علاقة حب قذرة مع الطائرات القاتلة بدون طيار

ناشطة سياسية أمريكية

9 يونيو , 2015 أوروبا وأمريكا, الشرق الأوسط


Lockheed Martin Global Training & Logistics in Orlando develops training technology for the Raven (pictured here), a tiny surveillance drone that canLockheed Martin Global Training & Logistics in Orlando develops training technology for the Raven (pictured here), a tiny surveillance drone that can

هذا المقال جزء من كتاب حرب الطائرات بدون طيار القتل بالتحكم عن بعد

ترجمة أيهم الصباغ

تحدث الرئيس بوش مازحا، في عشاء مراسلي الإذاعة والتلفزيون في العام 2004، عن البحث عن أسلحة الدمار الشامل بين أثاث المكتب البيضاوي، استنادا إلى عدم العثور عليها على الإطلاق في العراق. ارتد المزاح عليه حين قال الوالدون الذين فقدوا أبناءهم المقاتلين في العراق إنهم وجدوا ذلك مهينا ومفتقرا إلى الذوق. تحدث السيناتور جون كيري قائلا: إن بوش قد أظهر موقفا “متعجرفا بما يثير الدهشة” من الحرب ومن يقاتلون فيها.

   تحدث الرئيس أوباما مازحا عن الأسلحة والحرب، بعد ست سنوات، بما يفتقر إلى الطرافة أيضا، في عشاء مراسلي البيت الأبيض. قطب أوباما حاجبيه، حين همت فرقة البوب “جوناز برذرز” بالغناء في الغرفة المكتظة، ووجه إلى أعضائها تحذيرا بالابتعاد عن ابنتيه، قائلا: “تعجب ساشا وماليا بكم كثيرا، ولكن احذروا أيها الفتية من أن تراودكم أي أفكار. لدي كلمتان لكم: طائرات البريديتور. لن تتوقعوا قدومها أبدا”[1]

   تفقد دعابة أوباما مغزاها حين تتم ترجمتها للناس في باكستان، حيث اعتادت الطائرات بدون طيار أن تلقي صواريخها من نوع “هيل فاير”. لم يسبق للكثير من الباكستانيين، وفقا للصحفي الباكستاني كوار ريزفي، أن سمعوا بفرقة “جوناز برذرز”، ولا يمكن لهم أن يدركوا مغزى الإشارة إلى ابنتي الرئيس، “ولكننا – يردف قائلا- نعلم أمرا واحدا بصورة فعلية: أنه لا يوجد ما هو طريف بشأن طائرات البريديتور”.

   لا يختلف ذلك، كما تبدو الحال عليه، عن رؤية فيصل شهزاد، الباكستاني المولد، البالغ من العمر ثلاثين عاما، المقيم في بريدجبورت، كونيتيكت. عمد شهزاد – في 1 أيار/ مايو 2010، بعد يوم واحد فقط من إطلاق الرئيس أوباما دعابته الاستفزازية حول الطائرات بدون طيار- إلى محاولة تفجير سيارة مفخخة في ساحة التايمز في مدينة نيويورك. كان المفجر المفترض قد ركن سيارته المحملة بالمتفجرات، من نوع نيسان باثفايندر، في وسط التقاطع الأكثر ازدحاما في مدينة نيويورك، والوقت الذي يعج بالقدر الأكبر من الحركة، الساعة 6:30 مساء، في يوم السبت. لم تنفجر القنبلة، لحسن الحظ، وقامت السلطات – التي تلقت إخباريات من باعة للقمصان في المكان- بإبطال مفعولها قبل أن تنفجر وتتسبب في إيقاع أي من الخسائر.

   تحدث شهزاد، حين سألته السلطات عن دوافعه، عن هجمات الطائرات بدون طيار الأمريكية في باكستان.

   تحدث الكاتب جانثن شوارتز، بعد سماعه بما تسببت به القنبلة من إنذار ورعب للناس، قائلا: “هل تعلمون ما الذي كان من الممكن أن يجسد الطرافة بالقدر الأكبر في دعابة باراك أوباما حول طائرات البريديتور في الليلة الماضية في عشاء مراسلي البيت الأبيض؟ لو أن السيارة المفخخة في ساحة التايمز قد انفجرت في تلك اللحظة تماما، وقد تبين أن ذلك جاء ردا، في الواقع، على الهجمات بطائرات البريديتور، وقام زعيم طالبان الباكستانية – في الليلة الآتية، بينما لا تزال عمليات تنظيف شوارع نيويورك من الدماء والأشلاء مستمرة- بإطلاق دعابة حول قتل الناس بالسيارات المفخخة في حفل عشاء فاخر في بيشاور، لتقصف الولايات المتحدة فيما بعد المزيد من المدنيين الباكستانيين بالطائرات بدون طيار، وتبدأ دوامة الطرافة ثانية !”. [2]

***

يقول البعض إن اسم “الطائرات بدون طيار” يأتي من الأزيز الذي تسببه بعض الآلات بصورة متواصلة أثناء الطيران. يشتق الاسم، وفقا لمعلومات مصادر عسكرية أخرى، من استخدام طائرات آلية كأهداف تدريبية لطواقم الأسلحة في الحرب العالمية الثانية [3]. صنعت الولايات المتحدة 15000 طائرة بدون طيار صغيرة للتدريب على التصدي للطائرات أثناء الحرب في مصنع في جنوب كاليفورنيا. تم تمييز الكثير منها بأشرطة سوداء على طول ذيل الطائرة، بما يجعلها تشبه ذكر النحل.

