صناعة المؤدلج في الثورة السورية

كاتب وباحث سوري

20 يونيو , 2016 الشرق الأوسط


صناعة المؤدلج في الثورة السورية

صناعة المؤدلج في الثورة السورية

يقول جورج طرابيشي في مقال عن كتاب “ما بعد ذهنية التحريم” لصادق جلال العظم، إن مما يميز العظم ككاتب هو أنه لا يكتب إلا في مواجهة خصم، وإن لم يجد خصومه على أرض الواقع فهو يقوم باختراعهم لأجل الرد عليهم.

ولكن ما يراه طرابيشي استثناءًا في الكتابة، يبدو شائعاً في الواقع ضمن أي صراع، اجتماعي أو سياسي أو ثقافي، ودوماً ما تحتاج الدول إلى “صناعة العدو” حسب عنوان كتاب بيار كونيسا لكي “تقتل بضمير مرتاح”، ولكن هذه الصناعة تتعدى من القاهرين إلى “المقهورين” حسب باولو فيرايري أو إلى “المعذبين في الأرض” حسب فرانز فانون، وقد رأى كلاهما أنه حتى عند تحصل هؤلاء المظلومين على القوة يكون العنف ضد بعضهم أسهل وأقصى من العنف ضد أعدائهم الأصليين، وهو ما أكدته الثورة السورية عبر الصراعات الدموية التي عرفتها، والتحولات الهائلة التي مرّ بها المجتمع والثورة السورية والفاعلون المختلفون في واقع الاستثناء هذا.

نشأة الثورة والجيش الحر

لا شكّ أن الثورة السورية التي بدأت كانتفاضة شعبية من مدينة درعا 18 آذار 2011م، لم تكن تحتوي في ذاتها على مشروع سياسي أو أيديولوجيا موحدة، وعكست قيم المجتمع المحلي وتضامنه وإحساسه بالحرية والكرامة ضد ظلم السلطة وتوحشها وطائفيتها، أكثر مما كانت حراكاً حزبياً أو نخبوياً يهدف لشكل دولة معين.

ولكن هذه الانتفاضة الشعبية والثورة العارمة التي اجتاحت مدن وبلدات سوريا في وقت سريع رغم كلفتها الدموية الهائلة والمتزايدة، لم تلبث أن استُدخِلت ضمن ثنائيات وأيديولوجيات مختلفة، بحكم طبيعة النظام نفسه بشبكة علاقاته الداخلية والخارجية وقمعه المتوحش وبنيته الطائفية، ولطبيعة التدخلات المختلفة التي أتاحها تقويض السلطة المركزية، واتجاهات الفاعلين الجدد في هذا الحراك، وهشاشة البنى التنظيمية والأرضية الفكرية التي يُفترض أن تنظّمه.

نشأ الجيش الحر منذ البداية كامتداد مسلح للمجتمعات المحلية في مواجهة النظام، ويحمل قيم الثورة وطبائعها حيث التدين والسمة الإسلامية بديهية وهوياتية دون أن تستخدم كمشروع سياسي أو أيديولوجي ، وغلب على الجيش الحر في كل منطقة أن يكون من أبناء المنطقة نفسها والمنشقين عن جيش النظام من مناطق أخرى، دون مشروع أيديولوجي سوى الانتماء للثورة السورية وحماية المجتمع المحلي من هجوم النظام في المدى القريب وإسقاط هذا النظام نفسه على المدى الأبعد، وهذه هي السمة التي تميّز مفهوم الجيش الحر ومقاتليه، والذين يشكلون عماد الفصائل نفسها التي تمايزت –لأسباب أيديولوجية- عن مسمى الجيش الحر.

