شذرات من رحلة إلى الغرب

مدير منتدى العلاقات العربية والدولية

8 يونيو , 2015 كل المناطق


الغرب الفكرة والمكان

لعل هذه الحادثة التي واجهتها في الأشهر الأولى من إقامتي في الولايات المتحدة وكنت حينها أدرس في معهد اللغة الإنجليزية تعبر عن كثير. كان من المقرر علينا نص يهدف لتطوير المحادثة. يحذر النص من “قيادة السيارة حال السكر”. قرأت المدرّسة النص وتحدثت عن خطورة الموضوع، ثم أعطتنا فرصة الحديث. كانت البداية مع زميلين من العرب. تحدث الأول ثم الثاني بما يؤكد نص الكتاب، لكن المدرسة تنبهت أثناء حديث الطالب الثاني، وكان من الكويت، إلى أن المسلمين يحذرون من الخمر بسبب مرجعيّتهم الثقافية الإسلامية التي تحرم الخمر، فغيرت السياق منفعلة وقالت موقفكم خاطئ؛ لأنه مبني على موقف ديني وذكرت أن طبيبها نصحها بشرب الخمر يوميا. موقف يدعو للسخرية، فما نتفق عليه أو نختلف يجب أن يكون من وجهة نظر الغرب ومرجعياته، وليس وفق تفسير آخر، ولو كان يقود إلى النتيجة نفسها.

لم يعد الغرب بعد الآن غربا. إننا نشاهده يوميا على التلفاز وننتقل إليه عمليا بسهولة، أو نتعايش مع أشخاصه وأفكاره ومواقفه كما لم يحدث في أي زمن مضى. ومن الخطأ الكبير النظر للغرب على أنه واحد، لا بل هو متنوع، كما نحن في بلاد أخرى أكثر تنوعا، ولكنْ كثير منّا يريد مصادرة تنوع الغرب ومصادرة تنوع أفكار وسلوك المسلمين ليجعلها نسقاً واحداً.

الغرب له مظهر يؤثر ويعجب، وربما ويؤذي الغرباء عنه، وله جوانب غير ظاهرة تؤثر أيضا. من الجوانب الأولى مظاهر القوة وأشكالها، ومن الأخرى النظام الداخلي في المجتمعات، الخبرة والنوازع والقيم، وهذه من الأصعب استكشافها وأن يبني الإنسان حولها معرفة سريعة، ومحاولة الربط والتوازن بين الظاهر والخارج محاولة قد لا تجدي ولا تقبل كثيرا.

يسمح لنا الغرب أن نكون “غيتو” أو حارة ثقافية مغلقة، وهو عندما نسير في الشارع العام الثقافي والسياسي يضيق بنا، إنه لا يرغب في وجودنا أي إننا عندما نريد التأثير والتأثر نكون ضحية للنبذ، من هذه التجربة نفهم أن الغرب هو الفكرة وليس المكان، وهو يتعامل على هذا الأساس، فأستراليا من الغرب وإن كان موقعها الشرق، وكذا الجزر المملوكة للغرب عبر العالم حيثما كانت، والعالم ينقسم وفقا لذلك.

أكثر شعوب العالم تتعرف أرجاءه وتراه بعيون اللغة الإنجليزية، فقد أصبح الهندي والصيني والأوروبي والأمريكي الجنوبي والإفريقي يراك من خلال الثقافة الأنغلوساكسونية. ومشكلة هذه العين أنها دائمة السخط علينا ولا تتوانى عن تشويه صورتنا. بسبب عودتنا للوجود في هذا العالم وبحثنا في الحاضر عن الذات، وبسبب ديون الماضي.

ذهبت إلى أمريكا في السادسة والعشرين من عمري، وكنت قبلها معيداً في الجامعة أدرس موضوعات في التاريخ الحديث تتعلق بالسياسة والاستشراق للمستوى النهائي في قسم التاريخ، واختاروني لذلك لأنهم وجدوني مهتما بهذه القضايا. وكان في الجامعة آنذاك بقية فسحة من حرية.