   وجدت تقنية الطيران عن بعد منذ عقود. تم اختبار “المركبات الجوية غير المأهولة” للمرة الأولى من قبل الجيش منذ مدة طويلة أثناء الحرب العالمية الأولى. بدأت الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، وألمانيا – ليلتحق بها الاتحاد السوفييتي ودول أخرى فيما بعد- في ثلاثينيات القرن المنصرم باستخدام الطائرات بدون طيار في تدريبات التصدي للطائرات. تم استخدام الطائرات غير المأهولة كصواريخ موجهة من قبل الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية. وفيما يمثل تجربة مأساوية فاشلة في الحرب العالمية الثانية، فقد توفي شقيق الرئيس كينيدي الأكبر جو، طيار البحرية، في التاسعة والعشرين من العمر، أثناء تنفيذ عملية سرية بطائرة بدون طيار ضد الألمان. لم يتم استخدام الطائرات غير المأهولة لجمع المعلومات الاستخبارية إلا بعد وقوع حرب فيتنام [4].

   يمكن لأي شخص يرغب في صنع طائرة غير مأهولة أن يحضر قطعها من متجر ألعاب الطائرات، ويجمعها في مرآبه. تم، في الواقع، صنع النموذج الأولي لأكثر الطائرات بدون طيار الحديثة شهرة، البريديتور، على يد مهندس الطيران الإسرائيلي أبراهام كاريم في مرآبه في جنوب كاليفورنيا في الثمانينيات من القرن المنصرم [5].          

   عمل أبراهام كاريم على تطوير طائرة غير مأهولة لحساب متعاقد دفاع إسرائيلي في السبعينيات من القرن المنصرم، وانتقل فيما بعد إلى جنوب كاليفورنيا في عام 1980 لتطوير شركته الخاصة.

   بدأ كاريم، مع تلقيه المنح من وكالة مشروعات البحث الدفاعي المتقدمة (دي أى آر بي أى) التابعة للجيش الأمريكي، والسي آي أى، في صناعة نموذج جديد في مرآب منزله الذي يتسع لثلاث سيارات. كشف الرجل في العام 1981 عما دعاه الآلباتروس، الطائرة غير المأهولة التي يمكن أن تبقى في الجو لما يصل إلى 56 ساعة، ومن ثم عن نسخة جديدة، تحوي كمبيوترا فاعلا للتحكم في الطيران، تدعى النات 750.  

   ولكن كاريم مر بضائقة مالية، وقرر أن يبيع شركته لشركة “هيوز أيركرافت”، التي باعتها فيما بعد لشركة “جنرال أتوميكس”، التي أبقت على كاريم مستشارا لها.

   تحول جايمس وولسي مدير السي آي أى، في العام 1993، الذي لم يكن راضيا عن المعلومات الاستخبارية التي يتلقاها من الأقمار الصناعية التي تحوم فوق البوسنة، تحول إلى كاريم وجنرال أتوميكس طلبا للعون. حلقت طائرة النات 750 فوق البوسنة، بعد مضي عام، على يد طاقم لم يكن على متنها، بل أطلقها من مدرج مهجور في ألبانيا المجاورة.

   لم تصل المعطيات التي جمعتها، بكل الأحوال، إلى السي آي أى بصورة مباشرة –بل تم إرسالها أولا من الطائرة بدون طيار إلى طائرة أخرى مأهولة، ثم إلى محطة أرضية، ثم إلى القمر الصناعي. عمد المهندسون، بالتالي، إلى تزويد الطائرة بدون طيار بمنظومتها الخاصة للاتصال بالأقمار الصناعية، وإضافة المقدمة المنتفخة التي تميزها الآن إلى جسمها.

   وهكذا ولدت طائرة البريديتور، واستخدمت في حرب البلقان لجمع المعلومات عن تدفق اللاجئين والدفاعات الجوية الصربية. لم يخرج أحدهم، بكل الأحوال، بفكرة تزويد تلك الطائرات بالصواريخ، وتحويلها من طائرات للتجسس إلى القتل، إلا بعد شن حملة الناتو على كوسوفو في العام 1999 [6].

   تستخدم الطائرات بدون طيار اليوم لما هو فتاك وغير فتاك من الغايات. تصمم الطائرات غير المأهولة، خارج نطاق الجيش، للمهام كافة، من تعقب مهربي المخدرات ومراقبة الحدود الأمريكية المكسيكية، إلى المشاركة في عمليات البحث عقب حدوث الزلازل، ورش المبيدات الحشرية على المحاصيل الزراعية. ولكن الجيش يمثل القوة الدافعة الحقيقية فيما يتعلق بتطور واستخدام الطائرات بدون طيار.  

   يملك الجيش الإسرائيلي تاريخا طويلا في استخدام الطائرات بدون طيار لجمع المعلومات الاستخبارية، التمويه، وعمليات القتل المستهدف. يعود استخدامه لتلك الطائرات إلى حقبة احتلال سيناء في سبعينيات القرن المنصرم، وقد عمل على تطوير استخدامها بصورة إضافية في حرب العام 1982 في لبنان، والصراع المتواصل في الأراضي الفلسطينية.

   تم دمج الطائرة غير المأهولة الإسرائيلية التي تم تطويرها في أواخر السبعينيات والثمانينيات، في نهاية المطاف، في جيش الولايات المتحدة. اتخذ جون ليمان، وزير البحرية في حينه، نتيجة إعجابه باستخدام إسرائيل للمركبات الجوية غير المأهولة في العمليات العسكرية في لبنان في العام 1982، اتخذ قرارا بضم قدراتها لسلاح البحرية. استخدمت واحدة من المركبات الجوية غير المأهولة التي تم شراؤها من إسرائيل، “البايونير”، لجمع المعلومات الاستخبارية أثناء عملية “عاصفة الصحراء”، وقد أورد تقرير بحثي للكونغرس، في العام 2003، الآتي: “أدرك المسؤولون العسكريون، في أعقاب حرب الخليج، قيمة المركبات الجوية غير المأهولة، وقد أدرجت طائرة البريديتور، التابعة لسلاح الجو، ضمن تلك الفئة على عجالة، لتضيف قدرات جديدة بصورة سريعة” [7].  

