صورة القدس العثمانية في القرن السابع عشر


مراسم الحج الأوروبي

أوقاف القدس ومساجدها

الإعمار العثماني للقدس

طقوس افتتاح كنيسة القيامة

قام الرحالة التركي الأشهر «أوليا چلبي» برحلتين إلى بلاد الشام،[1] أولاهما في عام 1649م، وقد ضمّن تفاصيلها في المجلد الثالث من كتابه الموسوعي «سياحتنامه» المكون من عشرة مجلدات،[2] بينما ضمّن الرحلة الثانية في المجلد التاسع من نفس الكتاب. وكدأبه في وصف سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية قبل حركة التحديث وعصر التنظيمات، يصف أوليا چلبي كل ناحية ارتحل إليها من حيث جغرافيتها، وموقعها، وعدد نفوسها ودُورها وقصورها ومدارسها وتكاياها وخاناتها (أسواقها)، ومساجدها وجوامعها، وقبور الشخصيات التاريخية بها، وكل ما فيها من معالم تستوقف الرحالة. وقد اهتم «أوليا چلبي» كذلك بتسجيل حركة الإعمار التى حدثت في مختلف المناطق، وما تم تشييده من وقفيات ضخمة، وأعمال البر، والرفاه الاجتماعي التى قام بها مختلف السلاطين والأمراء والأميرات ورجال الدولة، الذين تنافسوا في إنشاء هذه المشروعات الضخمة.[3]

يبدو أن رحلة المؤلف الأولى إلى بلاد الشام لم تشتمل الكثير عن فلسطين ونواحيها المختلفة، لكنه زار مدينة القدس الشريف وبعض نواحي الساحل الفلسطيني على البحر الأبيض المتوسط. وكانت مدينة القدس في زمان «أوليا چلبي» مقصداً للحجاج الأوروبيين، كما كان الأمر في عهد الدول الإسلامية السابقة. وفي عام 1626م، كانت الدولة (العثمانية) تتقاضى من كل حاج أوروبي خمس آقجات (قطع فضية) كرسم للدخول.[4]

القدس، أو بيت المقدس، ويسميها الأتراك «قدسِ شريف» بكسر حرف السين، وهي مدينة مقدسة لدى كل من الأديان الثلاثة، وهي أولى القبلتين، ومركز لواء في إيالة الشام. تقع وسط فلسطين، لكنها إلى الشمال الغربي من بحيرة لوط (البحر الميت)، وهي أقرب إلى وادي الشريعة  (نهر الأردن حالياً) منها إلى البحر الأبيض. كانت باللواء تشكيلات تيمار، ويبلغ راتب أمير اللواء أكثر من 257 ألف آقجة فضية، ومخصصات إمارة اللواء حوالي عشرين ألف ليرة ذهبية، ويبلغ راتب قاضي القدس 500 آقجة يومياً، ومخصصات القضاء بالقدس عشرين ألف ذهبية سنوياً. وكان قضاء القدس المركزي كبير جداً، ويتبعه أكثر من ألف قرية.

مراسم الحج الأوروبي

تبلغ إيرادات الدولة سنوياً من الحجاج الأوروبيين القادمين ما بين 20 إلى 25 ألف ذهبية، ولا يعد الحاج حاجاً ما لم يزر كنيسة القيامة، وأهم يوم مقدس للزيارة هو عيد الفصح (أو عيد البيض الأحمر).