وقبل سفري قرأت بعض ما توفر من كتابات لشخصيات جادة وأخرى هازلة، وبالطبع؛ منها ما بقي من كتاب: أمريكا التي رأيت، لسيد قطب، ونصا ساخرا لمصطفى أمين: “أمريكا الضاحكة زمان” وكل كتب ميخائيل نعيمة وهو أرثوذكسي لبناني عاش في أمريكا وروسيا، و قرأت لغيرهم، وكانت في الغالب سلبية، حيث يقرن الكتاب العربي الغرب بتاريخ الاستعمار والعدوان الدائم والرأسمالية ومشكلات الملونين، ويزيد الخطاب الإسلامي على ذلك بحديثه عن مشكلة: “التبشير والاستعمار”، وهذا عنوان كتاب عربي شهير للدكتور مصطفى الخالدي وعمر فروخ. أما رمي الغرب بالفساد الأخلاقي فلعل هذه من النقاط المشتركة، قد تزيد جرعتها عند بعضهم. والشباب المثقف المعادي للاستبداد عنده قناعة راسخة بأن كل مستبد فهو مؤيد من الغرب ضد الشعب، وتكاد أن تكون مسلّمة. وهذه الحجج لم تزل راسخة، حتى إن حزبا شهيراً يسمى “حزب التحرير” لا يكاد يقبل من المثقفين والسياسيين القول بأن لغير بريطانيا دوراً في تدمير العالم العربي! ومؤسس الحزب فلسطيني عاش ذروة وعيه أيام الاحتلال الإنجليزي لفلسطين حين تم تسليمها إلى الصهيونية. فلا غرابة أن يفكر كذلك.

تلك الكتب كوّنت مخيلة شبه مكتملة عن الغرب؛ فهو مادي، رأسمالي، لا ديني ولا أخلاقي ومتهتك، يهمه أن نعود منه مسيحيين أو مبشرين أولا دينيين، وربما جواسيس على قومنا أو عملاء، وعلى أقل الأحوال ممثلين لمصالحه في ديارنا. غير أنا لما ذهبنا في ذلك الزمان كان المعسكر الشرقي لم يسقط بعد وكانت حكوماتنا وعلاقاتها امتدادا للغرب، فكان الغرب أقرب لنا من المعسكر الشيوعي آنذاك، رغم تقسَم بلاد العرب آنذاك والمسلمين بين المعسكرين والتعادي بين أتباع المعسكرين.

الحرية المرهونة

كان هناك شعور بالغربة من الداخل يصنع السلبية وعدم المشاركة، وكون الطالب أو المهاجر مغادراً بعد قليل راجعاً إلى بلده؛ يضعف فكرته وموقفه، ويذكي لديه الشعور بالمفارقة والانفصال الدائم عن مجتمعات يرى نفسه مضطرا للعيش المؤقت فيها، بسبب الحاجة لا الاختيار، إما لأن الدراسة ستعطيه مكانة بين قومه عند عودته، أو معرفة أوسع، أو راحة مادية آنية. كل هذا سبّب مبالغة في الانفصال، مؤذية في النهاية.

غير أنها في المقابل أبقت وعياً بالاختلاف، وخلاصاً من عيوب غربية زائدة وكونت رقابة ذاتية ومحاولة لمعرفة بديل، وبرغم كل هذا – سواء أكان إيجابياً أو سلبياً – تبقى العزلة تهمة، وعلى المرء أن يخالط المجتمع الذي احتاج إلى العيش فيه وأن يتفاعل معه، وهذا مصدر قوة وتأثير متبادلين.

وكذا المخاوف لدى المسلمين التي تترسخ مع الزمن بسبب التجربة الغربية مع المخالفين كاليهود، ثم الجارية مع المسلمين والمتوقعة منهم، ولهذا كتب كليم صديقي الذي كان مدير تحرير الغارديان في الثمانينيات، عندما حذر من الهولوكوست القادم، الذي قد يكون المسلمون ضحيته، بسبب تصاعد الكراهية لهم في أوروبا، ولعله لم يكن يقصد شيئا مما حدث بعد ذلك أيام البوسنة 1993م. بل كان يقصد إمكان حدوث تطهير عرقي للمسلمين في بلدان مثل بريطانيا، وقد كان ذلك من تنبهه المبكر للخطاب القومي والديني الكاره للمسلمين والذي ينتشر في أوقات الأزمات، وقد اتجهت الأمور بعد ذلك هذا الاتجاه، ليس فقط في شأن المواقف الحكومية التي ظهر شيء منها في خطابات عديدة، بل تم تأسيس أحزاب قومية عرقية متطرفة في عدد من الدول الأوربية، ولعل في نتائج انتخابات البرلمان الأوربي في 2014 والحزب الوطني الإنجليزي وفي فرنسا الجبهة الوطنية دلالة شديدة الوضوح لما قد تتجه إليه الأمور لاحقا.

