زمن الوحوش الضارية: القديم ينهار، الجديد لم يولد بعد


زمن الوحوش الضارية: القديم ينهار، الجديد لم يولد بعد

تأليف: بلال علاء – محمد مصطفى
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية
السعر: 15 ريالًا قطريًّا – 4 دولارات
عدد الصفحات: 127
“القديم ينهار، والجديد لم يولد بعد، وفي هذه الأثناء تكثر الوحوش الضارية”

مقولة للمفكر الإيطالي جرامشي افتتح بها بلال علاء ومحمد مصطفى القسم الأول من كتابهما الذي عنوناه بجزء من المقولة الأخيرة، زمن “الوحوش الضارية”، محاولين تطبيق نظريات تفسر انهيار بنى المجتمع المدني، ونتائجه على ما دار وما يدور في مصر الثورة من دم وضباب. الكتاب إصدار لمنتدى العلاقات العربية والدولية ضمن جملة إصداراته الجديدة القيِّمة، وهو بحجمه الصغير والخفيف الذي يقع في 127 صفحة يحمل بين غلافه قسمين مهمين: الأول نظري يجمع بين نظريات حنة آرندت حول العنف وأنطونيو جرامشي حول بناء المجتمعات وتأثيرها، والثاني تطبيقي يحاول إسقاط هذه النظريات في تحليل واضح لما حدث بين 25 يناير و 30 يونيو.

هشاشة الهيمنة الأيديولوجية وراء العنف

في القسم الأول، نطالع النظريات حول المجتمع المدني، هل هو راسخ كونه نتيجة للعقد الاجتماعي بين السلطة والشعب كما يرى الليبراليون أمثال هوبز وروسو، وبالتالي يجب الإذعان له، أم هو متغير نتيجة تغير موازين القوى وتغير قدرة كل طرف على فرض قناعاته الخاصة بنسبة أكبر من الآخرين، كما يرى جرامشي؟ يعزو الكاتبان الاختلاف في التفسير إلى اختلاف المعطيات؛ فالذين عايشوا المجتمع الروسي يعزون العنف الذي مارسته السلطة إلى هشاشة هيمنة المجتمع المدني والسلطة، فلا الأول قادر على تغيير السلطة ولا هي تجد الوعاء الأمثل لأفكارها في المجتمع، فتلجأ مباشرةً للعنف، هكذا يفسر جرامشي نجاح الثورة البلشفية في روسيا التي تمكنت من الهيمنة على هشاشة المجتمع والسلطة، في حين فشلت في اقتحام أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين في ظل وجود مجتمع مدني قوي.

الواحد ضد الجميع

يعرض الكتاب فكرة جوهرية تناقشها حنة آرندت، فهي ترى أن السلطة تتناسب عكسيًّا مع العنف، متى ما اكتسبت مشروعية مجتمعيةً أُعفيت من استخدام العنف لإرضاخ الناس لإرادتها، فأقصى ما تحتاجه هو الهيمنة الفكرية والخطابية، ومتى بدأت في استخدام العنف فقدت قدرتها المعنوية على تسيير شؤون المجتمع المدني، واضطرت إلى اختراق مصدر شرعيتها المختزلة في المجتمع المدني بعنف غير متصور.

قسَّم الباحثان في محاولة رياضية بديعة ساحة الأطراف في مصر وفق تصور مستوى هيمنة كل طرف لتحديد مدى ثقله في المجتمع، فهناك من شكلوا هيمنة صاعدة احتاجت فترة من الزمن مثلها الجيش والحركات الشبابية الثورية، ثم الهيمنة المتآكلة كانت في الإخوان والسلفيين والحزب الوطني، ثم الهيمنة الكامنة في الحركات الشبابية والألتراس وأبو إسماعيل، وأخيرًا الهيمنة التاريخية التي يمكن إلحاقها بالهيمنة المتآكلة.