   ولكن كانت الهجمات على مركز التجارة العالمي، في 11 أيلول/ سبتمبر، ما أدى إلى إحداث طفرة كبيرة في استخدام الجيش الأمريكي للطائرات بدون طيار، ومجموعة من الأسلحة الآلية الأخرى. ساهمت مئات البلايين من الدولارات التي خصصها الكونغرس لحربي أفغانستان والعراق في توفير التمويل بصورة هائلة للبنتاغون، بما مكنه من شراء أنواع الأسلحة الآلية كافة التي كان المتعاقدون العسكريون، من جنرال أتوميكس إلى نورثروب غرومن، يعملون على تطويرها.

   ملأت فروع الجيش المختلفة عربات تسوقها بكل سلاح آلي أمكنها إيجاده: روبوتات المراقبة الصغيرة التي يمكنها أن تتسلق الجدران والدرجات، الروبوتات التي تشبه الأفاعي وتنسل بين الأعشاب، الدبابات غير المأهولة التي تعتليها أسلحة من عيار 50، والروبوتات الأرضية التي تنقل حمولات الجنود الثقيلة.

   تخاطفت تلك الفروع أنواع الطائرات بدون طيار كافة من خطوط الإنتاج، وطلبت طائرات جديدة منها. ابتاعت طائرة الرايفن بطول 38 بوصة التي يتم إطلاقها عبر قذفها ببساطة في الهواء؛ طائرة البريديتور بطول 27 قدما المزودة بصواريخ من نوع هيل فاير، ولاحقا نسخة “الريبر” الأكثر قوة، وطائرة غلوبل هوك بطول 40 قدما، ذات قدرات المراقبة الخيالية.

   كان البنتاغون يطلب تلك الأسلحة بأسرع مما يمكن للشركات أن تنتجها. كان البنتاغون يملك، في العام 2000، أقل من 50 طائرة بدون طيار، ليقارب مجموع ما يملكه منها، بعد مضي عشر سنوات، 7500 طائرة. كانت في معظمها طائرات صغيرة لمراقبة ساحات القتال، ولكن البنتاغون كان يملك أيضا نحو 800 من الطائرات بدون طيار الأكبر، التي تتراوح في حجمها بين الطائرات الخاصة والتجارية. تحدث روبرت غايتس، وزير الدفاع في حينه، قائلا إن الجيل القادم من الطائرات النفاثة المقاتلة -الأف 35، التي استغرقت عقودا لتطويرها بكلفة تتجاوز 500 مليون دولار للطائرة الواحدة- سيكون الجيل الأخير من الطائرات المقاتلة المأهولة لدى البنتاغون [8].

   ازداد مقدار ما تملكه وزارة الدفاع من الطائرات غير المأهولة، بين عامي 2002- 2010، بما يفوق أربعين ضعفا [9]، واستمرت في إنفاق مبالغ طائلة على الطائرات بدون طيار، في أثناء الأزمة المالية حتى، التي بدأت في العام 2007، وأدت إلى تقليص برامج الحكومة، من التكملة الغذائية للحوامل إلى صيانة الحدائق الوطنية. كان دافع الضرائب الأمريكي ينفق 3.9 بليون دولار -في ذروة تخفيضات الحكومة للتقليل من العجز في العام 2012- لشراء الطائرات غير المأهولة، من دون احتساب ميزانيتي الطائرات بدون طيار المنفصلتين للسي آي أى، ووزارة الأمن الداخلي [10].

   لا يزال معظم الطائرات بدون طيار العسكرية يستخدم لأغراض المراقبة. باتت الحساسات الضوئية التي تحملها المركبات الجوية غير المأهولة قوية بصورة متزايدة، بما يمكن من يوجهونها على الأرض من مراقبة الأفراد عبر طائرة ترتفع ما بين 30000- 60000 قدم في الجو. يستحوذ التصوير بالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية على الضوء خارج نطاق الطيف المرئي للعين البشرية. يعد التصوير بالأشعة فوق البنفسجية مفيدا في الفضاء ولتعقب الصواريخ، بينما يظهر التصوير بالأشعة تحت الحمراء الحرارة المنبعثة من الأجسام، بما يمكن من تمييز البشر في الظلام بصورة مثالية.

   يتمثل سبب للإقبال الكبير على الطائرات بدون طيار في ارتقائها من تعقب ومراقبة الأهداف ببساطة إلى قتل تلك الأهداف بصورة فعلية. ينسب الفضل، في أفغانستان، للطائرات بدون طيار في قتل عناصر بارزة في تنظيم القاعدة وطالبان. تم استخدامها، في غزو العراق، في المهام كافة، من تعقب أنصار صدام حسين إلى قصف المقرات الحكومية. تحدث رئيس أركان القوات الجوية الأمريكية، الجنرال تي. مايكل موزلي، في العام 2003، قائلا: “انتقلنا من استخدام المركبات الجوية غير المأهولة في العمل الاستخباري، المراقبة، والاستطلاع بصورة رئيسة قبل عملية حرية العراق، إلى تحديد الأهداف وتدميرها بصورة فعلية”[11].  

   يتجسد سبب آخر للإقبال الكبير على الطائرات بدون طيار في طبيعة حربي أفغانستان والعراق على وجه التحديد. واجه الجيش الأمريكي صعوبة كبيرة في العثور على أعدائه حتى، مع اختلاط العديد من المقاتلين المحليين بالسكان المدنيين. منحت الطائرات بدون طيار الجيش المجال للقيام بالمراقبة المستمرة، والهجوم سريعا.

   تستخدم الطائرات بدون طيار المزودة بالأسلحة بثلاث طرائق. توفر الدعم الجوي حين تشن القوات البرية الأمريكية هجوما أو تتعرض له؛ تجوب الأجواء بحثا عن أي نشاط مشبوه لتهاجمه في حال عثورها عليه؛ وتقوم بالقتل المستهدف للمسلحين المشتبه بهم.