ليس هناك من ضمانات للجالية المسلمة أو العربية ضد التمييز، فإنه لو تقبل الإنسان المسلم كل شيء وغيّر حتى دينه، بل وحتى لو كان من أم غربية فإن اسمه قد يكون وبالا عليه، كما حصل مع رجل الكونجرس عيسى من كاليفورنيا؛ إذ أنزلوه من الطائرة لكونه يحمل اسما عربيا، وهو مسيحي مولود في أمريكا لا يكاد يفترق عن الأمريكي القديم إلا باسم جده! وحدث أيضا أن أخرجوا طباخا من الفندق الذي يزوره بوش الابن بسبب اسمه والتخوف منه! فسواء أكنت من قيادات البلاد أم من عمالها البسطاء فقد يكون التمييز ضدك قاسيا. بل إن بعض الغربيين لم يقبلوا اليهود حتى بعد تنصرهم، وكثيرة هي الأدبيات الأوروبية التي درجت على وصفهم باليهود المعمّدين.

في المجتمع الغربي حرية، ولكن لمن لا يكون مؤثرا. فقد جربتها يوم كنت لا أقول شيئا، ولما أسهمت في تأسيس جمعيات ثقافية وحقوقية، وبعد أن تحدثت، وظهر لي صوت ورأي؛ تغير التعامل، فكل معرفة وتأثير تحققهما ستجعلهم يتوجسون منك ويضيّقون على حريتك وحقوقك. انفتح وعيي على هذه المعضلة وسط التسعينيات وأواخرها، وقد قرأت معضلة إقبال أحمد مع الإف بي آي، ومعضلة أمثاله، قرأت نصوصا للمثقفين من أماكن كثيرة، من ألمانيا وروسيا والهند وبلاد العرب. إن نعمة التعبير عن الرأي ستجدها محددة أكثر، والمساحة تصغر كلما أصبحت صاحب دور وتأثير بخلاف ما تسمع وما تُخبَر عنه من قوانين.

إن في الغرب – وخاصة أمريكا – دكتاتورية مستبدة تبدو من الخارج ناعمة، ولكنها تحت السطح قاسية، وهذا هربرت ماركوز يقول في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد:”ثمة غياب للحرية ناعم، سلس معقول، يسود في الحضارة الصناعية المتقدمة، أمارة من أمارات التقدم التقني.” وسولجنستن، مؤلف أرخبيل القولاق الذي رفض الجنسية الأمريكية وقال كلمته الشهيرة: “من أجل أن يكون مقبولا في الغرب؛ كان عليه أن يتخلى عن طريقة حياته وكتبه”. وكان يرى في أمريكا ديكتاتورية ناعمة، وأغرب ما فيها عدم شعور الناس بها.

الغربة العميقة

للمهاجر لغة خاصة به، لها مميزاتها، إذ تكثر فيها ألفاظ ومصطلحات معينة، وقد أشارت لهذا بذكاء روائية بريطانية (مونيكا علي) من أصل بنقلاديشي في روايتها “بريك لان”، قائلة: “إن لغة المهاجر مليئة بكلمتي: شكرا وآسف”! فهو يشكرهم على معروف القبول به داخل المجتمع الجديد، ويأسف لوجوده أو خطأ وجوده أو لثقافته.

قال أحدهم: لو خلق الناس في الصباح بلون أخضر لاستطاعوا تمييز درجات خضرتهم عصراً. خلق الإنسان ليميز نفسه عن غيره، وليعلي من ذاته وهو يبحث في الاختلاف، وحينما يجد نفسه عرضة للتمييز، ويشعر بالأسى والأسف لكونه من لون أو عرق غير سائد؛ ينتهي بالتمييز ضد غيره. وهو ما نلحظه في الخلاف والمعارك السياسية والجرائم بين السود والمكسيكيين خاصة في كاليفورنيا.