خارطة الأيديولوجيا

كان للسجناء الذين أطلقهم نظام الأسد من سجن صيدنايا خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية، دورٌ بارز في إدخال الأدلجة إلى الحامل الشعبي للانتفاضة، خاصة مع قيادتهم مجاميع مقاتلة متفاوتة من حيث تأثرها بالأدبيات الجهادية، سواء السلفية الجهادية أو الجهادية المعولمة أو محاولات تأسيس جهادية محلية، ولم يكن التمايز عن الجسد الثوري العام والجيش الحر خاصة مجرد مصادفة أو تبعاً لطبيعة الأمور، بقدر ما كان مقصوداً بذاته، كما يذكر حسان عبود قائد حركة أحرار الشام الإسلامية الراحل في مقابلة مع الجزيرة، وهو التمايز الذي اشتركت فيه التنظيمات الجهادية المختلفة والمتأثرون بها، وكذلك فصائل سلفية محلية ليست جزءاً من القاعدة أو التيار السلفي الجهادي والجهادي المعولم بقدر ما تمثل سلفية مذهبية تقليدية في مجتمعها المحلي (مثل جيش الإسلام في دوما).

ولعلّ كلمات (أبو يزن الشامي) الأخيرة وهو القيادي الراحل في حركة أحرار الشام الإسلامية تلخّص هذا الشعور بالتمايز والتحولات النفسية والفكرية التي مرّ بها الجهاديون المحليون من خلال اعتراف ذاتي بالخطأ والندم على التأثر بأدبيات التيار الجهادي (السلفي أو المعولم):
نعم أنا كنت سلفيا جهاديا، وحبست على هذه التهمة في سجون النظام، واليومأاستغفر الله وأتوب إليه وأعتذر لشعبنا أننا أدخلناكم في معارك دونكيشوتية كنتم في غنى عنها، أعتذر أننا تمايزنا عنكم يوما، لأنني عندما خرجت من السجن الفكري الذي كنت فيه واختلطت بكم وبقلوبكم، قلت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق عندما قال (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم), أعتذر منكم أعتذر، وإن شاء الله قابل الأيام خير من ماضيها لثورتنا ولإسلامنا.

وقد كانت بعض الحركات التي تمايزت عن الجيش الحر، هي حركات جهادية وافدة فعلاً من حيث قيادتها وخبراتها، وأيديولوجية من حيث أساس تشكلها والانتماء إليها، مثل جبهة النصرة ومجلس شورى المجاهدين وغيرها من التنظيمات الجهادية التي تكاثرت مع الوقت (في الشمال السوري خاصة)، ولكن بالنسبة للفصائل المحلية (مثل أحرار الشام)، فإن أغلبية مقاتليها وكتائبها تنتمي من حيث تشكلها وفكرها إلى مفهوم الجيش الحر وطبيعة مقاتليه التي سبق توضيحها، ولكن تم استدخالهم ضمن مشروع يعلن تمايزه عن هذا المفهوم، ويكرّس البعد المؤدلج فيهم ضمن المعسكرات والضخ النظري، وقد شارك الإخوان المسلمون في دعم الحراك المسلح ومحاولة إنشاء أذرع فيه، ولكنهم لم يتمايزوا بالعموم عن مسمى الجيش الحر، أو حاولوا تأسيس فصائل ايديولوجية بالمعنى الدقيق.
وعلى هذا يمكن تمييز مستويات عدة من محاولات الأدلجة ضمن الفصائل:

  • المجاميع السلفية الجهادية والجهادية المعولمة (تنظيم داعش، جبهة النصرة، جند الأقصى..الخ)
  • الفصائل المحلية الثورية والمتأثرة بالأيديولوجيا الجهادية ومرت بأطوار مختلفة من الميل نحو أحد البعدين الثوري والجهادي (أحرار الشام)
  • الفصائل المحلية الثورية والمنتمية للفكر السلفي وتمايزت عن الجيش الحر مؤقتاً (جيش الإسلام)
  • الفصائل المحلية الثورية المتأثرة بمدرسة الإخوان المسلمين والمذهبية التقليدية على مستوى القيادات والمراجع –بغض النظر عن العلاقة التنظيمية بهم- ولكنها لم تتمايز عن مسمى الجيش الحر وعلم الثورة السورية (هيئة حماية المدنيين، الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، فيلق الشام)
  • الفصائل المحلية الثورية التي حافظت على انتمائها للجيش الحر وعلم الثورة والتي تمثل الجسد الثوري العام.

