نقمة النفط : كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم؟


غلاف كتاب نقمة النفط
نقمة النفط: كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم؟

تأليف: مايكل روس
ترجمة: محمد هيثم نشواتي
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية
سنة النشر: 2014
سعر الكتاب: 12 دولار
عدد الصفحات: 432 صفحة
“أتمنى لو أنكم عثرتم على مياه”,

الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا عند إخباره بأن اتحاد الشركات الأميركية اكتشف النفط في بلاده.

قضية الكتاب تركز حول أثر اكتشاف الموارد الطبيعية الثمينة، ومن أهمها النفط، على كثير من البلدان النامية، وما قد يكون لهذه الاكتشافات من عواقب غريبة ومؤذية على الصعيد السياسي.

هذا الكتاب يوضح أصول هذا الابتلاء وطبيعته، والسبل الممكنة لعلاجه.

المفارقة في ثروة الأمم

يرى المؤلف أنه منذ عام 1980، أضحت بلدان العالم النامي أكثر ثراء وأكثر ديمقراطية وأكثر سلاماً، لكن ذلك لا ينطبق إلا على البلدان التي لا نفط لديها. أما دول النفط فأصبحت في الواقع أسوأ حالاً مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود خلت. مثال ذلك تراجع دخل الفرد في فنزويلا والغابون والعراق، مع معاناة كثير منها من حروب أهلية مثل الجزائر وأنغولا وكولومبيا ونيجيريا والسودان والعراق. لعنة المعادن، وبالأخص النفط، زادت من احتمالات خضوع تلك البلاد إلى الاستبداد ومعاناة الحروب الأهلية، فهي مجتمعات أكثر تكتماً وسرية وأكثر تقلباً من الناحية المادية، وأقل عدالة في الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة للنساء.

لم تعان كل الدول التي لديها نفط من هذه الظواهر، فبلدان مثل النرويج وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، تملك دخولاً مرتفعة ومؤسسات ديمقراطية راسخة، وتستخرج الكثير من النفط ولا تعاني إلا القليل من التأثيرات السلبية، فالمشكلة تكمن في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. إذن المفارقة تكمن في كون البلدان ذات الاحتياجات الأكثر إلحاحاً هي ذاتها الأقل احتمالاً في الاستفادة من هبتها الجيولوجية.

يجادل المؤلف في الفكرة القائلة إن سبب هذه المشاكل لا يعود إلى التدخلات الأجنبية في البلدان المنتجة للنفط، ويعطي مثالاً بأن الولايات المتحدة كان احتمال غزوها بلاداً لا نفط فيها قائماً على قدم المساواة مع بلاد ينتج فيها النفطـ. وكذلك يضعف من الحجة القائلة بدور شركات النفط الكبرى في البلدان المنتجة للنفط، بل يبين كيف فاقم تأميم الشركات المشكلات بدلاً من حلها. ويضع مايكل روس تفسيراً للعلاقة بين المواطنين والحكومة في الدول المنتجة للنفط، بأنه عندما تُمول الحكومات عبر فرضها ضرائب تصبح أكثر تقيداً من قبل مواطنيها؛ لكن عندما تُمول من عائدات النفط، تصبح أقل عرضة للضغوطات العامة.

في الفصل الثاني حديث عن السمات الاقتصادية لصناعة النفط وتحولها إلى ملكية الحكومات لاحتياطيات النفط والغاز، بسبب طبيعة صناعة النفط التي تحتاج إلى أموال ضخمة يتعين دفعها للاستثمار على التنقيب، والأرباح الضخمة التي يمكن أن يجود بها النفط، والتأثير الضار الذي يمكن أن يلحقه استخراج النفط بأنواع أخرى من التجارة والأعمال. في الستينيات والسبعينيات زادت هذه الخصائص عن طريق ضعف قوة الشركات العالمية، والاتجاه إلى التأميم وظهور منظمة الأوبك، وزيادة قبضة الدول المصدرة للنفط على مصادر النفط، لذلك زادت نقمة الموارد في حقبة الثمانينيات من القرن العشرين دون غيرها.

ويبين الفصل الثالث كيف أعان حجم عائدات النفط ومصادرها وسريتها الحكومات على الاحتفاظ بالسلطة، وكيف فشلت عائدات النفط في إحداث ضغوط تدفع باتجاه الديمقراطية، مع ملاحظة مفارقة حرص الحكومات غير الديمقراطية على إبقاء أسعار الوقود المحلية منخفضة. تآكلت الديمقراطية واستخدمت الأموال في اللعبة السياسية في بلاد تنتج النفط مثل أذربيجان ونيجيريا وإيران وفنزويلا. في هذا الفصل حديث عن تجربة روسيا بعد الاتحاد السوفيتي، وكيف أطالت عائدات النفط أمد الحكم في الاتحاد السوفيتي عبر زيادة الإنتاج، ويوضح الكاتب أنه بمجرد عودة صناعة النفط الروسية، استعادت عافيتها في عام 2000، وبدأت الديمقراطية في التدهور. وتجربة بوتين مع الشركات الخاصة وإعادة الكثير من العائدات النفطية لخزانة الدولة جعل بوتين يحظى بشعبية، مع فرض قيود على حرية الصحافة.