   تتمثل الميزة الرئيسة لاستخدام الطائرات بدون طيار في أنها غير مأهولة على وجه التحديد. لا يتعرض أي طيار -مع وجود مشغلي تلك الطائرات بعيدا في حجرات مكيفة آمنة- لمخاطر الموت أو الإصابة وتبعاتها في حوادث تحطم الطائرات، أو الأسر على يد الأعداء، أو يتسبب في أزمة دبلوماسية إن أسقطت طائرته في “بلد صديق” وهو يقصف أو يتجسس من دون إذن رسمي من ذلك البلد. لو تحطمت الطائرة بدون طيار أو تم إسقاطها، فيمكن لمن يشغلها في الديار بعيدا أن ينهض ببساطة، ويأخذ استراحة لاحتساء القهوة.

   تعد الطائرات بدون طيار مثالية “للمهام الثلاثية الأبعاد” –المهام “الرتيبة، القذرة، أو الخطيرة” للغاية بالنسبة للطائرات المأهولة. يمكن لتلك الطائرات، في المهام التي تتطلب الجرأة، أن تطير على ارتفاع منخفض وببطء في المناطق المعادية، وتجوبها بضع ساعات أو طيلة اليوم، إن تطلب الأمر ذلك. يمكن لها أيضا -بفعل حساساتها المذهلة، على بعد عدة أميال في الجو- أن تتعقب مسار شاحنة تثير الشبهات، على سبيل المثال، أو تلاحق قناصا على سطح بناء ما. يمكن لكاميرا الأشعة تحت الحمراء في طائرة البريديتور أن تعين البصمة الحرارية حتى لجسم بشري من على ارتفاع 10000 قدم في الجو. يمكن لمشغل الطائرة بدون طيار، علاوة على ذلك، على بعد 8000 ميل في نيفادا، أن يراقب أفغانيا وهو يشعل سيجارة، أو يتحدث إلى أصدقائه وهو جالس على مقعد في الحديقة، أو يدخل الحمام –من دون أن يتخيل على الإطلاق أن أحدا يراقبه.

   يمكن للطائرات غير المأهولة أن تطير لمسافات بعيدة للغاية، من دون الحاجة لتوفير الحيز للطاقم، أو إجهاده. يمكن لطائرة الريبر أن تبقى في الجو نحو ثماني عشرة ساعة، وتملك المركبات الجوية الهجينة القدرة على ذلك لأسابيع. ستملك المركبات الجوية غير المأهولة التي تطير على ارتفاعات كبيرة، وتستخدم الطاقة الشمسية -أو تزود بالطاقة من قبل محطات ليزر أرضية أو طائرات أخرى في الجو- ستملك القدرة، في المستقبل، على أن تبقى في الجو لمدة غير محدودة.

   يمكن للطائرات غير المأهولة أن تطير إلى أماكن بعيدة، حيث لا تستطيع قواتنا، وقوات البلد المضيف، أن تذهب، أو لا تملك الاستعداد للذهاب. يمكن لها أيضا أن ترسل المعطيات بصورة فورية إلى القوات على الأرض، وأن تتمايل وتنخفض وتقوم بالطيران البهلواني بسرعة كبيرة يمكن أن تؤدي بالطيار البشري إلى فقدان الوعي.  

   يصر أنصار الطائرات بدون طيار على أن قدرتها على البقاء لساعات فوق أهدافها تمكن من إجراء تقييم شامل للأضرار الجانبية المحتملة قبل القيام بأي فعل، وأن قدرتها على توجيه الأسلحة إلى الأهداف المحددة بدقة عالية تؤدي إلى التقليل من الخسائر بين المدنيين. تعد صواريخ الطائرات الطائرات بدون طيار أكثر دقة بالتأكيد بالمقارنة مع القصف السجادي في الحرب العالمية الثانية، أو القصف الجوي في حرب فيتنام، أو حتى “القنابل الغبية” التي استخدمها الجيش الأمريكي في حرب الخليج –ولكن تلك الصواريخ يمكن أن تستخدم أيضا من قبل الطائرات المأهولة.

   تقل كلفة شراء الطائرات بدون طيار أيضا بصورة كبيرة عن الطائرات المأهولة التي تستبدل بها. تكلف طائرات أف 22 النفاثة المقاتلة، المصنوعة من قبل لوكهيد مارتن، نحو 150 مليون دولار للطائرة الواحدة، بينما تصل كلفة طائرة أف 35 إلى 90 مليون دولار، وكلفة طائرة أف 16 إلى 55 مليون دولار. بلغ سعر طائرة البريديتور في العام 2011، بالنقيض من ذلك، 5 ملايين دولار، وسعر طائرة الريبر 28.4 مليون دولار –ولكن طائرة الريبر (البطيئة، والضعيفة) تحل بالكاد محل طائرة الأف 22 (السريعة، الخفية، والمهيمنة في القتال الجوي)[12].

   يمكن أن تكون تلك الأرقام حتى مضللة. لا تعرف كلفة تزويد الطائرات بدون طيار بالوقود، وتشغيلها، وصيانتها بصورة كاملة، استنادا إلى أن السي آي أى، المسؤولة عن زيادة استخدام تلك الطائرات في الحروب غير المعلنة في أماكن كباكستان واليمن، تدرج تلك الكلفة ضمن “ميزانيتها السوداء” السرية. ولكن كلفة كل ساعة تحلق فيها الطائرة بدون طيار في الجو تقدر بما بين 2000 إلى 3500 دولار، وقد ازداد عدد ساعات الطيران بصورة كبيرة للغاية، حيث ارتفعت نسبة الوقت الذي تخصصه القوات الجوية لمهام الطيران، بين عامي 2001- 2010، إلى 3000 بالمئة. لم تفارق طائرات البريديتور والريبر الجو في أفغانستان والعراق، وقد كانت تطلق الآلاف من صواريخ هيل فاير، التي يكلف الواحد منها 68000 دولار.    

