ظاهرة الانتقاء عند المؤرخ

أستاذ مساعد بقسم العلوم الإسلامية جامعة ÇOMÜ - تركيا

2 أغسطس , 2015 كل المناطق


لا مشاحة أن دارسة الحدث التاريخي هو صُلب عمل المؤرخ، فالمؤرخ يصر على التعامل مع الحدث كما هو باعتباره ظاهرة العلم، ولا يزال المؤرخ يرفض بعناد التعامل مع الحدث الافتراضي، باعتباره افتراضاً لا يقود بدوره إلا إلى دائرة مفرغة من افتراضات لا حد لها، ومن العبث ضياع الوقت والجهد باللهاث خلفها لأنها في جوهرها – ومن الزاوية الإبستمولوجية البحتة – لا تفيد اليقين.

إذن على المؤرخ أن يدرس الحدث التاريخي بوصفه ظاهرة علمه من وجهة نظر الحتمية التاريخية، بصرف النظر عن اعتقاده فيها من عدمه، فالحدث التاريخي كما كان، وكما حدث هو عند المؤرخ بمثابة صخرة الجيولوجي. فكما على الجيولوجي أن يدرس تلك الصخرة في سياق المحيط متسائلا متى؟ لماذا؟ كيف؟ دون أن يتذمر من شكل الصخرة أو من الطريقة التي تشكلت بها على هذا النحو؛ فإنه ينبغي على المؤرخ أن يدرس الحدث أيضاً بطرح الأسئلة نفسها، من دون أن يبدي تبرمه من وقوع ذلك الحدث التاريخي. فليس له أن يلعن ذلك الحظ العثر الذي قاد إلى سير الأحدث على هذا النحو. وعليه أن يكف قلمه عن طرح أسئلة من قبيل “هل كان بالإمكان أن …” و”ماذا لو ….؟” حتى لو كانت أسئلة رومانسية الطابع، تخلو من الأهداف العنصرية أو القومية أو الطائفية، والقصد منها مجرد مداعبة خيال القارئ أو إثارة شجنه أو تعاطفه.

التاريخ – بوصفه علماً، أو هكذا يطمح إلى أن يكون – عليه ألا يتطرق مطلقاً إلى الفرضيات التي تنسحب على الماضي طالما غابت أدوات الحكم على إمكانية حدوث تلك الفرضيات، ثم صيرورتها إن تحققت. وبما أن هذه المعرفة لا يدعيها عاقل؛ فإن النتيجة الحتمية أن ينأى المؤرخ بنفسه عن التصدي لما لا يستطيع. أما تلك الفرضيات المتعلقة بالتطور في المستقبل فإحدى غايات التاريخ الكبرى أن يطور أدواته إلى الحد الذي يُمكّنه من استشراف المستقبل والتنبؤ به.

ومن الجلي أن طبيعة الأحداث في التاريخ معقدة ومتشابكة، كما أنها لا تُحصى كثرة، لذا دأب المؤرخون على ما اصطلح فلاسفة التاريخ عليه بـ “الانتقاء” عبر تقسيم حوادث الماضي إلى حوادث تاريخية وأخرى غير تاريخية، والحوادث التاريخية هي التي تشكل منعطفاً مميزاً في سير الحوادث أو تطوراً بارزاً يميز ما قبلها عما بعدها، أما غير التاريخية فبإمكان المؤرخ أن يلقى بها وارءه ظَهرياً فتذهب إلى غياهب النسيان إلى الأبد لأنها بلا أهمية تذكر. فلنضرب إذن مثالاً على ما نقول؛ محمد بن جرير الطبري (المتوفى 310هـ) – على سبيل المثال – يذكر وفاة الخليفة المكتفي في أحداث عام 295هـ، ومن ثم ولاية المقتدر للخلافة في تلك السنة ذاتها. كما يذكر بعض الحوادث الأخرى الأقل أهمية في خضم أحداث ذلك العام[1]. ولعلك تحكم جازماً أن ما ذكره مؤرخنا – وهو المعاصر لتلك الحوادث – ليس مجمل حوادث ذلك العام، فإن هذا العام – شأنه في ذلك شأن الأعوام السابقة واللاحقة – قد شهد مئات الآلاف من الحوادث الجزئية ليس فقط في أرجاء الدولة الإسلامية المترامية الأطراف؛ بل في بغداد نفسها وتحت قدمي الطبري، فكيف ضرب الرجل صفحاً عن تسجيلها؟. ثم لك أن تعود إلى التساؤل مجدداً: كم مجلداً كان الرجل بحاجة إليه ليسجل كل ما رآه رأي العين، وكل تناهى إلى سمعه من حوادث وقعت في ذلك العام وحده؟!! ثم لك أن تُعمّم التساؤل: وهل يمكن للمؤرخ أن يدون كل ما قد يتناهى إلى علمه؟!!.