ولكن هذه الأدلجة اتسمت بقدر غير قليل من الهشاشة والمرونة والتبدل، وإن كانت ذات فاعلية سريعة في الواقع، ويختلف -بشكل كبير- مستوى ترسخها لدى القواعد أو الحواضن عما هو لدى القيادات والمنظّرين، حتى بالنسبة لجبهة النصرة، تبعاً لطبيعة التدين أو انتشار تأييد الثورة أو قوة الروابط المحلية (العشائرية، المناطقية) من جهة، وتبعاً لمدى ترسيخ هذه الأدلجة ضمن المعسكرات التدريبية والضخّ النظري لدى التيّار.
وتتسم خارطة الأفكار في الثورة السورية بدرجة عالية من الحركة والتحول والتداخل في سياقات مركبة ومتبدلة:
حيث يمكن رصد “جغرافيا الأيديولوجيا” في الثورة السورية من وقت مبكر، حيث الشمال السوري شهد الزخم الأعلى للخطاب الأيديولوجي ومزايداته بحكم سهولة دخول المقاتلين الأجانب، إضافة للمنطقة الشرقية لخصوصية قربها من العراق، فإن الجنوب السوري لم يشهد مثل هذا الزخم، ولا تمدد الفصائل ذات الطابع السلفي أو الجهادي فيه (فيما عدا جبهة النصرة التي تمددت لفترة ثم عادت للتقلص مؤخراً)، واستمر الجيش الحر بطابعه المحلي هو الغالب على التشكيلات المقاتلة.

وكذلك يمكن رصد “زمن الأيديولوجيا” لقياس تمدد الأدلجة في الخطاب والتنظيمات في الثورة السورية، في إطار التحولات الكبرى والدراماتيكية للواقع السوري، والمراجعات الفكرية لمنظري الخطاب الجهادي، أو التراجعات عنه للمتأثرين فيه بدرجة أقلّ، خاصة مع عدم رسوخ هذه الأدبيات والأيديولوجيات كعقيدة لدى فئة كبيرة من المتأثرين بها.

صناعة العلماني

في استدخال الثنائيات ذات الطابع الأيديولوجي إلى نقاشات الثوار السوريين، كثيراً ما كان يغيب طابع النقاش النظري والفكري لهذه الثنائيات والمفاهيم، لصالح توسيع إطار المصطلح والمقصودين به، سواء انطبقت الأفكار التي تسمى بالعلمانية على العلمانية أم لا، وسواء انطبقت صفة العلماني على الفئات المقصودة أم لا.
كان مما ساعد على هذه التوسعة واختراع المعارك الأيديولوجية، هو عزلة التيار الجهادي وكونه أقلية بلا قاعدة شعبية، وهو ما اضطره لتوسيع نزاعاته لتكون ذات طابع إسلامي عام، وهو ما ساعد على توسعة هذه الثنائيات وهيمنة الخطاب المتشدد وانتشاره، بحكم انتشار الحماسة الدينية، ولكن هذا لا يقتصر على تنظيم القاعدة أو داعش، بل يمتدّ لمجمل من تأثر بالسلفية الجهادية أو التيار الجهادي المعولم بين الفصائل وصناع الرأي من الثوار وذوي التوجه الإسلامي بعامة، ووفّروا بتكريس هذه الانقسامات، الأرضية الموضوعية لتمدد تنظيم داعش والقاعدة.
تم اختراع ثنائية الإسلاميين والجيش الحر في البداية رغم سمة التدين والشعارات الإسلامية العامة لدى تشكيلات الجيش الحر، وتمّ تغذية ذلك بحملات شيطنة تجاه الجيش الحر الذي شكّل أغلب القوة المقاتلة في معظم المعارك ضد نظام الأسد، واتهامه بالسرقات أو سوء الأخلاق، وبحملات مقابلة لتمجيد “الإسلاميين”، الذين قد يمارسون ذات التجاوزات المالية وبشكل أوسع بمسمى الغنائم، عدا عن فروقات أخرى تصنعها الاستنزاف في معارك الصد والرباط أو التفرغ للمعارك الاقتحامية، وعلى الاكتفاء بشعار إسقاط النظام أو ترسيخ شعار تطبيق الشريعة كهدف…الخ.
وتمّ تغذية ثنائية ما بين علم الثورة الذي يمثّل “راية عمية” أو “علم الائتلاف والعلمانيين” وما بين الراية المكتوب عليها كلمة الشهادة والتي دُعيت بـ “الراية النقية” و “راية التوحيد”، حيث شهدت المظاهرات الشعبية في فترات مبكرة من 2013م (وهو عام هيمنة الخطاب الأقصى) حالات عديدة من الاعتداء على علم الثورة، شارك بها عناصرمن أحرار الشام وجبهة النصرة وتنظيم داعش، وشهدت عزوف فئة واسعة حتى من فصائل الجيش الحر عن رفع علم الثورة خوفاً من موجة المزايدات تجاهه (جيش الإسلام أيضاً من الفصائل التي لم ترفع علم الثورة بشكل رسمي وما زالت، فيما عدا مشاركاته بالبيانات السياسية المشتركة مع الفصائل الثورية باسم الجيش الحر وبخلفية علم الثورة).