لما أقرأ بعض تراثيات عصر النهضة وبعده بقليل إلى القرن الثامن عشر، أجد التعلّق بالشرق الجميل الغريب الخيالي الشجاع، ثم أجده وقد فقد أهميته وقيمته بعد سقوطه سياسيا. ولما رأيت جنديا أمريكيا يقف وسط رماد العراق ويتعجب أي حضارة ومدنية عند هؤلاء؟ أتعجب كيف نسي هذا الجندي حصارا ظالما لمدة ثلاثة عشر عاما لا يدخل قلم ولا ورقة ولا حليب طفل ولا وسيلة بناء من أي نوع! بينما هو يجتاح البلد ليأخذه كله؛ ما فوق الأرض وما تحت الأرض، ويدفع الرشاوى ليمتلك كل شيء لأكثر من نصف قرن قادم، كل ذلك باسم الحضارة والحرية! التي تبيد ما قبلها من حضارات مختلفة أو مخاصمة ثم تسخرُ بالضحايا وتحقر ما أبقته بأيديهم.

وقبل هذا، عام 1991 كنت أشاهد السي إن إن ومعلقها يعرض صور العراقيات يجلبن الماء من النهر على رؤوسهن، ويقول المعلق: “لقد أعدنا العراق لما قبل العصور الحديثة أو لعصور ما قبل الصناعة.” ليس هذا صحيحا، فلو كان يعرف العراق وحضارته لقال: لما قبل أربعة آلاف سنة؛ لأن شبكة الري في العراق سبقت أي شبكة عرفتها البشرية في أي مكان في العالم، وكان في العراق وزير للنفط أيام العباسيين وكان بعضهم يسخر بوازرته لأنها فقط تنير الشوارع بمصابيح النفط ولا أهمية لوزارته، حتى إن النحوي الشهير نفطويه سخروا منه وقالوا:

حرقه الله بنصف اسمه وجعل الباقي صراخا عليه!

هذا مشهد من شعور المسلم أو العربي في الغرب بالغربة العميقة، فهذه المواقف تجتثك بعيدا عن المجتمع وتحاصرك، فهل تعلن ولاء لمن يبتهج بأنه أعاد قومك للعصر الحجري؟ أم تعلن رضاك نفاقا؟ أو تحاول أن تتبنى رؤية الصحفي والجيش والحكومة؟ إن مثل هذا الموقف صعب، فالمجتمع أي مجتمع يفقد قدرته حتى على النفاق والمجاملة وقت الحروب، وينسى أو يتجاهل التعددية التي يروج لها. ويضحي الإقصاء هنا حقيقة لا مراء فيها..

تجتاح الغرب أحيانا حاجة سياسية واجتماعية أو دينية لصنع الأعداء، وهذه “فلسفة” سياسية قديمة تريد توحيد الشعب عبر دغدغة مشاعره البدائية، تجددت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ثم زادت ضراوتها بعد سبتمبر ووجدت مبررا واقعيا، فاستغلت إلى أقصى ما يمكن، ثم تجاوزت الحدود لتقوم وتستمر المأساة العراقية والأفغانية ومآسٍ أخرى، فاشتعلت الحروب باسم الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان وانتشرت النزعات المتطرفة. كان عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو قد أشار يوما في إحدى محاضراته، إلى أن العقلانية الغربية مسؤولة عن اللاعقلانيات التي تنتشر في أطراف المركز.

يقول الفكر الغربي عن نفسه بأنه علماني، وهو في كثير من جوانبه كذلك، ولكن هذه العلمانية والليبرالية تتراجع كثيرا عندما تلتقي بالإسلام، وتصبح مجرد قشرة عارضة تخفي تحتها متعصبا كبيرا، وتصبح علمانيته منطوية وخاصة، وربما عرقية، مع أن الغربي يشعر بتسامح وهو يتعامل مع البوذية والهندوسية ولكنه لا يقابل الإسلام بنفس الموقف. التقيت أمريكيا من أصول أوروبية أسلم بعد بحث طويل في الأديان، ولفت انتباهي في كلامه أنه فكر في الديانات الكبرى كلها قبل تعرفه على الإسلام، ثم كان الإسلام آخرها فسألته: لماذا؟ قال: تعرف موقف ثقافتنا من الإسلام. سألته: وما هو ؟ فأجاب: إنه موقف يقوم على التشدد ضد الإسلام. والذي أعرفه من المكتبة الإنجليزية يظهر أنها شديدة التحيز ضد الإسلام، مثقلة بكتب ودراسات ومراجع أساسية أقل ما يقال عنها إنها لا تحمل موقفاً إيجابياً عنا وعن ثقافتنا.

