مرمدوك بكثال: مسلم بريطاني


غلاف كتاب مرمدوك بكثال
مرمدوك بكثال: مسلم بريطاني
تأليف: بيتر كلارك
ترجمة: أحمد بن يحيى الغامدي
سنة النشر: 2015
عدد الصفحات: 254 صفحة
سعر الكتاب: 10 دولار
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية

صدر عن منتدى العلاقات العربية والدولية بالدوحة ترجمة كتاب “مارمدوك بكثال مسلم بريطاني” تأليف السير بيتر كلارك ترجمة الدكتور أحمد بن يحيى الغامدي، وهو الكتاب الأول من نوعه بالعربية الذي يترجم لحياة الأديب والمترجم مارمدوك بكثال مترجم القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية.

أقسام الكتاب

هذه سيرة ممتعة، كما كانت القصة الواقعية لبطلها، الأديب والكاتب الإنجليزي مرمدوك بكثال، قسم المؤلف الكتاب إلى عدة فصول عرض الفصل الأول خلفية بكثال الثقافية ومهنته حتى عام 1913. أما الفصول الثلاثة اللاحقة كانت موضوعاتها القضايا الثلاث التي شغلت بكثال لفترات متلاحقة وهي: تركيا، والإسلام، والهند. كان المصدر الرئيس لهذه الفصول الثلاثة كتابات بكثال الصحفية. الفصلان اللاحقان عبارة عن دراسه فاحصة لكتاباته الروائية القصصية.

إنجليزي حتى النخاع

ولد مرمدوك وليام بكثال في مدينة كيمبريدج تِرَس قرب لندن في 4 إبريل عام 1875، كان والده قساً، كانت حياته وآثاره موضع كتاب عن سيرته كتبتها السيدة آن فريمانتل (Ann Fremantle) عام 1938 بعنوان العدوّ الوفيّ (Loyal Enemy).

كان بكثال روائياً قال عنه إي. إم. فورستر (E.M. Forster) عام 1921 إنه “الروائي المعاصر الوحيد الذي يفهم الشرق الأدنى، وبالإضافة إلى كتاباته القصصية، كرّس بكثال وقته بعد اعتناقه الإسلام عام 1917 للكتابة والحديث عن هذا الدين. في عام 1919 أصبح إماماً بالوكالة للجالية المسلمة في لندن لعدة أشهر واعظاً وكاتباً لكتيّبات (عن الإسلام). قضى آخر خمسة عشر عاماً من عمره في الهند، وكانت المحاضرات التي ألقاها في مدراس عن “الجانب الثقافي للإسلام” قد أعيدت طباعتها في نيودلهي عام 1981. نُشرت ترجمته لمعاني القرآن الكريم لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1930.

عالم الشرق السحري

يتذكر بكثال عن شبابه أنه كان يعتبر نفسه “فاشلاً تماماً ومحبط جداً.” بعد فشله الدراسي، قبل بكثال بالخيار الأكثر مغامرة بأن يذهب إلى فلسطين، بدأ تهيئة قلبه لرومانسية الشرق “شمس المشرق, وأشجار النخيل, والجِمال، ورمال الصحراء”، بالطبع كانت والدته تتمنى أن يتعلم اللغات الشرقية ليلتحق بوزارة الخارجية، عاش في فلسطين وبدأ التعرف على عالم الشرق عن قرب، في القدس أحب العرب وارتدى الملابس المحلية، وكان يرى في أهل القدس سعداء حقاً هكذا عبر عن حالتهم، تجول بعد ذلك في بيروت والأردن بصحبة أحد الأدلاء، ثم دمشق “مدينة القلوب الدافئة وآداب السلوك الراقية”، كما وصفها في أحد قصصه القصيرة، وفي دمشق بدأ يفكر في اعتناق الإسلام، هكذا خرج من بريطانيا شاعراً بالإحباط والفشل وعاد بعد سنتين من التجوال في القدس وحلب ودمشق وبيروت والقاهرة واستانبول، شاعراً ليس بهويته المميزة بعد، بل بالسرور والبهجة، متعلماً اللغة العربية، وقريباً من عالم الشرق، أهداه معلمه قسطنيطن كتاب “ألف ليلة وليلة”، وأغرم بالبحث عن ظلال هذه الحكايات في الواقع، سيصبح هذا المخزون من الذكريات مادة لأربع روايات وللكثير من القصص القصيرة.