وفي صراع المظاهرات والفضاء الافتراضي، كان يمكن بسهولة رصد ظاهرة الاستقطاب المتزايد لدى المتأثرين بالأدبيات الجهادية تجاه الرموز الثورية بشكل عام، وتجاه السياسيين أو الكتاب أو النشطاء الذين لا ينتمون لشعارات ورموز التيار الجهادي، حيث يحيل علم الثورة أو المناداة بدولة مدنية أو ديمقراطية أو رفع شعار الجيش الحر إلى “العلمانيين”.
وفي ظل هيمنة الخطاب الأقصى، شهدت الثورة طغيان شعارات تطبيق الشريعة وبناء الدولة الإسلامية وإقامة الخلافة على الفضاء العام وضمن خطابات الفاعلين، حتى بين فئات من قادة الحراك الثوري كانوا يقدّمون خطاباً أكثر اعتدالاً، كقائد لواء التوحيد (عبد القادر الصالح) وقائد ألوية صقور الشام (أحمد عيسى الشيخ) واللذان صرّح كلاهما أن مشروعهما هو ترك الاختيار للشعب ودعم وجود دولة مدنية بمرجعية إسلامية، بينما تراجع كلاهما عن هذه التصريحات حين أصبحا جزءاً من الجبهة الإسلامية (22 تشرين الثاني 2013م) والتي تم كتابة ميثاقها “مشروع أمة” في إطار الرد على مزايدات واتهامات تنظيم داعش، وبسقفٍ عالٍ من الشعارات والمواقف القريبة للتيار الجهادي.

لم يجد الجهاديون والمتأثرون بهم أعداء واضحين ضد مفاهيم الشريعة والإسلام بقدر ما كان هؤلاء الخصوم لا ينتمون لأيديولوجيتهم ومشروعهم التنظيمي فقط، فقاموا باختراع أعدائهم ومحاربتهم على الواقع، وتمت صناعة العلماني عن طريق دعاية الجهاديين لتوصيف المشروع الثوري بعامة، بينما لم يكن أصحاب الأيديولوجية العلمانية موجودين أو مؤثرين بشكل كبير في الواقع الثوري في الداخل السوري، وكانوا أقرب للخصومة من الحراك الثوري العام، المسلح منه خاصة، والذي تم وصفه بدوره بالعلماني أيضاً.
ولكن صناعة غير الجهاديين كعلمانيين بوصفهم ومعاملتهم على هذا الأساس، المعاملة التي وصلت إلى حدود الاستئصال أحياناً، أدت إلى ردود فعل واسعة ضد شعارات التيارات الإسلامية عامة والتيار الجهادي خاصة، ويمكن تتبع ردات الفعل هذه من استعادة الخطاب الثوري هيمنته على الفضاء العام، إلى ردات فعل أقسى تتمثل بحالات اعتزال الثورة أو الانتقال لمعسكرات معادية (النظام، قوات سوريا الديمقراطية)، أو إلى التخلي عن الدين نفسه لدى فئة من الأفراد.

صناعة الإرهابي

نشأت أدلجة على الطرف المقابل من الجهاديين، أو الإسلاميين بعامة، عبر وسم الحراك الثوري بالتشدد أو الإرهاب لشعاراته الدينية أو خروجه من الجوامع، وهو ما يعكس هوية المجتمع المحلي وقيم الحامل البشري للحراك الثوري دون أن يحيل إلى مشروع سياسي ناجز أو إلى انتماء لتيار إسلامي سياسي أو التيار الجهادي (السلفي أو المعولم)، ولكن جرى تعريف المتشدد باعتباره “غير العلماني”.

