصبح أبواب المدن وجماركها ونقاط الاستخلاص على الطرق السيارة ومدن الصفيح والثكنات والسجون والملاجئ… بمثابة حواجز وكوابح أمام حركة مرور الأشخاص والبضائع والأفكار.

للحركة علاقة وثيقة بالزمن كما بيّن ذلك أرسطو. ومن ثمّة فإنّ لدولة هوبز علاقة بالزمن. وهكذا يبرز ” لويثان” شكلا من أشكال التمثل االذي يحيل على العلاقة الوثيقة بين الصورة وكيفية بناء الزمن، فانطلاقا من القرن الرابع عشر أمكن للرسّامين والنحّاتين تحدي موت الملوك عبر نشر رسومهم وتماثيلهم ليس فقط حفاظا على ذكراهم بل أساسا حفاظا على “ذكرى مُلكهم”. لقد انتشرت منذ تلك الفترة ظاهرة تعظيم أجسام الملوك الوهمية وضمان استمراريتها في الحياة ضمن زمن اصطناعي le temps artificiel des corps fictifs. فقد كان يُحمل مع نعش الملك الميّت جسد صناعي هو نسخة منه الغاية منه توجيه الاهتمام نحو صورة العاهل حتى يدرك الناس من خلالها فكرة التمثيل السياسي la représentation politique. هذا الربط بين الصورة والمفهوم المنجز سنة 1509 بمناسبة حفل تأبين الملك هنري السابع أفضت إلى  ظهور مدرسة الحقيقة Vérisme المتخصّصة في الرسوم وصناعة التماثيل، كما انتشرت ظاهرة القبور ذات المستويين tombeau à deux ponts، مستوى يضمّ جثّة الملك المتوفّى ومستوى ثان يضمّ تمثاله النابض بالحياة.

     لقد ورث هوبز هذه الفكرة عن علاقة الزمن بالتمثيل السياسي لذلك سعى من خلال هذا الإنسان الآلي / لويثان إلى جعله وسيلة لتمثّل حياة أبدية آلية: إنّ هذا الإنسان الآلي الذي يمثل الدولة مُنشدٌّ إلى حياة أبدية صناعية. فكيف ذلك؟

   يلحّ هوبز على أهمية الزّمن في تفادي الحرب الأهلية. فلمّا كانت الحرب لا ترتبط بوجود معارك فعلية وإنما في وجود حيّز زمني تكون فيه إرادة القتال أو الرغبة في القتال متوفّرة وجب الانتباه إلى مفهوم الزمن، فبدون لويثان لا يمكن وضع حدّ للحرب أمّا غيابه فيعني ضرورة أننا نعيش حالة الحرب. ويزداد الأمر خطورة في حال موت العاهل ذلك أنّ الزمن الفاصل بين موته وتنصيب خليفته مهمّ جدا في تحديد الوجود الإنساني. ذلك يعني أن السرعة تؤدي من جهة الدولة إلى منع الحرب ومن الجهة المقابلة إلى القدرة على الحرب. واجب الدولة إذن هو العمل على أن تكون أسرع من رعاياها. وعليه يرسم لويثان لنفسه هدفا هو الديمومة. ولكن هذا الدوامpermanence ليس ذا خاصية سكونية. إنّ لويثان باعتباره رسما ( أو صورة) للدّولة المبنية على الحركة يشتمل الحضور الطبيعي للذئب داخل الإنسان وذلك بواسطة تتابعات لحظات. هذا ما يشكّل حيويته الخلاّقة للزمن. ولكنه يشـكّل أيضـا في نفـس الآن مشكلته الرئيسة: انسياب اللحظات ضمن الديمومة. أي أنّ وجود هذا الإنسان المستعدّ دوما للحرب يظل تهديدا مستمرا لحالة السلم الدائمة التي تجسّدها الدولة. ولذلك ليس من باب الصدفة أن يهدف رسم لويثان إلى المراوحة بين الحركة والزمن. إن التنظيم المعماري الدقيق للمدينة وغياب أي مظهر من مظاهر الخراب سواء داخل الأسوار أم خارجها، كل ذلك يعطينا الانطباع بأنّ الغاية من الرسم إظهار سيادة الأمن على أنقاض حالة الحرب بعدما يتمّ التخلص من حرب الكلّ ضد الكلّ. وهكذا فإنّ الأشخاص الظاهرين داخل المدينة هم أيضا لا يشكّلون أشخاصا يتنعمون بلحظات هناء ولكنّهم شهود على ما يتهدد المدينة. ولا أثر في الرسم للحركة مما يعطي الانطباع أن الحياة في المدينة قد توقفت للحظة. إنّ الأشخاص المكوّنين لجسم لويثان متراصّون كما لو أنهم يسعون للإفلات من خطر داهم. ثم ّإنّ توجه أنظار الشخوص المكوّنة لجسد العملاق نحو وجهه تحيل على لحظة انخراط الكلّ في العقد الذي “خُلق” بموجبه هذا العملاق/ الدولة. وأخيرا فإنّ كثرة الأشخاص المكوّنين لجسم لوثيان يقابله فراغ المدينة ومحيطها وخلوّها من المارة. إنّ هذا الآلي المجسّد للدولة يقف شاهدا على لحظة انخراط الكلّ في العقد مفوضين للويثان كلّ رغباتهم الذاتية الهدّامة. إن لحظة إبرام العقد تؤكد لكل ملاحظ أن سيادة الاستقرار والأمن هو رهين العوْد الأبدي لهذه اللحظة التأسيسية، لحظة إبرام العقد.