صديق اللورد كرومر ومحب مندفع للأتراك

زار القاهرة بعد ذلك والتقى باللورد كرومر، كان معجباً بعمل كرومر، كان يميل في آرائه السياسية إلى التعاون مع الدولة العثمانية، وصرح بذلك لكرومر ولم يعارضه كرومر في هذه الفكرة، جاء بعد ذلك كتشنر والذي يمكن وصفه بالغشيم “يضرب بالمدفعية فراشات” هكذا وصفه، كان ذا هوى استعماري أيد تصرفات الإنجليز في حادثة دانشوي، سافر بكثال بعد ذلك لتركيا وشارك في متابعة الأوضاع السياسية في تركيا عن قرب، كان ذلك عام 1908، أبدى إعجابه بالمسلمين في تركيا، ولم تكن انطباعاته طيبة عن المسيحيين في تركيا، أصبح مسيساً ومحباً للأتراك ومدافعاً عن سياسة الدولة العثمانية، لم يكن تحول للإسلام بعد لكنه لم يكن يرى في الدولة العثمانية رجلا مريضًا، بل صديقًا يمكن كسبه.

في الدوائر الرسمية أثناء الحرب، اعتُبِر  أن بكثال يشكّل خطراً أمنياً. مواهبه كلُغوي بارع في اللغات، واعتباره مرجعاً عن سوريا وفلسطين ومصر، كانت ستتيح توظيفه، إلا أن سمعته كـ “محب مندفع للأتراك” حرمته من الحصول على وظيفة في المكتب العربي لبريطانيا في القاهرة، ونال الوظيفة عوضاً عنه تي إي لورنس  T.E.  Lawrence (لورنس العرب).

بكثال والإسلام وتحول يليق بأديب

أعلن بكثال إسلامه عام 1917، في خلفية بكثال كان متمسكا بكنيسة إنجلترا، كان والده وجدّه لأبيه كاهنين. اثنتان من أخواته لأبيه كانتا راهبتين في جنوب إفريقيا. وزيارة بكثال الأولى للمشرق تمت من خلال اتصالات بالكنيسة. لكنه كان غير معجب بالجالية الأوربية المسيحية في فلسطين، ذلك أنه وجدهم متكبّرين وطائفيين. بحلول الحرب العالمية الأولى، رأى بكثال أن المبشّرين يشكلون تهديدا مضلِّلا، وهم بغطرستهم الروحية وحماقتهم السياسية يبعدون المسيحيين من رعايا الإمبراطورية العثمانية عنها، وبهذا يفتّون في عضد الإمبراطورية نفسها. “الأمر برمّته يبدو لي، كما بدا لي دائماً، أنه أمر فاحش على نحو لا يحتمل.”

خلال العامين اللذين قضاهما في فلسطين وسوريا رُغّب في اعتناق الإسلام. لكن شيخ العلماء بالجامع الأموي بدمشق صَرَفه عن اعتناق الإسلام. نصحه الشيخ قائلاً: “انتظر إلى أن يكبر سنُّك، وتعود إلى بلدك. أنت هنا وحيدٌ بيننا، كما أبناؤنا بين المسيحيين. الله يعلم كيف يكون شعوري عندما يتعامل معلّم مسيحي مع ابني بغير طريقتي هذه التي أعاملك بها.”