وقد عمل نظام الأسد على ذلك في دعايته المبكرة ضد الثورة الشعبية، وقدّم نفسه للإعلام الغربي باعتباره النظام العلماني حامي الأقليات في مقابل إرهابيين، وهو ما يعكس صورة ذهنية حول ربط الإرهاب بالعرب السنة في المنطقة، وإرجاع الإرهاب لأسباب ثقافية تتعلق بالإسلام نفسه، وهي السردية التي كرّسها اليمين المتطرف الصاعد أوروبياً والمحافظون الجدد أمريكياً.

وعدا عن الصورة الإعلامية، فقد عمل نظام الأسد على تغذية ردود الفعل الأكثر عنفاً أو تشدداً تجاهه، عبر سلسلة المجازر ذات الطابع الطائفي خلال عام 2012م، والتي تركزت على مناطق الاحتكاك السني-العلوي، وعبر سياسته الخارجية التي استعانت بميليشيات متعددة الجنسيات ذات طابع طائفي بحت بإشراف ودعم ومشاركة إيرانية، وهي الميليشيات التي أصبحت الفاعل العسكري الأكبر ضد الثوار السوريين مع تقلص وانهيارات الجيش الرسمي، وغنيّ عن القول إن البنية الطائفية الأمنية لنظام الأسد من البدهي أن تكون حاضرة لدى الحواضن الشعبية للثورة.
ولكن لم يتوقف الأمر على صفّ نظام الأسد وحلفائه والبروباغندا الإعلامية التي صنعها لتبرير قمعه المتوحش ضد الحواضن الشعبية للثورة، بقدر ما امتدّ إلى المعارضة السورية نفسها، والتي تغذّت بهذه الانقسامات، وحاولت مؤسساتها الرسمية التي وُضعت لتمثيل الثورة، أن تقدّم خطاباً أكثر ليبرالية مما يسمح واقع الثورة، عدا عن الانفصام التمثيلي ما بين هذه المؤسسات وما بين الثورة على الأرض، وهو ما قوّض باستمرار إمكانية وجود مرجعية سياسية وعسكرية للثورة السورية، وإن كان يمكن اعتبار هيئة الأركان أفضل إنجاز عسكري اقترب من ذلك قبل تقويضها، ثم الهيئة العليا للمفاوضات كمرجعية سياسية قائمة حتى الآن، لأن كلا المرجعيتين اعتمدتا بشكل رئيس على تمثيل الفاعلين الميدانيين، لا على تمثيل كتل سياسية معزولة عن الميدان.

ومع اتخاذ الثورة السورية طابع الحرب، وتوسع التنظيمات “الإسلامية” خلال عام 2013م، فقد زادت مسافة الشرخ والنقد –داخل أوساط المعارضة-  تجاه الحراك المسلح بالعموم، وتعميمات وصف التشدد أو السلفية أو الإرهاب، على مجموعات ثورية محلية لا تنتمي في الحقيقة للتيار الجهادي (السلفي أو المعولم).

كان هذا بالتوازي مع سياسة دول عربية وغربية وسّعت من إطار تصنيفات الإرهاب لتشمل فصائل ثورية محلية أقرب للجيش الحر مما هي لتنظيم القاعدة (المصنّف دولياً على لائحة الإرهاب)، كما حدث بوضع أحرار الشام ولواء التوحيد وفصائل مختلفة -ليس لها نشاط عسكري إلا ضد نظام الأسد- على لائحة الإرهاب، مع عدم تصنيف ميليشيات شيعية متهمة بجرائم موثقة ضد الإنسانية على تلك اللائحة، وهذا ما يؤكد ازدواجية تعريف الإرهاب، حيث يتم تصنيف الحركات الجهادية السنية كإرهابية قبل ارتكابها أفعالاً يمكن وصفها بذلك مقارنة بالنقيض لدى الحركات الشيعية، وسياسة الازدواجية هذه تغذي السردية الهوياتية والطائفية والأكثر أدلجة للصراع، وتمنح مظلومية مضاعفة للتنظيمات الجهادية تستغلها هذه التنظيمات في الحشد والتعبئة.