   يرتبط جزء كبير من كلفة الطائرات بدون طيار بأطقمها. ومع أن ذلك يمكن أن يبدو مغايرا لما يظنه المرء، فإن تشغيل طائرة غير مأهولة يتطلب عددا أكبر من الأشخاص بصورة ملحوظة مما يتطلبه التحليق بالطائرات الحربية التقليدية. ووفقا للقوات الجوية، فإن إبقاء طائرة بريديتور واحدة لا أكثر في الجو لمدة 24 ساعة يتطلب، بما يثير الدهشة، 168 شخصا! ويرتفع ذلك العدد، فيما يتعلق بطائرة غلوبل هوك الأكبر للمراقبة، إلى 300 شخص. تستلزم طائرة أف 16 المقاتلة، بالنقيض من ذلك، أقل من مئة شخص لكل مهمة [13].

   تتطلب المركبات الجوية غير المأهولة المتابعة والتحكم الدائمين من أطقمها الأرضية، ومشغلين وأطقما على الأرض للإقلاع والهبوط، وتقنيين وميكانيكيين على الأرض أيضا لصيانة تلك الطائرات التي تستخدم كثيرا، وأطقما في الولايات المتحدة لتشغيل وتوجيه الحساسات. كما تتطلب، فوق ذلك كله، محللين استخباريين لفحص صور المراقبة المتواصلة، وتحليل كمية المعطيات الهائلة التي تولدها. تعالج القوات الجوية وحدها، في كل يوم، ما يقارب 1500 ساعة من صور الفيديو المتحركة، و1500 من الصور الأخرى الثابتة. استلزم ذلك، بحلول عام 2010، نحو تسعة عشر محللا لكل طائرة بدون طيار [14].

   ستؤدي هذه الزيادة الكبيرة في المعلومات إلى زيادة مقدار العمل وعدد العاملين بصورة مؤثرة مع استخدام تقنيات أكثر تعقيدا، مثل “الغورغن ستاير” التي يمكن أن تصور مدينة كاملة، وتتطلب 2000 محلل لمعالجة المعطيات من طائرة بدون طيار واحدة لا أكثر [15]. كانت القوات الجوية قد حولت بالفعل، بحلول العام 2011، سبع وحدات من الحرس الوطني الجوي إلى وحدات استخبارية للمساعدة على تحليل تسجيلات فيديو لطائرات بدون طيار، وكانت تدرب 2000 محلل استخباري إضافي [16]. يتعين، بالتالي، ألا تشمل كلفة الطائرات بدون طيار تلك النفقات الهائلة فحسب، بل ما ينفق على آلاف المستخدمين من الحرس الوطني، وغيرهم من الموظفين.

   شكك مكتب الميزانية التابع للكونغرس، في العام 2011، في فكرة “الطائرات بدون طيار الرخيصة” برمتها. أشارت دراسته إلى أن الفكرة الأولية كانت تتمثل في أن تلك الطائرات ستكون منخفضة الكلفة للغاية، ويمكن التضحية بها بصورة رئيسة. “لا يتضح انطلاقا من العام 2011، بكل الأحوال، ما إذا كان من الممكن تحديد تكاليف منخفضة للطائرات بدون طيار بصورة جوهرية. فبالرغم من أن الطيار يمكن ألا يكون على متنها، فإن الحساسات المتطورة المحمولة من قبل أنظمة الطائرات غير المأهولة تعد مكلفة للغاية، ولا يمكن النظر إليها على أنها قابلة للتضحية” [17]. تفوق كلفة كاميرات الأشعة تحت الحمراء/ البصرية- الإلكترونية، على المركبات الجوية غير المأهولة الصغيرة، تفوق كلفة الطائرات بدون طيار ذاتها عدة مرات. وفي المقابل فيما يتعلق بالحجم، فإن الحساسات على طائرة غلوبل هوك الضخمة تكلف أكثر من نصف قيمتها. يتوقع، على وجه العموم، مع تطور التقنية أكثر فأكثر، أن يرتفع سعر الطائرات بدون طيار ذات التقنية العالية.

   أشارت دراسة الكونغرس إلى مشكلة كبيرة أخرى تتعلق بالطائرات بدون طيار، وتؤثر إلى حد بعيد في سعرها النهائي. تتمثل تلك المشكلة في أنها كثيرا ما تتحطم. اختتم التقرير قائلا: “يمكن للخسائر المرتفعة بصورة كبيرة، فيما يتعلق بالطائرات، أن تلغي مزايا السعر عبر دفع الجهات المعنية إلى شراء أعداد كبيرة من الطائرات البديلة” [18].

   أدلت القوات الجوية، في العام 2009، باعتراف مذهل: أن أكثر من ثلث طائرات البريديتور غير المأهولة للتجسس التابعة لها قد تحطمت، في العراق وأفغانستان بالقدر الأكبر [19]. فقدت 38 طائرة بريديتور وريبر، منذ تموز/ يوليو 2010، أثناء عمليات قتالية في أفغانستان والعراق، مع تسع حالات تحطم أخرى أثناء عمليات تدريبية في الولايات المتحدة [20]. أفاد سلاح الجو الأمريكي، بالإجمال، بوقوع تسعة وسبعين حادثا للطائرات بدون طيار [21].  