عرفت في الغرب بعضا من العلمانية وثقافتها، ولكن العلماني الغربي علماني بين قومه من ديانته، وليس مع ديانة كالإسلام، وعرفت كثيرين من العلمانيين الغربيين عامة ومثقفين يتحولون بسرعة من علمانيين إلى متزمتين دينيا وثقافيا، فإذا لقوا المسلمين لبسوا مسوح الكنيسة، وكذا في الطرف الآخر أعني المسلمين كثيراً ما يرجعون عن علمانيتهم المؤقتة، وهذا ما يجعل العلمانية الغربية ثقافة محلية غير قابلة للتصدير كثيراً. حتى إن العلماني الغربي عندما يتجول في العالم يشد انتباهه كل ما له صلة به، ويرى المسيحية مأوى له، والمتنصرين والجمعيات الخيرية المسيحية هي واجهته في هذا العالم، حتى وجدنا فرنسا العلمانية التي كانت متطرفة ضد كنسيتها ترسل المبشرين إلى بلاد المسلمين، وغير خافٍ ما يفعله التبشير في منطقة القبائل الجزائرية مثلاً.

لم أقترب من السياسة ويبدأ اهتمامي بعلاقة الجالية بالمجتمع والأحزاب إلا في السنوات الأخيرة من إقامتي هناك، قبيل سبتمبر بزمن يسير، وقد لاحظت أنها بيئة صعبة على الأجانب ومتطرفة أحياناً، حيث على الغريب أن يقبل بالسعي لمصالح حزب أو جماعة يتفق معها قليلاً وقد يختلف كثيراً، وهي تحتاج أصوات المسلمين أو العرب وهو يبحث عن الاعتراف بجماعته، غير أن التنازلات الفكرية والسلوكية تكون باهظة أحيانا. أذكر مرة أن طلباً عاماً من جمعية ضغط إسلامية وجّهت المسلمين في عدد من الولايات منها: نورث كارولينا ـ ليصوتوا للديمقراطيين ولكن المرشح الديمقراطي هناك كان من المنافحين عن الشواذ وحقوقهم فكان التصويت له بخلاف مبادئ المسلمين وكانت مواجهته وترشيح خصمه شقاً لموقف المسلمين العام! ومن هنا تكمن بعض العقبات في وجه المجتمع المسلم في الغرب، ثم رغم هذه الصعوبات قد يجد نفسه مطالباً من بعض السلطات بالتجسس على قومه.

الملونون

العنصرية أسوأ ما صدّره الغرب إلى العالم. وتكاد تكون جريمة الغرب الكبرى في تاريخ البشرية. وما النازية والصهيونية إلا جزء من ثقافة أوسع، إن معرفة حال الملونين في أمريكا تجربة قاسية وكان لها تأثير كبير في نفسي، فسموم العنصرية الأمريكية ضد السود لن يسلم منها من أقام هناك، ولو يسيراً. فالغرب تشبّع بالعنصرية، والعنصرية دافع حمائي وانكفائي مفهموم، ولكن أسبابا ثقافية عديدة صاغت هذه الفكرة في الغرب، حيث لا بد لمن عاش في الغرب أن يتجرع سم العنصرية أو يتسمم بها أيا كان لونه. يتعرض لها الإنسان في أمريكا كما يمكن أن يتعرض للغة الإنجليزية ويراها نهارا جهارا في الإعلانات المنتشرة في الشوارع، فأمريكا حين تحرص أن تصور في الإعلان أسود مع أبيض إنما تقول لك: نحن عنصريون، ولكن سننشر صورة ملوّن مع أبيض حتى لا يطالنا قانون أو محاكمة ونُتّهم بالتمييز، والأوضح من ذلك ليس الواقع والتاريخ ولكن اللغتين أو “اللهجتين” الإنجليزيتين المختلفتين اللتين تسمع الملون والأبيض يلهجان بهما لتدلا على عنصره وثقافته وبيئته المعزولة في حي الملونين في أي مدينة أمريكية. وقد تستغرب موقف القسيس الذي رفض البدء في الصلاة حتى يخرج شخصان ملونان من الصف الأول أمامه! وهناك نص في الكتاب المقدس يلعن الملونين، ولذا ربما كان للقسيس قناعته الدينية المتجذرة.