الثورة: خروج من المدينة وتدمير للدولة

     هناك مدخلان أساسيان لتبيّن معنى الثورة لدى هوبز: فهمه للحرية المضمّن في كتاب “لويثان” وموقفه من الثورة الإنجليزية المضمّن في كتاب “بهيموت”، والمدخلان كلاهما لا يمكن استيعابهما إلا في إطار تصوّره للدولة ووظيفتها. وبالفعل لم يكن لهوبز أن يرى الثورة ويتعاطى معها إلاّ من خلال دولته المنوط بها مراقبة المجتمع في حركاته وسكناته. يتضح ذلك منذ تأكيده المتواصل على صورة الدولة بما هي مقرّ يشرف على المجتمع ويراقبه.

   تعني الحريّة لدى هوبز غياب العوائق أمام الحركة، والحركة لا تشمل الأجسام وحسبُ بل تشمل الأهواء والرغبات واللّغة. ولمّا كان الإنسان في حالة الطبيعة ” عبدا” لأهوائه فهو إنسان حرّ. وقد مثّل هوبز لهذه الحرية بهنود أمريكا وقد ارتبطت حياتهم بالحرب الأهلية. مما يعني أن التلازم بين الحرية الطبيعية والحرب تلازم السبب بالنتيجة. أمّا الثورة فهي، في عرفه، حركة دائرية يائسة على أساس أن السلطة ” تدور” من شخص إلى آخر ولكنها تعود في النهاية إلى مستقرها الطبيعي. هذه الحركة الدائرية (والمصطلح في أصله فلكي: ظاهرة دوران الكواكب) يائسة وبائسة لأنها ترتبط بالأهواء والغرائز “البهيمية” (ومن هنا سمّى كتابه المتعلق بالثورة ” بهيموث”Béhémoth ). إنها تحيل على حالة الطبيعة.

    يُسمِّي هوبز السّاعين إلى السلم اجتماعيينsociables أيْ أولئك الذين لهم قابلية العيش المشترك ضمن مجتمع. أمّا السّاعون إلى الثورة فهم المتمردون Rebelles أيْ غير القابلين للعيش في المجتمع. ذلك يعني أن الثورة لدى هوبز هي تعبير عن الرّغبة في العودة إلى حالة الطبيعة أي التخلّي عن العقل والخضوع للغرائز الحيوانية التي تَبرُزُ في النزوع إلى السيطرة على الآخرين وتجاوز الحدود الاجتماعية التي تمثّل أساس الحياة الاجتماعية والمدنية. ولقد جسّد هوبز هذا المعنى من خلال الرسوم التي ظهر فيها الهنود الحمر رمزا لحالة الطبيعة على أساس أن وجودهم لم يرتبط بعقد اجتماعي. يعني ذلك أيضا أن الثائرين يوجدون زمانيا في مرحلة ما قبل الدولة ومكانيا خارج المدينة. الثورة بهذا المعنى هي خروج من الدولة وعليها.