   تحطمت طائرة بريديتور فوق الجبال الأفغانية، في أيلول/ سبتمبر 2010، بعد أن تسبب عطل في منظومة الوقود بتوقف المحرك. تحطمت طائرة أخرى، قبل بضعة أشهر من ذلك، نتيجة عطل في منظومة الكهرباء. وقعت كارثة أخرى، قرب قاعدة قندهار الجوية، نتيجة قيام مشغل بضغط الزر الخطأ. تحطمت طائرة بدون طيار أخرى بينما كانت تهبط في سيشل، الدولة الواقعة في المحيط الهندي، حيث تمركز الولايات المتحدة أسطولا من الطائرات دون طيار. زعم الإيرانيون، في الحادثة الشهيرة التي استحوذت فيها الحكومة الإيرانية على طائرة التجسس الأمريكية المتطورة، آر كيو- 170، أنهم أنزلوا الطائرة عبر التشويش على منظومتها لتحديد المواقع بالأقمار الصناعية، بينما زعمت الولايات المتحدة أن ذلك قد حدث نتيجة “مشكلة تقنية” في الطائرة.  

   أورد محققو القوات الجوية مجموعة متعددة من الأسباب لحوادث التحطم تلك كافة، بما يشمل أعطال الكمبيوتر، الأخطاء البشرية، سوء التنسيق، تخلف التقنية، وإرشادات الطيران غير الملائمة. اتسم ذلك بالصحة، على وجه الخصوص، أثناء بضع السنوات الأولى التي أعقبت العام 2001، حين كانت الطائرات بدون طيار توجه إلى الجو من دون ما هو ملائم من الاختبار والتدريب.

   يمكن أن تصبح الطائرات بدون طيار “مارقة” أيضا، بما يعني أن أجهزة التحكم عن بعد لا تتواصل معها. اضطرت القوات الجوية الأمريكية، في العام 2009، إلى إسقاط واحدة من طائراتها غير المأهولة في أفغانستان حين خرجت عن السيطرة بحمولتها من الأسلحة. خرجت طائرة بدون طيار إسرائيلية الصنع، تستخدم من قبل قوات حفظ السلام الأيرلندية في تشاد، في العام 2008، خرجت أيضا عن سيطرة مشغليها، وقررت من تلقاء ذاتها، بعد انقطاع التواصل معها، أن تعود إلى أيرلندا، على بعد آلاف الأميال، لتتحطم في طريقها إلى هناك.  

   تتصف طائرة الطائرات بدون طيار في سلاح البحرية، التي يبلغ سعرها ملايين الدولارات، بخاصية “مؤسفة” تتمثل في تدمير نفسها في حال ضغط المشغل زر المسافة بصورة عرضية في لوحة مفاتيحه. وكما أوردت محطة فوكس نيوز: “يمكن لمروحية أم كيو- 8 بي فاير سكاوت غير المأهولة، أن تنطلق من تلقاء ذاتها، وتحلق من تلقاء ذاتها –وأن تنفجر على وجه التقريب، جراء زلة بسيطة، من تلقاء ذاتها” [22]. ووفقا لتقرير صادر عن وزارة الدفاع، في 24 حزيران/ يونيو 2011، فقد ضغط مشغل مروحية غير مأهولة، في سلاح البحرية، زر المسافة من دون قصد بسلك يتدلى من سماعته. تم تجنب الكارثة في اللحظة الأخيرة، ولكن مروحية البحرية أم كيو- 8 بي تتضمن الكثير من العيوب لدرجة أنها فشلت في مهامها الاختبارية العشر كافة في المحطة الجوية العائدة للبحرية في جنوب ماريلاند. أدى خلل بسيط بواحدة من الطائرات، في الواقع، إلى أن تحلق، وهي خارجة عن نطاق السيطرة، من المحطة إلى مجال جوي محظور قرب العاصمة واشنطن، قبل أن تتم استعادة السيطرة عليها [23].    

   تتمثل مشكلة أخرى تتعلق بالطائرات بدون طيار في عيوب منظومتها الأمنية. لم تقم العديد من طائرات الريبر والبريديتور بتشفير صور الفيديو التي ترسلها إلى القوات الأمريكية على الأرض. اكتشفت القوات الأمريكية، في صيف العام 2009، وجود “أيام وساعات” من صور الفيديو الملتقطة بواسطة الطائرات بدون طيار في أجهزة الكمبيوتر المحمولة العائدة لمسلحين عراقيين. تمكن الأخيرون من الحصول على تلك الصور عبر قطعة من البرمجيات بسعر 26 دولارا [24].

   لا يفترض بأي من قمرات القيادة للطائرات غير المأهولة أن تكون متصلة بالإنترنت العمومي، بما يعني أنه يجدر بها أن تكون حصينة بصورة كبيرة من الفيروسات، وغيرها من التهديدات الأمنية في شبكة الإنترنت. ولكن يتم مرارا جسر ما يدعى “الفجوات الهوائية” بين الشبكات المحاطة بالسرية والشبكات العمومية، عبر استخدام الأقراص المدمجة، بصورة كبيرة، ومحركات الأقراص القابلة للإزالة.

   مكنت محركات الأقراص، على سبيل المثال، في أواخر العام 2008، من إدخال فيروس “الأيجنت. بي تي زد” إلى مئات الآلاف من كمبيوترات وزارة الدفاع. لم ينته البنتاغون من تطهير أجهزته بعد مضي ثلاث سنوات على ذلك حتى.

   أصاب فيروس كمبيوترات قاعدة كريتش الجوية، في أيلول/ سبتمبر 2011، ليسجل نقرات المشغلين على لوحات مفاتيحهم وهم يوجهون الطائرات بدون طيار عن بعد فوق أفغانستان، وغيرها من مناطق الحروب [25]. لم يكن المختصون بأمن شبكة الجيش واثقين مما إذا كان الفيروس قد أدخل عن عمد، أو بصورة عرضية. ولكنهم كانوا واثقين من أن الفيروس قد أصاب الأجهزة المحاطة بالسرية وغير المحاطة بها في كريتش، مما يزيد من إمكانية أنه قد تم الاستحواذ على معطيات سرية، ونقلها عبر الإنترنت العمومي إلى شخص ما خارج تسلسل القيادة العسكرية.