يفتتح كنيسة القيامة في ذلك اليوم أمير لواء القدس، أو الملا قاضي القدس فقط بالمراسم، وقراءة الفاتحة وسط الاحتفال الديني المسيحي، وبين تهليلات وصلوات البطاركة. يقول المؤلف أوليا چلبي أن افتتاح “مسلم” لأكبر مهرجان ديني مسيحي في العالم شئ غريب، لكنه كان يعني إشارة ضمنية للمسيحيين القادمين من جميع أرجاء العالم أن هذه الزيارة يمكن إجراؤها بكل حرية وأمان واطمئنان، ونظام كامل بفضل الدولة العثمانية، وكي يتعلم الأوروبيون كيف يعاملون الذين لا يدينون بدينهم. يزور كنيسة القيامة في ذلك اليوم عدد يتراوح بين خمسة وعشرة آلاف زائر مسيحي، ويصبحون حجاجاً، ويعودون إلى أوروبا فرحين. يتقاضى قسس كنيسة القيامة الخراج من كل حاج – ما عدا المعوزين منهم– ما يتراوح بين خمس إلى سبع ليرات ذهبية. يرافق الحرس العثماني الحجاج المسيحيين إلى بيت لحم، التي ولد بها السيد المسيح (عليه السلام) إلى الجنوب من القدس، وكذلك إلى المدينتين المقدستين الخليل والناصرة، ويرافقونهم عند العودة كذلك. والمسيحي الذي يزور تلك الأماكن، علاوة على كنيسة القيامة، يكون قد أدّى حجا كاملا.

أوقاف القدس ومساجدها

وللسبعمائة وقف الموجودة آنذاك في مدينة القدس ناظر مسؤول أمام أفندي (قاضي) القدس. والقدس من فتوحات السلطان سليم، وقد شيد قلعتها القائمة آنذاك {في زمن أوليا جلبي} الصدر الأعظم العثماني “لالا مصطفي باشا”.  وتحتوي القلعة المحاطة بسور طوله سبعة آلاف وخمسون ذراعا، على أربعة آلاف وأربعين منفذاً للسلاح، وقبة جامع رستم باشا، ويوجد بداخل السور 1,110 من الدور، وجامع، وعدة مساجد، وعدد من القصور والسرايات، وجميعها مبنية بالحجر. والمسجد الأقصى من أعظم المساجد قدسية لدى المسلمين، ويحتوي داخله على مئات السجاجيد، والثريات الثمينة جداً، وبه سبعة آلاف  قنديل، وأشياء ثمينة أخرى، كلها هدايا من كبار السلاطين الأيوبيين، والمماليك، والعثمانيين.

يبلغ عدد المساجد والجوامع في القدس 240، وأكثرها مباني صغيرة إذ أن المسجد الأقصى كبير بدرجة تستوعب أهالي القدس برمتهم، وفي القدس كذلك 71 مدرسة، 40 مكتب تعليم، 70 تكية، 6 خانات، ثلاثة مطابخ عامة للمحتاجين، 18 حنفية ماء مشيدة (چشمة)، 70 حوضا، وفسقية، وشادروان (ميضأة أو حوض مسقف تحيط به حنفيات عديدة للوضوء)، 2045 دكانا، أربعة خانات كبيرة، وأربعة حمامات عامة جميلة. وقد شيد السلطان سليمان خان 18 حنفية (جشمة)، وكسا جميع أرصفة شوارع المدينة، وأزقتها بالحجر الأبيض المصقول. وكان في المدينة معبدان لليهود، وكنيستان غريغوريتان، وثلاث كنائس أرثوذكسية.

وقد صلى عمر (رض) الذي فتح القدس من البيزنطييين في المحراب الواقع في الجهة الشرقية من الأقصى، ويتولى خدمة المسجد الأقصى في ذلك العهد ثمانمائة شخص. يصعد الخطيب يوم الجمعة على المنبر متقلداً سيف عمر (رض)، ويتلو الخطبة باسم حضرة البادشاه (السلطان) خليفة الكرة الأرضية (بالتركية: خليفة روي زمين). وللمذاهب الأربعة أربعة خطباء، وهم يعتلون المنبر للخطابة بالتناوب. كان للمسجد خمسون مؤذناً، وقس على ذلك بقية القائمين بالخدمات الأخرى.

