في الذكرى الـ80  لوفاته: تجربة مرمدوك بكثال مع الإسلام والمسلمين


الحياة ، السبت، ٢٠ فبراير/ شباط ٢٠١٦

كانت شهرة الكاتب والمفكر البريطاني مرمدوك بكثال ( Marmaduke Pickthall (1875-1936 الذي أعلن إسلامه وهو في ذروة تألّقه عام 1917، في المشرق العربي، تقتصر أساساً على ترجمته المعروفة للقرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزية التي صدرت عام 1930 وأحدثت صدى طيباً هنا وهناك، حتى أن الملحق الأدبي لجريدة «التايمز» اعتبرها «إنجازاً أدبياً عظيماً». ولكن الكتاب الصادر حديثا في الدوحة «مرمدوك بكثال مسلم بريطاني» لمواطنه البريطاني المعروف بيتر كلارك (منتدى العلاقات العربية والدولية 2015) يسمح بالتعرف إلى جانبين غير معروفين في العربية عن مرمدوك بكثال: الجانب الأدبي والجانب الفكري.

     وكما أن تجربة بكثال تعتبر قيّمة، لأنها تعكس في الكتابة والترجمة معايشته للإسلام والمسلمين من الداخل، فإن كتاب كلارك أيضاً يتميز بالكتابة عن هذا الإنسان المغبون من الداخل وليس من الخارج الرافض له. فكلارك سُحر بالشرق مثل بكثال وجال فيه وتعلم العربية وترجم منها إلى الإنكليزية وخاض في تفاصيل الحياة المحلية في دمشق وعمان حيث كان مديراً للمركز الثقافي البريطاني هنا وهناك، حتى أنه أصدر أخيراً يومياته عن سورية «تحت حكم الأسد» التي تستحق الترجمة أيضاً. ومن هنا نجح كلارك في أن يقدّم لنا صورة مغايرة عن بكثال بالاستناد إلى نتاجه الأدبي الكبير (تسع روايات وثلاث مجموعات قصصية) الذي استلهمه من الشرق وأراد منه إيصال صورة مختلفة عنه إلى الغرب، ومقالاته الغنية التي كان ينتقد فيها الموقف الغربي من الشرق ويوضّح فهمه الخاص للإسلام الذي كان يعبّر عن تجربة غنية لا توفّر النقد لفهم بعض المسلمين لإسلامهم.

       ولد بكثال في 4 نيسان (أبريل) 1875 في مدينة كامبردج ترست قرب لندن، لقسّ (تشارلز بكثال 1822- 1888) وأم متحررة (ماري أوبراين)، وعبّر منذ طفولته عن ولعه باللغات ثم سُحر بالشرق بعد قراءته «ألف ليلة وليلة» وذهب إلى بلاد الشام (لبنان وفلسطين وسورية) حيث صدمه هناك الموقف الاستعلائي للمستشرقين والمبشرين والمسؤولين (القناصل) إزاء العرب والمسلمين، وهو ما عبّر عنه في مقالاته وقصصه ورواياته ابتداء من قصة «كلمة رجل إنكليزي» التي نشرت 1898 ورواية «سعيد السمّاك» التي نشرت عام 1903 وشهرته بعد أن صدر له حوالى عشرين طبعة وترجمت إلى الألمانية والإيطالية، ولذلك حقّ للناقد إيه. فورستر E.Forster أن يقول عنه في 1921 إنه «الروائي المعاصر الوحيد الذي يفهم الشرق الأدنى». ومن المؤسف أنه لم يترجم أي رواية لبكثال إلى العربية، وكان يجدر، على الأقل، أن تصدر «سعيد السمّاك» في الذكرى الثمانين لوفاته.

     وعلى رغم قيمة القسم الأدبي في هذا الكتاب الذي يحلل فيه المؤلف كل رواية وكل مجموعة قصصية، فإن القسم الآخر الذي يتعلق بفكر بكثال يبدو لنا أكثر أهمية، لأنه يمكن إسقاطه على عالم الإسلام اليوم والعلاقات بين الشرق والغرب.

     كان إعلان بكثال عن إسلامه في 1917 خلال محاضرة عامة في لندن نتيجة رد فعل إزاء المواقف الاستفزازية والاستعلائية للغرب إزاء المسلمين التي تبدّت له بشكل خاص خلال حرب البلقان 1912- 1913، التي تحوّلت «حملة صليبية» على المسلمين وليس فقط على الدولة العثمانية، وهو ما عبّر عنه في مقالاته النقدية والساخطة على الموقف البريطاني بالذات. وعلى ذكر الدولة العثمانية، فقد تحمّس بكثال كثيرا لثورة 1908 التي بشّرت بعهد من الإصلاح وأصبح يرى أمل الإسلام والشرق في نهوض تركيا الجديدة، لكونها تقوم على المذهب الحنفي «الوحيد في الإسلام الذي يقدّم العقل على النقل» حتى وصل إلى القول إن «تركيا هي الأمل الوحيد للعالم الإسلامي». ولكن مجريات الحرب العالمية الأولى التي أصبحت بلاده (بريطانيا) فيها رأس الحربة ضد الدولة العثمانية، حطّمت آمال بكثال ودفعته في نهاية الحرب (1917) إلى إعلان اعتناقه الإسلام بعد إفشال محاولاته في 1916 لفتح قنوات تواصل بين لندن وإسطنبول.