   توجد أسئلة جدية أيضا، في النهاية، عن مدى الدقة الفعلية للذخائر التي يتم إسقاطها من تلك الطائرات. تحدث جنرال سلاح الجو دايفيد دبتولا قائلا إن أكثر من 95 بالمئة، من 600 صاروخ هيل فاير وأكثر أطلق من طائرات البريديتور، قد أصاب أهدافه، وإن الأخطاء القليلة تعود إلى العيوب الميكانيكية، فقدان التوجيه أو تحرك الهدف في اللحظة الأخيرة [26]. ولكن لو كانت صواريخ الهيل فاير دقيقة للغاية، فيتعين على المرء أن يتساءل عن سبب تمويل لوكهيد مارتن من قبل الكونغرس للارتقاء بصواريخ هيل فاير إلى صواريخ “روميو 2″، التي يفترض أن تحوي ما هو أفضل من منظومات التوجيه، المواصفات، والآليات لمنع حدوث الأخطاء. كم من الدقة يمكن أن تكون عليها تلك “الذخائر الدقيقة” بينما تتطلب الكثير من التحسينات؟

   وبالرغم من أن الكثير من التقارير عن هجمات الطائرات بدون طيار تتسم بالسرية، فيبدو بالفعل أن بعضا من مشكلات الدقة والموثوقية تتعلق بالظروف الجوية. يمكن أن تقلل السحب، الأمطار، الضباب، والدخان من دقة تلك الطائرات، لتأتي فيما بعد الأخطاء في التجهيز وعيوب التصميم، كالمشكلات المتعلقة بالاستهداف بالليزر حيث ينعكس بعض من طاقة الليزر من الهدف، بما يشوش على باحث الليزر.    

   طورت القوات الجوية، للتعويض عن تلك النقائص، تكتيكا يدعى “الضربة المزدوجة”، يقوم على توجيه صاروخين من نوع هيل فاير إلى كل هدف. ولكن ذلك يزيد من إمكانية إيقاع المزيد من القتلى بين المدنيين، كالأفراد الذين يهرعون لمساعدة المصابين بالضربة الأولى، ويتم قصفهم بالضربة الثانية. وجدت دراسة لمكتب الصحافة الاستقصائية في المملكة المتحدة دليلا على مقتل خمسين مدنيا على الأقل في “ضربات المتابعة”، بينما كانوا يعملون على مساعدة الضحايا [27].      

   وبالطبع، عندما يتم تعيين الهدف بصورة غير صحيحة، فإن أكثر القنابل دقة حتى ستؤدي إلى وقوع المآسي. تعمل الولايات المتحدة، من أفغانستان إلى الصومال، في مناطق لا تملك الكثير من الفهم لطبيعة مجتمعاتها المعقدة. يمكن أن تنتج المعلومات الاستخبارية المغلوطة عن التضليل المتعمد من قبل المخبرين المحليين الذين يحاولون تسوية نزاعات قبلية قديمة، أو جني بعض المال ببساطة عبر بيع معلومات كاذبة.  

   يمكن أن تنتج المعلومات الاستخبارية المغلوطة أيضا عن أخطاء بسيطة. يمكن أن يساء تحليل صور الفيديو، بالرغم من روعة الكاميرات المستخدمة كافة. يمكن أن تبدو شاحنة تنقل صناديق من الرمان كشاحنة تنقل صناديق من المتفجرات. يمكن أن يبدو رجل طويل ملتح يرتدي ثوبا كرجل طويل آخر بالمواصفات ذاتها. نقل، في شباط/ فبراير 2002، أن مشغل الطائرة بدون طيار قد قتل أفغانيا طويلا لظنه أنه أسامة بن لادن، ليتبين أنه قروي بريء يجمع نفايات معدنية [28]. تم إطلاق صواريخ باتريوت نصف آلية، أثناء غزو العراق في العام 2003، على ما كان يفترض أنه صواريخ عراقية، لتتمثل النتيجة في إسقاط طائرات للحلفاء. كان من المفترض بمشغلي تلك الصواريخ أن يوقفوها في تلك الحالة، ولكنهم فشلوا في القيام بذلك [29].

   وفي أول حالة معروفة لقتلى بنيران صديقة عبر طائرات غير مأهولة، فقد أدت غارة لطائرة بدون طيار في أفغانستان، في 6 نيسان/ أبريل 2011، إلى مقتل جندي من المارينز وممرض في البحرية بصورة عرضية. قتل الرقيب في المارينز جيريمي سميث، 26 عاما، وممرض البحرية بنجامن دي. راست، 23 عاما، جراء غارة لطائرة بريديتور بعد أن أخطأ قادة في المارينز، وظنوا أنهما من طالبان. لم ير جيري سميث، والد جيريمي، حين عرضت عليه صور الفيديو المتعلقة بالهجوم، لم ير صورا عالية الدقة التي يتوقع المرء الحصول عليها من الطائرات بدون طيار المتطورة. تمثل كل ما أمكنه تمييزه في نقاط ضمن ظلال داكنة بصورة فعلية. تحدث الأب المفجوع قائلا: “لا يمكنك أن تميز أنهما رجلان حتى –كل ما تراه هو نقاط لا أكثر”. لم يتهم التقرير أحدا بالإهمال أو التقصير في واجباته، ولكنه أنحى باللائمة على سوء الاتصالات، الافتراضات غير الصحيحة، و”الافتقار إلى الوعي التام بالموقف” [30].  

   تعج المقابر في أنحاء آسيا والشرق الأوسط كافة، لسوء الحظ، بالشواهد على هجمات غير موفقة للطائرات بدون طيار. لم يطلق عليها اسم المفترسة والحاصدة عن عبث، حيث تمثل آلات حقيقية للقتل، تخطف في لحظات، من دون قضاة أو محلفين، أرواح من يعدون إرهابيين من قبل شخص ما، في مكان ما، إلى جانب أولئك الذين يقعون عن غير قصد – أو بصورة عرضية- في مرمى نيرانها.