حظ الأسد الذي أكل نفسه

في القسم الثاني من الكتاب، والذي أخذ الحيز الأكبر، ينتقل الكاتبان بسلاسة ختما بها القسم الأول في محاولة تطبيق نظريات الهيمنة بشكل غير مباشر إلى الوقوف عليها بشكل مباشر، من خلال المرور بالأحداث المفصلية المهمة تاريخيًّا في زمن الاحتجاجات الكامنة والمؤثرة معنويًّا بتشكيلها منعطفات رئيسية في مسار الثورة لاحقًا، يرى الكاتبان أن الإخوان هم الأسوأ حظًّا في هذه الثورة؛ نظرًا لتاريخهم الثقيل الذي لم يوزن بشكل صحيح، فلم يتم استثمار ثقله بالطريقة المثلى، فكانت كالأسد الذي أكل نفسه، وأدت هيمنة الخطاب السلفي وتصدر الدعاة الجدد إلى تردي حالته بدل إنعاشها. في هذا الوسط خرجت صفحة خالد سعيد لتشكل خطابًا نجح في ملامسة حدود كثيرة دون التورط فيها، أدى ذلك إلى الالتفاف حوله لفترة طويلة بدأت تتراخى شيئًا فشيئًا مع تشكل الشخصية العلمانية فيه، وضعف تماسكه وغلبة السلبية عليه. الخطاب الآخر الذي لم يكن يهمه سوى أن يجد الحد الأدنى من الشرعية كان خطاب الدولة، الذي تحول لاحقًا إلى العنف حين اهتزت تلك الهيمنة، والذي تحول بعد سقوط مبارك إلى خطاب الجيش الذي جمع حوله أنصاره السابقين.

انهيار عالم وبدء آخر

كان ذلك في 30 يونيو، حين استعادت الدولة هيمنتها القديمة، فبعد أن كانت الشعارات ترفض الجيش والإخوان “يسقط كل من خان، عسكر، فلول، إخوان”، تمكن أنصار الدولة من إسكات من يهتف بسقوط العسكر. ولم تتمكن القوى الثورية في خطابها من إسكات من ينادي: “انزل يا سيسي”، ولم تؤد 30 يونيو إلى شيء جديد، فإزاحة الإخوان لم تكن مطلوبة مثل إزاحة مبارك لتحقيق هدف أكبر، كما توهم بعض العلمانيين الذين ظنوا أن الباب فتح على مصراعيه لإزالة العسكر بعد الإخوان، وإنما تمت إزاحة الإخوان وحسب، انهار  كل شيء، سقط مرسي وسقط معه جميع معارضيه إلا الجيش. “الجميع أصبح فجأة باهتًا وخارج بؤرة الحدث، كأن تدخلًا إلهيًّا قد نزع أرواحهم فجأة، وترك أجسادهم تتحرك على الأرض”[1]، كان خطاب مرسي اعترافًا بعجزه عن طرح أي خيار بديل لخيار تدخل الجيش.

زمن الوحوش الضارية

تسلط خطاب الدولة/الجيش على الأطراف الأخرى رغبةً منه في إزاحة الإخوان، الذي لا يزال مطلبًا للعلمانيين يتآكل كلما تعرضوا للقمع ذاته. في النهاية يرى الكاتبان أن الهيمنات من مختلف الأطراف لم تحرز نصرًا في أحسن فرصها، فالجيش قدم تنازلات كبيرة للتيار الإسلامي بعد الثورة، في حين لم تفصله إلا خطوات عن سحقه. وكان العلمانيون يلطمون الخدود ذعرًا من سيطرة الإسلاميين في اللحظة التي استعدوا للشماتة فيهم لحظة سقوطهم. يُختتم الكتاب بجدول زمني مهم للأحداث التي تناولها، بدءًا من 2004 تاريخ نشأة حركة كفاية وحتى تعيين السيسي رئيسًا للجمهورية 2014 .

لمن هذا الكتاب؟

لكل من كان طرفًا، فالابتعاد عن اللحظة ومحاولة قراءتها من بعيد في سياقها الزمني قادر على تثبيت أفكار وتغيير أخرى. يُنتقَد الكتاب في تحامله على التيار الإسلامي المنُهك في الداخل بالتضييقات التي شكلت الصراعات فيما بينه، والتي لم تكن لتنتج عنها رؤى فائقة وحلول حقيقية كما توقع الجميع، وخذلوا لاحقًا. وهو ما يدعو إلى إجراء مراجعات ضرورية، وإن كانت نتائجها مؤلمة ومهيجة للجراح، إلا أنها مهمة لمداواة عضة الوحش أو بتر ما لا يمكن إصلاحه منه.

لا يمكن كذلك الوثوق التام بواقعية قياس نظريات استنبطت من أحداث أخذت حقها الزمني في الواقع على أحداث لم تكد تبدأ إلا وانتهت، فلم يتشكل مجتمع مدني حقيقي ولا للحظة في الحالة المصرية، والحلم الذي أصاب الجميع في الثورة أدى بهم إلى صناعة مجتمع مثالي لا يمكنه أن يصمد مع تضارب الهيمنات تاريخيًّا وبدء الاستقطاب، إلا أنه جهد مهم في محاولة جادة للتفسير والخروج من حالة الذهول نتيجة فشل ثورة انقلبت على ذاتها.

———————

  [1] محمد مصطفى، بلال علاء، زمن الوحوش الضارية، الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2016، ص 100.