الإعمار العثماني للقدس

وقد بنى السلطان سليمان القانوني مسجد الصخرة الموجودة في طرف المسجد الأقصى بالأموال التي حصل عليها من حصته الشرعية من غنائم غزوات بلغراد، وموهاج. قام المعمار العثماني (رومي الأصل) الأشهر سنان ببناء الجامع حسبما وجهه البادشاه (العاهل) بنفسه، واستعمل المرمر الأبيض. حضر المعمار سنان من استانبول إلى القدس خصيصاً لهذا الغرض، وقد أشرف الصدر الأعظم “لالا مصطفي باشا” على البناء خلال ذلك، وقد كسي عمود الذؤابة الوسطى في القبة، والبالغ طوله 12 ذراعاً، بطبقة سميكة جداً من الذهب، ويرى لمعانه من الأرض عن بعد مرحلة واحدة، وأقيمت أعمدته الاثنا عشر من مرمر السوماكي (الملون)، وكان سجاده من الحرير بمثابة ثروة كبيرة.

«صخرة الله» عبارة عن صخرة بيضاء محاطة بسياج طوله مائة ذراع؛ وبسبب وجود القبة فوقها، سمي المسجد «قبة الصخرة». إن هذه الساحة المقدسة التي بدأ بناءها عمر (رض)، وأتمها سليمان خان (القانوني)، تسمى الحرم الشريف (وبالتركية: حرم شريف – بكسر الميم). كان يحظر دخول غير المسلمين فيها، كما هو الحال في مكة والمدينة ومقر البردة الشريفة (بالتركية خرقة سعادت) في قصر طوب قابو باستانبول، ومقام أبي أيوب الأنصاري في استانبول أيضاً.

كان السلطان سليمان خان (القانوني) قد صرف من حصته الشرعية في الغنائم ألف كيسة ذهب لكل من مكة، والمدينة، والقدس، ويعادل مجموعها ثلاثة آلاف كيسة رومية (عثمانية)، أي 750 ألف سكة أو ليرة ذهبية.

طقوس افتتاح كنيسة القيامة

وتعتبر كنيسة القيامة أكثر الكنائس قداسة، وتقف وحدة عسكرية عثمانية أمام الكنيسة على مدار الساعة، وهي مستعدة لتنفيذ أوامر البطريرك؛ إذ يتجمع أمام الكنيسة باستمرار جمع غفير من الحجاج القادمين من كل أنحاء العالم، وقد لا يفهم أحدهم لغة الآخر، ومن المحتمل أن يتهور أحد هؤلاء الزوار، أو يتشاجر في سبيل الحصول على قطعة صغيرة جدا من أحجار الكنيسة، لذا فإن أمير القدس، أو قاضيها يمكنه فك ختم باب الكنيسة مرة واحدة في السنة في يوم عيد الفصح، ويعاد بعدها الختم مرة أخرى بعد انتهاء زيارة الحج، ولا يُسمح بالدخول إليها مرة أخرى حتى عيد الفصح التالي، ويختلي بداخل الكنيسة ثلاثمائة راهب، ويغلق عليهم الباب، ويدخل إليهم طعامهم، وشرابهم كل يوم من فتحة في الباب مخصصة لذلك الغرض، والراهب الكاثوليكي، أو غير الكاثوليكي الذي يعتكف داخل كنيسة القيامة لمدة سنة، يحصل على رتبة عظيمة.