في الصيف والخريف ألقى بكثال سلسلة محاضرات عن “الإسلام والتقدم” أمام الجمعية الأدبية الإسلامية في نوتينغ هيل غرب لندن. خلال المحاضرة الأخيرة من هذه السلسلة في 29 نوفمبر 1917، أعلن بكثال إسلامه أمام الملأ. كانت قاعة المحاضرات مكتظة بالحضور. نافح بالحجة والبيان عن الإسلام على أساس أنه الدين الوحيد المتجدّد. وأضاف أن الأديان الأخرى غير مؤهلة في ادعائها أن عقائدها تشجّع على التجديد. كان يقتبس من القرآن الكريم بالعربية كثيراً. بحسب كلام أحد الحاضرين:

“نقلت من لم يتعودوا على الاستماع لمثل هذه التلاوات من حنجرة شخص غربيّ إلى الانتشاء. شدّ بكثال مستمعيه من البداية حتى النهاية كما لو كان معه سحر نظراً لسعة اطلاعه، وتفكيره العميق، وأخيراً بسبب إيمانه الحقيقي والراسخ الذي نبعت منه تلك الكلمات مبيّنة عظمة الإسلام وخيريّته. الطريقة التي ختم بها هذا الكلام الرائع ما تزال تتحرّك في داخلي. كانت يداه مقبوضتين إلى صدره، وتعلو وجهه السكينة والرضا وهو يتلو الدعوات المشهورة في أواخر سورة البقرة. حينما جلس، شعر كل واحد من المستمعين أنهم عاشوا خلال تلك الساعة القصيرة أروع وقت في حياتهم رجلاً كان أو امرأة.”

اتخذ بكثال اسم محمد، وأصبح أحد أعمدة الجالية المسلمة في بريطانيا.

رحلة إلى الهند

في عام 1920 كان بكثال في حاجة للمال وللوظيفة والأمان. وكانت صحيفة بومباي كرونيكل بحاجة إلى رئيس تحرير، أبحر إلى الهند في شهر سبتمبر من عام 1920. أصبحت الهند مأوىً له لمدة خمسة عشر عاماً. قضى أربعة أعوام في بومباي أما السنوات اللاحقة من عام 1925 إلى 1935 فقد استقرّ به المقام في حيدر أباد.

بينما كان بكثال مشغولاً بصحيفته، كان لديه متسع من الوقت للانهماك في الأنشطة السياسية والدينية. خلال عام 1921 كان غاندي يبني جسوراً بين الجاليتين الهندوسية والمسلمة. كان بكثال قريباً من غاندي خلال هذا العام، أخذ يتعلم اللغة الأردية أتقنها وتحدث بها بطلاقة بعد ذلك، وفي الهند تشجع على الأقدام على ترجمة القرآن الكريم.

رأي الأزهر في ترجمتة وزيارته لمصر

بحلول عام 1927، كان بكثال منشغلاً جداً بترجمته، أراد بكثال أن يضمن مصادقة أعلى هيئة علمية في العالم الإسلامي وهي هيئة علماء الأزهر  في القاهرة. في عام 1928 قابل بكثال في لندن اللورد لويد  (Lord  Lloyd) المندوب السامي لبريطانيا في مصر آنذاك (وحاكم بومباي سابقاً)، ورتّب لبكثال ذهابه إلى مصر واستشارة علماء الأزهر.

بقي بكثال في مصر لمدة ثلاثة أشهر بدءاً من شهر نوفمبر عام 1929. أُعطي بكثال خطاب تعريف ليقدمه إلى الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر. كان لدى بكثال صديقان مهمّان في مصر. أحدهما هو فؤاد سليم الحجازي، الذي كان سفيراً لتركيا في سويسرا خلال فترة الحرب وكان أحد معارف بكثال القدامى. والثاني هو محمد أحمد الغمراوي، وهو كيميائي يعمل بجامعة القاهرة، وله معرفة واسعة بالأدب العربي القديم.

أثناء رحلته في مصر قابل بكثال العديد من كبار الكُتّاب المصريين في ذلك الوقت. استضافه الكاتب أحمد لطفي السيد،  وقدّم السيد رشيد رضا مساندته. اما طه حسين فقد أخبر بكثال أن الملك فؤاد ملك مصر لن يتشجع للترجمة “متأثرا على نحو ما بفكرة أن ترجمة معاني القرآن الكريم خطيئة,”  وأنه قد يفصل من الأزهر أيَّ عالم يساند بكثال. وجد بكثال طه حسين مُتعِباً وعائقاً، وأكثر من ذلك أنه طلب من بكثال الذهاب للملك فؤاد لاستصدار فتوى تسمح بالترجمة. فأشار بكثال بهدوء أن لديه فتوى من الهند، وبالنسبة لرعاية الملك للترجمة أفاد أن لديه الدعم الكامل من نظام المُلك بحيدر أباد.