   تخيلوا كم من المخيف، بالتأكيد، أن يعيش المرء تحت وطأة التهديد الدائم بهجمات الطائرات بدون طيار. يمكن أن تراها، في بعض الأحيان، وهي تحلق في الأعلى بما يشعرك بالخطر، ويمكن أن تختفي، في أحيان أخرى، ولكنك تظل قادرا على سماع أزيزها المرعب.  

   تخلف هجمات الطائرات بدون طيار قصصا للمعاناة الإنسانية: أرامل مفجوعة، أطفالا يتامى، أرواحا شابة أزهقت، وإعاقات مدى الحياة. تثير تلك الهجمات أيضا سخط السكان المحليين ومشاعر العداء للأمريكيين، وتشجع على القيام بأعمال العنف الانتقامية.

   وكما كتبت المحامية الأمريكية الباكستانية رافيا زكريا، قائلة: “يجلس مشغل طائرة الطائرة بدون طيار، في مكان ما في الولايات المتحدة، في حجرة وبيده عصا للقيادة، ويتحكم في طائرة بلا طيار مزودة بقنابل مميتة. يقوم بالتصويب، بما يشبه كثيرا لعبة الفيديو، ويطلق النار على أهداف يراها على خريطة أقمار صناعية… يُقتل الهدف في بعض الأحيان، ولا تكون المعلومات الاستخبارية صائبة في أحيان أخرى، لتدفع عائلة نائمة أو تحتفل بزفاف الثمن الأكبر لسوء الحسابات. تستفيد طالبان على الدوام، بكل الأحوال، من الضرر والفوضى الناتجين عن ذلك، وتجند مقاتلين جددا، وتفعل من حركة مقاتليها القدامى. لا ينتشر الإرهاب، بالتالي، في القرية التي هاجمتها الطائرة بدون طيار فحسب، بل في الأماكن كافة: في أسواق بيشاور، وشوارع لاهور، ومؤسسات إسلام أباد، حيث ينتقم أولئك المجندون غضبا من هجمات الطائرات بدون طيار” [31].  

   وبينما يقتل العديد من الناس بالطائرات بدون طيار، فإن القليل يجنون الكثير من المال.

 ——————————————————

[1] Khawar Rizvi, Personal Interview by author, Washington, D.C., May3, 2010.

[2] “Politics is Funny,” A Tiny Revolution, May 2, 2010.

[3] Rod Powers, “Military Word/Phrase Origins,” United States Military Information

[4] Jeremiah Gertler, “U.S. Unmanned Aerial Systems,” p. 1, Congressional Research Service.

[5] Peter Finn, “Rise of the Drone: From Calif. Garage to Multibilliondollar Defense industry,” The Washington Post, December 24, 2011.

[6] Chris Cole, “Convenient Killing: Armed Drones and the ‘Playstation’ Mentality,” The Fellowship of Reconciliation, England, 2010.

[7] Elizabeth Bone, “Unmanned Aerial Vehicles: Background and Issues for Congress,” Congressional Research Service, April 25, 2003.

[8] Nic Robertson, “How Robot Drones Revolutionized the Face of Warfare,” CNN, July 23, 2009.

[9] Jeremiah Gertler, “U.S. Unmanned Aerial Systems,” Summary, Congressional Research Service, January 3, 2012.

[10] “Program Acquisition Costs by Weapon System,” Office of the Under Secretary of Defense, February 2011 p. 1-1.

[11] “General Atomics MQ-9 Reaper,” Wikipedia.

[12] Jeremiah Gertler, “U.S. Unmanned Aerial Systems,” Congressional Research Service, January 3, 2012 p. 22.

[13] David S. Cloud, “Contractors’ Role Grows in Drone Missions, Worrying Some in the Military,” McClatchy News, December 29, 2011.

[14] Elisabeth Bumiller and Thom Shanker, “Microdrones, Some as Small as Bugs, Are Poised to Alter War,” The New York Times, June 20, 2011.

[15] ibid.

[16] Cloud, loc. cit.

[17] “Policy Options for Unmanned Aircraft Systems,” Publication 4083, Congressional Budget Office, Washington DC, June 2011 p. 31.

[18] ibid.

[19] Christopher Drew, “Drones Are U.S. Weapons of Choice in Fighting Qaeda,” The New York Times, March 16, 2009.

[20] Associated Press, “U.S. Deploys Drones Against Somali Pirates,” CBS News, October 24, 2009.

[21] David Zucchino, “Military Drone Aircraft: Losses in Afghanistan, Iraq,” Los Angeles Times, July 6, 2010.

[22] “Oops! Keystroke Goof Sets Navy Drone to Self-Destruct,” FOX News, July 19, 2011.

[23] Joshua Stewart, “Fire Scout report outlines tech glitches,” Navy Times, July 2011.

[24] Noah Shachtman, “Insurgents Intercept Drone Video in King-Size Security Breach,” Wired.com, December 17, 2009.

[25] Noah Shachtman, “Exclusive: Computer Virus Hits U.S. Drone Fleet,” Wired.com, October 7, 2011.

[26] Nic Robertson, “How Robot Drones Revolutionized the Face of Warfare,” CNN.com International, July 23, 2009.

[27] Chris Woods and Christina Lamb, “Obama terror drones: CIA tactics in Pakistan include targeting rescuers and funerals,” Bureau of Investigative Journalism, February 4, 2012.

[28] Jane Mayer, “The risks of the C.I.A.’s Predator drones,” The New Yorker, October 26, 2009.

[29] “UK Faults Self and US for Plane Shootdown,” Space War, May 14, 2004.

[30] David Zucchino and David S. Cloud, “U.S. deaths in drone strike due to miscommunication, report says,” The Los Angeles Times, October 14, 2011.

[31] Medea Benjamin, “Did You Hear the Joke About the Predator Drone That Bombed?” CommonDreams, May 5, 2010.