في أيام الحج، يتجمع داخل وخارج الكنيسة نحو عشرين ألف شخص، ولكي يفض ختم بابها في غير أوقات الحج (عيد الفصح)، لا بد من الموافقة الشخصية لوالي الشام (البكلربك أو الفريق)، ولا يملك أمير لواء القدس (السنجق بك) تلك الصلاحية. آخر أمر هكذا، أعطاه قبل 23 سنة (من زيارة أوليا چلبي) والي الشام زيلة لي جاووش-زاده محمد باشا، حيث رغب الباشا عندما حضر لتفتيش القدس في زيارة الكنيسة. وبعد انتهاء الزيارة، جدد قاضي القدس ختم الباب فورا؛ ذلك لأن داخل الكنيسة عبارة عن خزينة هائلة من التحف والكنوز، فقد أرسل ملوك أوروبة المسيحية كافة منذ عصور طويلة أشياء ثمينة جداً. فالثريات والقناديل التي يعود تاريخها إلى ألف عام تدهش البصر، ولا يمكن مشاهدة ذلك في أي كنيسة أخرى. وتحرص الدولة العثمانية تماماً على عدم خروج أو تهريب أي شئ من الكنيسة إلى الخارج. في تعداد السكان الذي أجري عام 1648، كان عدد سكان المدينة أربعة وخمسون ألف نسمة، لكن إذا ما أضيف إليهم عدد الزوار، فإن عدد السكان يزداد بطبيعة الحال.

تقع مدينة بيت لحم على مقربة من القدس، وإلى الجنوب منها، وهي ناحية في القضاء المركزي للقدس، بها مائتا دار، والشائع أن نبي الله عيسى (عليه السلام) قد ولد بها، لذا فإنها تكون مزدحمة بالمسيحيين القادمين من أمصار العالم المختلفة، ويعودون إلى القدس في ذات اليوم بعد إتمام زيارتهم؛ إذ لا توجد فيها أماكن للمبيت. تهبط إلى الكهف الذي سميت القصبة باسمه (بيت اللحم) بسلم مكون من 12 درجة، وللكهف ثلاث زوايا، ويستوعب مائة شخص فقط بصعوبة. يشاهد مهد عيسى (عليه السلام) من الحجر الأحمر، ومحل جلوسه من المرمر الأبيض، وقد جُعِل الكهف على شكل كنيسة، وقد أنفق السلطان محمد خان (الرابع) قبل عدة سنوات {من رحلة أوليا چلبي أي حوالي منتصف القرن السابع عشر} مبالغ كبيرة من النقود لهذه القصبة، واستشار علماء المسيحيين في هذا الشأن، وبذلك زالت صعوبة الزيارة. مسلمون كثيرون كذلك يَؤمونها لغرض الزيارة، إذ أن المسلمين يؤمنون بكل الأنبياء. تستغرق الرحلة على طريق القدس- الخليل سبع ساعات، وقد شيّد السلطان مراد الرابع في منتصف هذا الطريق قلعة لتأمين مرور الحجاج المسيحيين بأمان، وتسمى «قلعة مرادية»، والمنطقة عبارة عن ناحية تحتوي على مدافع، وحامية مؤلفة من 90 جندياً.[5]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1].  يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سليمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، الطبعة الأولى، المجلد الأول 1988، المجلد الثاني 1990، استانبول: منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، 1560ص.
[2].  المعلوم أن المجلد العاشر الخاص برحلة أوليا چلبي إلى مصر وأفريقيا إلى اللغة العربية في أواسط القرن الماضي، وأعيد إصداره عن دار الكتب المصرية، انظر: الرحالة التركي أوليا چلبي، سياحتـنامه مصر، ترجمة محمد علي عوني، مراجعة الدكتور عبد الوهاب عزّام والدكتور أحمد السعيد سليمان، تقديم ومراجعة الدكتور أحمد فؤاد متولي، (القاهرة دار الكتب والوثائق القومية، 2003)، 660 ص.
[3].  يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، المرجع السابق، ص799-812.
[4]. مازن النجار، صورة الشرق العربي في زمن الرحالة العثماني أوليا چلبى (1649-1683)، وجهات نظر، أبريل/نيسان 2009.
[5]. مازن النجار، رحلة أولياء جلبي إلى الشرق العربي وأفريقية (1649-1683): قراءة في التاريخ الاجتماعي العثماني، (غير منشور)، 1999.