لما كان المؤرخ لا يستطيع تسجيل كل شيء، أو الاحتفاظ بكل الدقائق، كان لابد من التخلص من خِضم تلك الوقائع اللامتناهية بواسطة الفرز بالحكم على أهميتها النسبية، ومن ثم فإن تقرير الأهمية عملية لابد منها عند التصدي لكتابة التاريخ، ومهما حاول المؤرخ تجنبها أو استبعادها فلا مفر له من القيام بالانتقاء على قاعدة الأهمية النسبية. وما فعله الطبري هو ذات ما يفعله المؤرخ المعاصر اليوم. فهو الذي يجمع كل ما يمُت بصلة – قريبة كانت أو بعيدة – لموضوع دراسته من مختلف مصادرها، ثم لا يلبث أن يستبعد ما لا محل له في دراسته، وما يحتاج منها إلى دراسة مستقلة، وما لا يجب التطرق إليه أو الإغراق فيه بوصفه هامشياً. ثم يقوم لاحقاً بعملية فرز تالية فيثبت في دراسته من الحوادث ما يعتقد بأهميتها النوعية، ويستبعد حوادث أُخر لا تخدم غرض الدراسة أو سياق التناول… الخ.

وهنا لا مفر من التسليم أن ملايين الحوادث غير التاريخية التي أسهمت في حدوث “الحوادث التاريخية” قد سقطت من ذاكرة التاريخ إلى الأبد لأنها ببساطة لم تجد من يسجلها . وليس أمام المؤرخ في كثير من الأحيان إلا “الاجتهاد” بشقيه السلبي والإيجابي. الاجتهاد السلبي يقتضي أن يصمت المؤرخ عن الحكم على صحة حادثة أو واقعة تحدثت عنها المصادر المتأخرة لأن المصادر المعاصرة أحجمت عن ذكرها. على اعتبار أن النفي دون دليل تعسف، أو كما في اصطلاح المناطقة الكلاسيكيين تَحكُّم، كما أن الإثبات دون دليل تَحكُّم أيضاً. أما الاجتهاد الإيجابي فهو أن يسعي المؤرخ لتدقيق الحادثة أو الواقعة محاولا رأب الثغرات باللجوء إلى الاستنتاج غير المتعسف المبني على شواهد منطقية، ثم الخروج بحكم يفتقر إلى الجزم، إذ ليس كل مجتهد مُصيباً.

ومهما بذل المؤرخ من جهد، ومهما بلغ إخلاصه في العمل فإنه لا يسعه في نهاية المطاف إلا التسليم بأن:

  • حوادث الماضي هي ظواهر معقدة في جوهرها، لا يمكنه أن يتحرى تتابعها بذات التعقيد الذي حدثت به. وهو لا يستطيع استعادة تلك المؤثرات والمقدمات التي أسهمت في صناعة ذلك الحدث التاريخي بتشابكها وتفاعلها المعقد ما بين العوامل المادية والنفسية والروحية.
  • ثمة عدد لا يحصى من تلك الحوادث غير التاريخية والتي سبق وأن ألقى بها المؤرخون – على اختلاف مشاربهم – في سلة المهملات، أو سقطت إلى الأبد في غياهب النسيان لأنها لم تجد من يُعنى بها أو يسجلها.
  • هذه الحوادث غير التاريخية قد ترقى عنده– حال وقوفه عليها أو معرفته بها – للتسجيل كحوادث تاريخية. ولا أبلغ في التدليل على هذا من تلك المعلومات التي يمد الآثاريُّ المؤرخَ بها، فيستاءل الأخير مستغرباً عن سبب إحجام المصادر الأدبية عن تسجيلها. وكذلك شكاوى المؤرخين الذين يبحثون في التاريخ الاجتماعي أو الاقتصادي المتكررة من ندرة المادة التاريخية في المصادر لغلبة التاريخ السياسي عليها. وقد سخر بول فاليري P. Valéry في خطبته الشهيرة في التاريخ من هذه الظاهرة بقوله إنه يعتقد أنَّ التفاصيل المحيطة بمعرفة أوروبا بخواص شراب الكينا، يفوق بمراحل من حيث الأهمية مقدمات وتداعيات أي معاهدة سياسية معاصرة[2].
  • إنه – أي المؤرخ – حين يستدعي تلك الحوادث والوقائع التاريخية فإنه يستدعيها مشوهة ومجردة – أو تكاد – من جُل الخصائص التي كانت تميزها إبان وقوعها فعلياً.

وبما أننا نسلم أن عملية الانتقاء عند المؤرخ عملية حتمية لا مفر منها عند التأريخ لحقبة ما، فإننا لا نملك إزاءها إلا التسليم –أيضاً – بأنها عملية تتحكم فيها النوازع الذاتية عند المؤرخ دون أي اعتبار موضوعي. إذ إن فرز الوقائع والحوادث بحسب الأهمية لا يعدو أن يكون – وبالتعريف البسيط – عملية عقلية موكولٌ أمرها إلى تقدير المؤرخ وذوقه الشخصي فحسب.