ثم إن التمزق بحسب اللون بلغ كل فئات المجتمع، فلا يقبل الأسود إمامة الأبيض له في الصلاة في مسجد، كما لا يقبل منه موعظة لو كان قسيساً في كنيسة، مما سبب وجود كنائس لكل لون تختلف بحسب النافذين في الكنيسة، وما خرجت حتى وجدت أن المسلمين بدأوا يتفرقون بحسب ألوانهم، استجابة وخضوعا لبيئة عنصرية، أثرت في دينهم ففرضت ثقافة عنصرية يأباها كل مسلم في العالم، فلم يعرف في تاريخنا وجود مثل هذه التقسيمات العنصرية داخل الإسلام. أذكر في بدايات قدومي للمدينة أن زوج أختي أخذني لبيت صديقِ عمره وهو أسود ليعرفني على ألوان البيت الداخلية بالغة الجمال التي لا يبرع فيها أقاربنا. وعدت بانطباع أن هؤلاء الناس عندهم فن لا نصل إليه، وكان من ألطف ما رأيت القماش الذي يلفون به أطراف السلم العليا والسفلى حتى لا يجرح ألوان الجدار! بعد أربعين عاما لا أتوقع أن هذا الأنس والقرب والتذوق موجود في أقوى المدنيات. ولعل من المناسب أن أشير هنا أن اللون لا يعني في شريعة الإسلام ولا تاريخه أي نوع من العبودية، فالأبيض والأسود قد يكون عبدا أو حرا، لأن العبودية بحسب تعريف الفقهاء: “عجز حكمي سببه الكفر” وهو نتيجة للحرب، وكثير من الأسر التي حكمت العالم العربي كانوا أصلا عبيدا وهم من وسط آسيا أو بلاد فارس أو أوروبا، أو غيرها، كالمماليك في مصر، والسيد قد يكون أبيض أو أسود، أو من أي لون، ثم إنه إن طالب بالحرية فإن القاضي يتدخل لمساعدته على التحرر، فيما يعرف بحكم “المكاتبة” في الفقه والذي يوجب القبول به بعض العلماء وكانت في الحجاز أسر تقول إنها كانت في الأصل من العبيد، ولكنهم “عبيد حَربة” أي من العبيد المحاربين، وهؤلاء قد تختارهم القبائل مشايخ لها بسبب جهدهم في الحماية ويكونون سادة للقبائل.

إن نزعة الخوف من الغرباء والحقد عليهم وتحميلهم وزر كل المشاكل القائمة، نزعة راسخة عند الشعوب وبدهية عند العامة، وأذكر أن أستاذاً يهودياً، درست عنده، دخل علينا يوما ساخطا متعجبا من مزارعي كنساس الذين لم يسقط المطر على مزارعهم وأفلس موسمهم فرفعوا لوحات تُحمّل يهود نيويورك المسؤولية!

قابلت مرة أحد الأفارقة الأغنياء المقيمين في الغرب وكان يحن إلى بلده فسألته: لم لا ترجع؟ قال: إني أحس أني معذب لو جلست إلى مائدة طعام وجاري جائع، ولا أتمكن من تقديم العون لهم. كان من أول أسئلة والدي عني ثم عن جيراني في أمريكا، وعن تعاملهم معي، وقد تعود أن يقيم وليمة ويذبح خروفا لكل ضيف يستأجر منه شقة، وتكلف الوليمة أكثر من كراء شهر، أعلم ولعه بما حوله وكرمه مع جيرانه، فقلت: إنهم لطفاء وطيبون وابتعدت عن قول الحقيقة، وهي أنه بعد جوار عام أومأ لي جاري من بعيد وفهمت أنه يقول “هاي- أهلاً”، حسنا، لنا جيران ولا نعرفهم! هذه في الشرق ليست إنسانية، وكما وصف أستاذي المصري حالة البريطانيين في القطار حين يسافر فيه قائلا بأنه يشعر كما لو أنه “ذاهب للعزاء أو عائد منه”.