     وفي ما يتعلق بفهمه الإسلام، رأى بكثال في كلمة «مسلم» أنها ليست فقط وصفاً للملتزم بعقيدة «الإسلام»، بل هي ما تعنيه تماماً في اللغة العربية، أي «الذي أسلم نفسه بالكلية لله». ولكن التسليم بمشيئة الله، بحسب بكثال، لا يعني نفي إرادة الشخص أو مسؤوليته عن أفعاله. وفي هذا السياق، فهم بكثال الجهاد بشكل إيجابي، أي بمعنى المجاهدة المستمرة من أجل الوصول إلى الأفضل، و «هي مجاهدة يجب أن تستمر مع الشخص طوال حياته كما يجب أن تحكم كل فعل في حياته».

     وبالاستناد إلى هذا، يصل بكثال إلى أهم ما كتبه وتعرّض فيه إلى الغرب وبعض المسلمين في آن، وهو حال التسامح في الإسلام وعند المسلمين والغربيين. وهكذا، فهو يقول إن «التسامح الإسلامي عبر التاريخ أقوى داع لنا لمخاطبة العالم»، ولذلك إذا كان التسامح الديني بالنسبة إلى المسيحيين الأوروبيين «فضيلة علمانية»، فهو «واجب على المسلمين». وفي هذا السياق يوضح بكثال الأمثلة الكثيرة عن التسامح في الإسلام، وعلى رأسها الحرية المعطاة للجاليات المسيحية. ولكن بكثال في المقابل يرى أن بعض المسلمين لايلتزمون دينهم في هذا الجانب بالتحديد، فالرسول محمد (ص)، بحسب بكثال، كان في حياته كنبي وقائد «أول من أعلن بعبارة لا تحتمل الالتباس، أن الله يثيب عمل البر من كل دين وبلد»، ولكن بكثال يقرّ بأسف بأن بعض المسلمين «مذنبون بعدم التسامح».

     وينطبق هذا أيضاً على وضع المرأة في الإسلام وبين المسلمين، فوفق بكثال، كان الرسول «ربما أعظم شخص عرفه العالم مراعياً للنساء، باعتبار البلد والعصر الذي عاش فيه»، ولكن واقع الحال كما آل إليه في بعض بلاد المسلمين لم يعد منسجماً مع ذلك. ففي 1920 قرّر الرحيل إلى الهند للعمل مع المسلمين هناك، ولكن واقع المرأة أفزعه، ففي محاضرة له في مدراس استهجن كثيراً ما رآه من حال المرأة المسلمة. وانتهى إلى القول: «المرأة المسلمة بكل تأكيد ليست في المكانة التي أعطاها الإسلام… إن الوضع الذي أُقحمت فيه الغالبية العظمى من النساء المسلمات في الهند إنما هو افتراء على الإسلام، إنه جريمة».

     وتجدر الإشارة إلى أن تجربة بكثال مع الجالية المسلمة في بريطانيا وإقامته الطويلة في الهند (1920- 1935) حرّضتاه أيضاً على التفكير في ترجمة معبّرة للقرآن إلى الإنكليزية. وقد ذهب لأجل ذلك إلى القاهرة واجتمع مع علماء الأزهر وتحدث اليهم بالعربية ليروا تمكّنه ولكي يقنعهم بأن العالم من حولهم تغيّر ولم تعد العربية لغة العالم بل أن الكثير من مسلمي العالم لم يعد يقرأ إلا في الإنكليزية. ومع تحفظ علماء الأزهر عن ذلك إلا أن شيخ الأزهر الشيخ مصطفى المراغي تفهم ذلك وسمح له بالمضي في الترجمة التي أحدثت صدى إيجابياً عند صدورها في 1930 وأعيدت طباعتها في الغرب والشرق (الإمارات وليبيا… إلخ) مرات عدة.

     وأخيراً مع هذا الكتاب الجديد يشعر المرء بالتقصير جراء التعتيم على ما كتبه بكثال عن تجربته مع الإسلام والمسلمين كما عاشها بروحه وكما رآها على أرض الواقع بين المسلمين. ولذلك يجدر شكر المؤلف على حرصه على الذهاب إلى الهند لتتبع تجربة بكثال هناك ولقاء من بقي على قيد الحياة من أبناء أصدقائه والوصول إلى ما تركه هناك من آثار ثقافية. ومن ناحية أخرى لا بد من أن يوجه الشكر إلى المترجم أحمد الغامدي الذي كان أفضل من يفهم باكثال لكون رسالته للدكتوراه في الولايات المتحدة كانت عن بكثال. ومن المأمول الآن في الذكرى الثمانين لوفاته أن يحرك هذا الكتاب الصادر حديثاً في العربية المزيد من الجهود لترجمة بعض مؤلفاته التي تتمتع براهنية مثل «الإسلام والتقدم» أو رسالة الدكتوراه للمترجم نفسه.