في هذا السياق فإن بول فاليري – أحد أكثر الفلسفة المتحمسين لقضية لا علمية التاريخ – عول كثيراً على ظاهرة الانتقاء عند المؤرخ كأساس للقول بأن التاريخ فن من الفنون لا أكثر. فمهما قيل عن الموضوعية، ومدى التزام المؤرخ بالقواعد والمعايير العلمية الصارمة التي تحكم الكتابة في التاريخ، فإنه – أي فاليري – عرَّف الانتقاء بأنه ظاهرة تباين الأهواء عند المؤرخين. فالمؤرخ يقوم – شعورياً أو لا شعورياً – باستبعاد كل ما لا يخدم طرحه، أو ما من شأنه أن ينقض مذهبه الفكري، ويذهب فاليري إلى أبعد من ذلك عندما يقول: “ولا يبدو أن هناك كبير أثر لثقافة المؤرخ، أو لرسوخ علمه، ولا لإخلاصه ولا لعمقه في التحليل في الحد من تلك الظاهرة”[3].

الانتقاء في التحليل الأخير – وكما يرى أناتول فرانس A. Frans – عبارة عن عملية عقلية تعسفية بالضرورة تحدث داخل عقل المؤرخ فحسب، فخيال المؤرخ هو الذي يجعل من ذاك الحدث حدثاً تاريخياً وذاك غير تاريخي لا يستحق التسجيل. ويتكئ فرانس على هذه المقدمة ليعود فيقول: “أما علاقة الحوادث ببعضها فمن الأفضل أن نحجم عن الحديث عنها. فإننا إن فرضنا أن هناك حادثة تاريخية ما نجمت عن حوادث أُخر غير تاريخية، وعليه فهي مجهولة بالنسبة للمؤرخ من هذه الزاوية – وهذا أمر جائز – فما سبيل المؤرخ لإبراز ارتباط الحادثة التاريخية بتلك الحوادث المجهولة؟!. وفي الأخير يخلص فرانس إلى أن التاريخ ليس علماً، ولن يغدو علماً في المستقبل، إذ إن المرء لا ينجح فيه إلا بواسطة الخيال المحض![4].

ومع تسليمنا –غير المتحفظ- أن هناك عدداً لا يُحصى من الحوادث التاريخية قد تعاقبت في كتب ودراسات المؤرخين في ظل انقطاع الأسباب بينها وبين الحوادث غير التاريخية. فإن هذا التسليم من شأنه أن يُصيب في مقتل مبدأ العِلّية وتلك العلاقة المفترضة بين السبب والأثر. وهو مبدأ علمي مرموق تلقاه المؤرخون عن الفلاسفة باحترام بالغ. فينوه فاليري إلى مغالطة المؤرخين المنطقية الكبرى في تفسير التاريخ، والمبنية على قاعدة العبارة اللاتينية Post hoc, ergo Propter hoc والتي تعني “أتى بعقبه، إذن حدث بسببه”. تلك العبارة التي لعبت – وما تزال تلعب – دوراً كبيراً في تفسير التاريخ حتى أيامنا هذه. فتوالي الأحداث التاريخية على كر السنوات، في ظل انقطاع الأسباب بينها وبين الحوادث غير التاريخية قد يحدث في ذهن المؤرخ الأثر نفسه الذي تحدثه تراتبية أحرف الهجاء في أذهان العوام. إذ إن توالي الأحداث بوتيرة معينة أو حتى تزامنها قد لا يكون له معنى أو مغزى أو تفسيراً إلا في ذهن المؤرخ فحسب. ويشخص فاليري حال المؤرخ في تلك الحال بـميكروميجاس Micromegas (رجل فولتير الخيالي الشهير) مفترضاً أن بإمكانه التحرك عبر سنوات التاريخ ذهاباً وإياباً من دون هُدى. فإنه لو شاهد مدينة الإسكندرية المصرية في أوج ازدهارها أيام البطالمة، ثم مضى قدماً عبر التاريخ ودخل إلى قرية فرنسية في ثلاثينيات القرن العشرين. لجزم قطعاً أن مباني الإسكندرية البطلمية أحدث عهداً من أكواخ القرية الفرنسية بثلاثة إلى أربعة آلاف سنة على أقل تقدير، وربما افترض سلسلة تطورية لتبرير تلك الصورة الذهنية التي لا وجود لها إلا في عقله هو فحسب![5].

——————————————————————————————————-

[1] الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، (القاهرة، دار المعارف، 1979) 10: 139.

[2] بول فاليري، خطبة في التاريخ، ألقيت في حفل توزيع الجوائز الرسمية بباريس بتاريخ 13 يوليو 1937، نقلها إلى العربية عبد الرحمن بدوي، في: النقد التاريخي، (الكويت، وكالة المطبوعات، الطبعة الرابعة، 1981) 301-302.

[3] فاليري، نفسه، 300.

[4] Anatole France, The Crime of Sylvestre Bonnard, (pubOne info LLC, 2010) 223.

[5] فاليري، نفسه، 303.