لقد شجعت السياسة الدولية حول سوريا وتركيزها على تنظيمي القاعدة وداعش بدلاً عن نظام الأسد، على تضخيم صورة الأدلجة في الإعلام وبين الفصائل المقاتلة أكثر مما تمثل في الواقع، وشجع على تنامي النزعات الأكثر تشدداً كردود أفعال، وأسهم “الامتحان” المستمر لفصائل الثورة بالمساءلة المستمرة عن شكل الدولة ومواقفها من الجهاديين، والبحث المستميت عن معارضة معتدلة في صفوفها، في تعميم وصف التشدد وكأنه الأصل، وفي تعميق الشروخ فيما بين هذه القوى الثورية، عدا عن أن سياسة دعم ميليشيات ذات أساس عنصري ومتهمة بارتكاب انتهاكات ممنهجة (كالميليشيات الشيعية ووحدات حماية الشعب) للسيطرة على مكونات مجتمعية مغايرة أو معادية لها، يبدو أشبه بترسيخ جذور الصراعات الأهلية والنزعات المتشددة في المنطقة.

كان مصطلح “الإرهاب” بضبابية مدلولاته وطواعيته للتوظيفات المختلفة، أحد المداخل الرئيسة لتبرير سياسات مضادة لثورات الربيع العربي، ولترسيخ الانقسامات الهوياتية والطائفية في المنطقة، عبر وسم الحركات الشعبية بوسم الإرهاب، وإرغامها على اتخاذ سياسات أكثر عنفاً أو تشدداً، بوصفها ومعاملتها على هذا الأساس.

خاتمة

لم تكن الثورة السورية ثورة نخبوية أو أيديلوجية منذ بدايتها، وهذا الطابع “اللانخبوي” للثورة والفاعلين فيها، ولعل نسبة “النخب” المثقفة الأقل ممن التزموا بالعمل ضمن الحراك الثوري، ساهمت أكثر في الطابع العشوائي والاعتباطي الذي أخذته مسارات الأدلجة وصراع الأفكار ضمن الفضاء العام للثورة السورية، والذي عبر غالباً عن توق هوياتي حول الدين وصراع تنظيمات سياسية وعسكرية، أكثر مما أخذ طابع النقاش الفكري.

وقد أسهم التيار الجهادي (السلفي والمعولم) الصاعد في شقّ التوافق الثوري، عبر ترويج الصراعات والتصنيفات الخاصة به ضمن واقع الثورة السورية وتنظيماتها، وهو ما انعكس تأثيره على الفضاء الثوري العام بشكل أوسع من التيار الجهادي نفسه، وهو ما بدا أشبه بصناعة العلماني لمحاربة مشروع الثورة –فصائلياً ورمزياً- بحجته، وهو ما أسهم بتقويض قيام مرجعيات عسكرية وسياسية ثورية، وهو ما أسس ردود فعل سلبية بشكل كبير على واقع الثورة السورية.

وقد أسهمت سياسات حرب الإرهاب، وخطاب النخبة العلمانية السورية المعارضة، بنقدها لأي توجه ديني للحراك الثوري، وتعميم تصنيفات التشدد والإرهاب على أي حركية أو فكر إسلامي، في دعم مسارات التشدد ورواج التصنيفات الأيديولوجية، عدا عن تضييقها على الفصائل الثورية واصطناع الصراعات داخلها، وإفشال الطابع التمثيلي للمرجعيات العسكرية والسياسية الثورية.

ورغم الصعود السياسي لنشاط الفصائل الثورية، خاصة ذات الطابع الإسلامي منها (خلال 2015م)، وصعود الخطاب الثوري من جديد، وتقلص تأثير الخطاب الجهادي ومزايداته على هذه الفصائل وخياراتها، فإن الضغط الدولي على الثوار السوريين، عسكرياً وسياسياً، عبر توافقات كيري-لافروف، وغياب حاضن إقليمي للثوار السوريين يوازي الحاضن الإقليمي لنظام الأسد والحشد الشعبي، مع تكريس الطابع الطائفي والهوياتي لخرائط المشرق العربي الجديد والتي تستهدف العرب السنة بشكل رئيس، فيبدو أن جذور التشدد والأيديولوجيات القصوى ستبقى قائمة في المنطقة، عبر تكريس أسبابها دولياً.