كتب الشيخ محمد شاكر، مقالة ندّد فيها ببكثال وترجمته والمتعاونين معه. ومما جاء في مقالة الشيخ أنه كان من الأجدر ترجمة تفسير الطبري. كانت ردّة فعل بكثال أن آراء كثير من المصريين تنمّ عن ضيق أفق.

إجادة بكثال للغة العربية واجهت بعض الطعون. في عام 1980 أصدر محمد أسد، خليفة بكثال في رئاسة تحرير مجلة الثقافة الإسلامية، ترجمةً جديدة لمعاني القرآن الكريم. لم يكن محمد أسد راضياً عن ترجمة بكثال وشعر أن “معرفته باللغة العربية كانت محدودة”. وفي المراجعات والكتابات العربية حديث ونقد لترجمة القران الكريم.

الروايات والقصص

معظم هذه الأقاصيص أمثلة مصغرة لمقدرة بكثال على عرض العالم من وجهة نظر الإنسان الشرقي. كل هذه القصص حدثت لجيلِ ما قبل 1914، ومعظمها تتناول موضوع التغيّرات الاجتماعية التي حدثت في سوريا وفلسطين ومصر وتركيا خلال هذه السنوات، أو موضوع دور الأجانب وعلاقاتهم بشعوب هذه البلدان.

من الصعوبة تلخيص القصص القصيرة وحبكات الروايات، قدم الكاتب بيتر كلارك عرضا شيقاً في فصلين لقصص وكتابات بيكثال الادبية، تستحق الاطلاع والقراءة، فهي شهادة روائية عن عالم الحرب العالمية الأولى في المشرق العربي.

ست من رواياته عن الشرق الأدنى تستحق أن يعاد إصدارها وترجمتها وهي (سعيد السماك، أبناء النيل (صدر لها ترجمة جديدة عن دار…..)، وادي الملوك، فرسان الجزيرة العربية، مقابلات شرقية، الضحى). وجميع هذه الروايات باستثناء فرسان الجزيرة العربية، حدثت وقائعها في ذلك الجزء من الشرق الأدنى الذي يعرفه بكثال جيدا.

جندي الإيمان المجهول

في مقدمة الدكتور محمد الأحمري للكتاب ملاحظة مهمة على هذا النمط من الشخصيات، يقول “إذا تحرر الإنسان من قلقه على الرزق، ومن خوفه من الموت، ومن خضوعه لعادات قومه فإنه يفتح الباب لإنسان جديد، يعيش آفاقا أوسع، وحياة أغنى، إذ لا نكون نسخا مكرورة إلا بمقدار ما نكرر المخاوف والعادات والمعارف نفسها جيلا إثر جيل، وإنما يصبح الإنسان إنسانا مبدعا مستقلا إذا تخلص من هذه المخاوف، وعندها يكون بتحرره ذا قوة وأثر أبقى وأبعد زمانا ومكانا ممن يدور حول ذاته يستعيد ما لا يعيه من ثقافة قومه.”

لم يكن بكثال يهاب الموت. في عام 1919 ألقى موعظةً عن سورة “يس” وتلاها بحضرة شخص على فراش الموت. في أحد الأيام من شهر مايو أصابته وعكة بعد طعام الغداء. في صباح اليوم التالي أخذ قسطاً من الراحة بعد الإفطار، ثم نهض ولكنه سقط على الأرض. وافته المنيّة الساعة الحادية عشرة يوم 19 مايو من عام 1936 متأثرا بانسداد في الشريان التاجي.

بعد وفاته كانت زوجته ترتب أوراقه فإذا آخر سطر كتبه-كما هو منقوش على شاهد قبره قوله تعالى “بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” سورة البقرة، 112.