في الفصل الرابع شرح لكيفية تخفيض الثروة النفطية من الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة للنساء. ولتوضيح ذلك يجري مقارنة بين ثلاثة بلدان متشابهة في أمور كثيرة (الجزائر والمغرب وتونس)، واحدة منها فقط (الجزائر) تنتج النفط، وكيف أبطأ النفط عجلة التقدم الاقتصادية والاجتماعية للنساء في الجزائر.

في الفصل الخامس حديث عن زيادة احتمالية الحروب الأهلية في الدول المنتجة للنفط مثل أنغولا وكولومبيا والسودان؛ بسبب رغبة الأقليات المحرومة من حقوقها في مزيد من العائدات النفطية. وفي هذا الفصل حديث عن كولومبيا والكونغو وغينيا الاستوائية، وسرقة النفط في نيجيريا وإندونيسيا (استقلال إقليم آتشية) وجنوب السودان، مؤيداً بإحصائيات تربط بين النفط والصراعات العنيفة.

ينتقل الكاتب في الفصل السادس من الكتاب إلى العناية بالتأثيرات الاقتصادية لعائدات النفط وطريقة إدارة الحكومات لها، مثل الإضرار بالفاعلية الإدارية، وزيادة الفساد، وتقويض سيادة القانون. أما في الفصل السابع والأخير فيعيد المؤلف طرح الرؤية الخاصة بعلاقة الاقتصاد السياسي للأمم مع بيئاتها الطبيعية.

على مدى قرون، أشار فلاسفة غربيون- منهم نيكولو مكيافيللي، والبارون مونتسكيو، وآدم سميث، وجون ستيوارت ميل- إلى أن الأمم تُشكّل بقوة وفق جغرافيتها. وكثيراً ما حاججوا في أن الظروف الجغرافية المؤاتية لها عواقب غير مرغوب فيها. وهذا الكتاب يبين كيف يمكن لسمة جغرافية أخرى- نعمة النفط- أن تؤطر بقوة تقدمه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

يحاجج علماء الاجتماع في أن البلدان تتأثر بشدة بمواقعها في القارات، وبالأمراض البيئية، وبإمكانية الوصول إلى البحر، ويبين الكتاب كيف يمكن أن يتشكل مسار التنمية ضمن ظروف محددة بالثروات الجيولوجية التي تتمتع بها دولة من الدول. ويضم هذا الفصل اقتراحات لكيف يمكن أن تخفف الدول من حدة لعنة النفط عبر تغيير الخصائص المزعجة لعائداتها النفطية.

يمكن ملاحظة أنه أثناء حدوث الطفرات النفطية، يميل قطاع الخدمات في بلد بعينه إلى الازدهار، ويتحول معظم القطاع الخاص إلى قطاع الخدمات، ويمد الاقتصاد بأشياء لا يمكن استيرادها بسهولة مثل خدمات البناء والتشييد، والرعاية الصحية، ومحلات بيع التجزئة، مع الاعتماد على عقود مع الحكومة لبناء مشاريع تُموّلها الدولة، مثل الطرق والجسور والمشافي، وتوفير الخدمات لصناعة النفط، وهكذا تتحول بعض الصناعات (الزراعة والتصنيع) إلى أن تكون أصغر حجماً وأكثر اعتماداً على مساعدات الحكومة

الكتاب مليء بالبيانات والإحصاءات والتحليلات التي تعتمد على الأرقام. هناك محاولة في كل فصل لاعتماد مؤشرات تجمع الكثير من النماذج بناء على مخططات رياضية وجداول.

هكذا يبين مايكل روس في الكتاب كيف يؤثر النفط على الحياة السياسية والاجتماعية، ابتداء من مواطنين يريدون مزيداً من الدخل، وحاكم يريد أن يبقى في السلطة، عبر الطرق التي تؤثر من خلالها إيرادات النفط في الحكومات، ويجعلها أكبر حجماً، وأقل عرضة للمساءلة، ويغلب على المجتمع سيطرة الرجال، بالإضافة إلى تسريع وتيرة الحرب الأهلية عبر تأثير النفط في المواطنين لا في الدولة.

ثمة علاج واحد يقترحه الكاتب قد ينفع في كل مكان: مزيد من الشفافية في أسلوب جمع العائدات النفطية وإدارتها وإنفاقها.