     ومن هنا كانت مهمة الدولة مهمةً شُرَطِيّةً بامتياز، فشرط عدم العودة إلى حالة الطبيعة هو محاصرة أهواء الناس ورغباتهم الكامنة أو الفعلية في الحرب. ولا يكون ذلك إلاّ عبر فكرة المراقبة أيّ السيطرة على الفضاء لذلك كانت أبواب المدن وجماركها وثكناتها وسجونها…حواجزَ للتحكم في كلّ حركة تروم مواجهة الدّولة. دولة هوبز ضرورية لأنّ غيابها يعني العودة إلى حالة الطبيعة، حالة حرب الكلّ ضد الكلّ، فلا مجال إذن للبقاء دون دولة . هذا ما جعل هوبز يسمح للمواطنين بحق نقض العقد مع العاهل في حال هزيمته أمام عدو خارجي شرط الخضوع للعاهل الجديد.

إضافات

الدراسات حول هوبز عموما وكتاب ” لويثان” تحديدا ” لا يحصيها إلا الله” ومع ذلك فقد أمكن لهذا الكتاب أن يضيف جديدا في هذا الميدان:

  • لأوّل مرّة يصدر كتاب حول هوبز يحمل الترجمة الصحيحة لعنوان كتابه الشهير Léviathan وهي ” لويثان” عوضا عن الترجمات القديمة والمتداولة ( التنين – اللفياتان – اللفتنان…إلخ). والترجمة مأخوذة من العهد القديم وتحديدا من الإصحاح الحادي والأربعين من سفر أيوب حيث نقرأ في آيته الأولى ” أتصطاد لويثان بشصّ، أو تضغط لسانه بحبل”.
  • لقد عوّل المؤلف على نفسه (وهو الذي ترجم كتابين عن الفرنسية) في ترجمة ما احتاجته من شواهد ومدعمات من كتاب “لويثان” ذلك أنّ الترجمة العربية للكتاب (ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب ومراجعة رضوان السيّد الصادرة سنة 2011 عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث) لا تفي بالغرض وقد أثبت ذلك من خلال نماذج في المقدمة.
  • غير أن الإضافة الحقيقية تكمن في نوعية المقاربة: اللافت للنظر في كتب هوبز تلك التحوّلاتُ التي عرفتها الرسوم المُثبة على أغلفتها وذلك بتغيّر المكان والزمان وجمهور القرّاء. ثمّ إنّ تحيين تلك الرسوم كان يتمّ بمعزل عن النصوص: لقد كان النص عابرا للمكان والزمان في حين كانت الرسوم رهينة المكان والزمان. ذلك يعني في المقام الأول أنّ السياسة لا تتغيّر وإنما النّظم والأساليب هي المتغيّرة وفقا لمقولة غرامشي الشهيرة في “ملاحظات حول السياسة”:” العنصر الأول أنه يوجد حقيقة حكّام ومحكومون، قادة ومنقادون. إن كلّ العلم والفنّ السّياسي يتأسّس على هذه الواقعة الأولية التي يتعذر اختزالها”. ويعني في المقام الثاني أنّ لويثان يتلوّن في كلّ مرة بلون العصر. هذا ما خوّل للمؤلف أن يلوّن صورة لويثان بلون العصر وأن يعيد رسمه وفق “قراءة ” تعتبر الدولة شرطي مرور.Etat-Voirie

       تقول مفردات هذا “القراءة” إنّ سلطة الدولة الحديثة هي مدينةPolis وشرطة Police أي هي   مركز يتحكّم في المواصلات Voirie. ومن ثمة فإنّ صورة لويثان تحيل إلى صورة الشرطي شاهرا “سيفه” وعصاه يراقب حركة الأشخاص والبضائع والأفكار… إلخ. إنّ المسوّغ لهذه القراءة كوننا في عصر السرعة بامتياز.