كنا نجد ألذ الطعام ونحن أطفال فيما يرسله الجيران من بيتهم. وهو أمر يتكرر أكثر من مرة في الأسبوع، وكانوا يسعدون بما نرسل لهم، ولا أحد يعرف المطاعم آنذاك. لكن في السنوات الأخيرة قامت جدران عالية جداً وزاد ابتعاد الجيران وجهل بعضهم ببعض في مجتمعنا، ومات أحد أعزائي وبقي أسبوعا حتى عرفت البيوت البعيدة ذلك من رائحة الجثة. كان ذلك أمرا مستحيلا قبل أقل من جيل، لم يعد الغرب ولا ثقافته بعيديْن عنا.

معركة المغترب الداخلية

يتعرض المسلم في الغرب لعدد من التحديات، الواعي يشعر بضغطها الكبير، والعامي يواجهها ربما سريعة ومجزأة ويختلف الموقف باختلاف درجات الوعي، فهي بلا شك تمثل ضاغطا أكبر بحسب مستوى الوعي والثقافة والاهتمام بها، وكلما زاد الشعور بها زادت المتاعب ومطالب الوعي والحاجة لإصلاح التفكير والمفاهيم والسلوك وفق حاجات المجتمع،

من هذه الأمور محاولة فهم دينه أو تدينه في مجتمع جديد، وترتيب حلقات الدين ببيئة غير معتادة. وهناك إشكالية كبرى يختلف فيها الإسلام عن المسيحية وهي أن الفقه الإسلامي قام في سياق دولة وعزة وحكومة تصنعه ويصنعها، بينما تحتاج أن تنقل هذا الموروث العالي ليتسلل هامشيا متخفيا ضعيفا مقهورا في بيئة غير بيئته، وقد لاحظت أن كثيرا من المتدينين المسلمين لا يدركون كثيرا هذا التناقض بين مفاهيم متعالية غالبة يحملونها، وقد أصبحت تحتاج أن تتسلل تابعة وهامشية ومتسولة من أجل يكون لها وجود.

هذه المسألة قد تكون سهلة ومقبولة وتعتبر زمن الاستضعاف المسيحي الممتد في سنوات نشأة المسيحية لثلاثة قرون وثلث، ولكن سنوات الاستضعاف في الفقه الإسلامي تمتد ثلاثة عشر عاما فقط، والرسول (ص) نفسه أقام دولة وقام مجتمع محكوم بها على تفاوت وتباعد ولو رمزيا أحيانا منذ فجره إلى عام 1924م.

ولحسن الحظ أو سوئه فإن فقه الاستضعاف لم ينجح إلى اليوم في اكتساح فقه الاعتزاز. وما زالت المراجع الأصلية بأيدي الطلاب والعامة مفهومة ومقروءة وإلى حد كبير ممارسة. لكن هذا الاستمرار يمثل تحديا في بلاد الاغتراب، ويسبب أزمة وعي.

هناك معركة داخلية في عقل وروح المغترب لبناء شخص جديد وعقل وروح في بيئة جديدة، وبما أن أمريكا هي البلد الأقرب أن يكون فكرة وليس فقط ممارسة؛ فإن ضغطه لصياغة أفكار جديدة كبير، ويساعد على هز البناء بل ربما هدْمِ السابق وإعادة تركيب جديدة، تبقى زمنا لتستقر.

يتبع هذا الجانب أن المجتمع الغربي يملي بوعي أو بدونه على المسلم صناعة الإسلام الغربي، وهو إسلام متصالح وخاضع وربما عقلاني وأقل روحانية، وأكثر مادية، وقد حضرت خطبة جمعة يوما من الأيام مع صديق زائر من ولاية أخرى، لم يتمالك نفسه من الانفجار غضبا وقد سخّر الخطيب خطبته لتحويل الإسلام إلى عملية رأسمالية يصطنع لها شواهد أو يبالغ أو يعيد تفسيرها.

ولا نقلل من دور المجتمع القوي في صناعة أي دين يفد إليه، فما خرجت من أمريكا إلا وكتب التنمية الذاتية هي مورد الخطباء، وتذكرت أنه أيام الأندلس كانت الكُنس اليهودية تعظ الناس بكتاب “إحياء علوم الدين” للغزالي، بعد حذف المصطلحات الإسلامية، فلم تكتف العبرية بتأصيل قواعدها على قواعد اللغة العربية فقط ولكن المفاهيم الروحية أيضا، وهذا يحدث في المساجد الغربية الآن وربما نُقل هذا إلى الشرق أيضا.