   صاحب ” القراءة” هو” فيلسوف السرعة” بول فيريليو Paul Virilio المهندس المدني والفيلسوف الفرنسي صاحب أطروحة “السرعة والسياسة” Vitesse et politique. وملخص هذه الأطروحة أن السلطة هي الحركة Pouvoir c’est mouvoir . وعليه فإنّ كل جهد الدولة الحديثة مُنصبّ على كيفية السيطرة على الفضاء والتحكم في حركة سيلان الجمهور وتنقّل الأشخاص والبضائع والأفكار ولأجل ذلك تجتهد هذه الدولة في وضع الحواجز بدءا بإشارات المرور وانتهاء بالسجون مرورا بالجمارك. والحقيقة أن عددا من دارسي هوبز قد سبقوا فيريليو في التنبيه إلى الطابع الشُّرَطيّ للدولة الحديثة منهم جان جاك شوفالييه Jean-Jacques Chevallier (1983-1900) الذي كتب معددا حقوق دولة هوبز وواجباتها: “.. وعليه فإنّ السيّد هو الذي يعود له…أن يقرّر قطعا ما هو الخير والشر، والعدل والظلم،، وما لك وما لي،، وكذلك أن يقوم بدور الشرطة الفكرية أي المتعلقة بالآراء والمذاهب، وكذلك بدور الشرطة المسماة بالروحية..” ومنهم كارل شميث Carl Schmitt (1985-1888) الذي أشار في أكثر من موضع في مبحثه الشهير حول ” لويثان” إلى هذا الطابع الشُرَطيّ ففي الفصل الثالث أشار إلى أنّ نشأة الدولة الحديثة تزامنت مع نشأة جهاز الشرطة الحديث ولذلك فإن أهم مؤسسة للدولة الحافظة للأمن، شأن دولة هوبز، هي مؤسسة الشرطة). وبالتالي فقد أصبح دور الدولة الحديثة هو نفسه دور الشرطة.

إن الكتاب يمثل في منتهاه تعميق وتطوير لملاحظات جان جاك شوفالييه و كارل شميث وذلك وفق قراءة بول فيريليو لطبيعة الدولة الحديثة.

ووفق هذه القراءة أعاد المؤلف رسم صورة لويثان (باعتماد تقنية الفوتوشوب) لتنسجم مع فكرة ” الدولة / الشرطي”. (انظر غلاف الكتاب).

على سبيل الخاتمة

   لهذه الدراسة قيمة منهجية بالأساس فصورة ” الدولة / الشرطي” يمكن أن تكون “فرضية عمل” ندرس من خلالها طبيعة الدولة العربية “الحديثة”. ولمّا كانت هذه الدولة العربية وريثة “الآداب السلطانية” فقد وعدنا في ما ضممناه للكتاب (انظر الضمائم) بإنجاز مقارنة بين دولة هوبز و”الآداب السلطانية”.ونعني بالآداب السلطانية ” نصائح سياسية تسدى إلى الأمير أو ولي العهد حتى يكون سياسيا ناجحا. وتقوم على قاعدة أخلاقية وعن طريق هذه القاعدة ترتبط بالدين وينظر إليها بكثير من التقدير حتى وإن كانت مصادرها بعيدة كل البعد عن أصول الإسلام” ( عز الدين العلام ) ويعرّفها عبد الرحمان بدوي بأنها “المؤلفات التي يسترشد بها أولو الأمر في سياسة الملك وتدبير أمر الرعية”. ويرى رضوان السيّد أن هذا النوع من الكتابة السياسية يعتمد الدولة منطلقا لنصائحه.

   منطلقنا في ذلك وجود تشابهات وتطابقات صارخة بين” لويثان” و”الآداب السلطانية” ليس فقط من جهة مفهوم السلطان وصورته وعلامات استبداده.. وإنما أيضا من جهة مسوغات الصورة الاستبدادية التي يدافع عنها الصنفان من الكتابة: استبداد الدولة لأجل منع الحرب الأهلية/ الفتنة.

   ومما لا شك فيه أن شرعية المقارنة مستمدة، كما قال بحق كمال عبد اللطيف، من فرضية وحدة تاريخ الفكر الإنساني…فتصبح بذلك الأفكار السياسية في التراثين اليهودي- المسيحي والإسلامي جزءا من تاريخ أكبر هو تاريخ الفكر السياسي.