في حاجة الواقع العربي إلى تفعيل العلوم الاجتماعية


لا حاجة إلى القول بأن واقعنا العربي المعاصر مثقل بالكثير من الإشكالات، لكن الأمر الذي يستحق القيل بصوت مرتفع هو أننا قَلَّمَا نستبق معالجة إشكالاتنا بدراسات علمية رصينة، بل نعتمد في الغالب على المعرفة العفوية، أو المعرفة النظرية التي تصدر عن مفاكرة متسرعة لا عن مدارسة علمية للواقع.

ولعلي لا أبالغ لو قلت إن اللحظة التي نعيشها من أخطر لحظاتنا التاريخية التي تستلزم الانتقال من المعرفة العفوية بذواتنا وواقعنا إلى “المعرفة العالمة” القادرة على إبصار التحولات الاجتماعية وقياسها علميا؛ لكي يُصار إلى التقدير النظري المناسب لبلورة المعالجات المطلوبة.

والقصد من هذه السطور توكيد أهمية العلوم الاجتماعية – بمدلولها الواسع، و ليس بمدلولها السوسيولوجي الضيق، الذي يختزلها في علم الاجتماع، أي أقصد بالعلوم المجتمعية، علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وعلم الاقتصاد، و علم السياسة، و علم النفس الاجتماعي…-. تلك الحقول المعرفية التي بمفاهيمها النظرية، ولحاظها الميداني، يمكن أن تمنحنا رؤى ومعالجات أفيد، بفعل كونها تنزل إلى الواقع لتستقرئه في عينيته، ولا تغريها أو تستغرقها جاذبية الرؤى الإنشائية الجوفاء.

كما نستهدف التنبيه إلى أن من بين أخطر العوامل التي تعوق القراءة العلمية لواقعنا وما يستبطنه من مشكلات هو غياب الالتزام بقواعد البحث العلمي، حيث ننتج رؤى ونظريات ومقاربات على غير سند من استبيان الواقع، فيكون الناتج عنها في توجيه الفعل السياسي والاقتصادي، تعميقا للأزمات بدل معالجتها.

لكن إزاء هذه الدعوة إلى تفعيل العلوم المجتمعية وإجراء أدواتها الاستقرائية، هناك تصورات عديدة تشكك في فائدة تلك الأساليب والمفاهيم المنهجية، إذ ترى أن البحث الميداني غير ذي قيمة، حيث تنفق هذه البحوث التجريبية (الإمبريقية) زمنا و جهدا في سبيل إقامة نماذج وصفية بدهية يعرفها كل الناس. ولذا قد يقال اعتراضا:

من ذا الذي لا يعرف مثلا أن نسبة الجريمة ترتفع كلما توغلنا في الأحياء الفقيرة؟

أليس كل الناس يعلمون بحسهم الاجتماعي العامي مثل هذه الحقائق، التي ينفق في سبيل توكيدها علماء الاجتماع استمارات، و شكليات منهجية، و بناءات نظرية تأكل الوقت و المال و الجهد؛ فلا يخلص الباحث إلى شيء جديد، بل يقرر ما يعرفه الناس ببداهتهم ومعرفته التلقائية بمجتمعاتهم، و لكنه يغلف ذلك باصطلاحات منمقة لإيهام القارئ بأنه قد أتى بعلم لم تعرفه الأوائل ولا الأواخر؟

ألا يؤدي مثل هذا إلى الشك في صلاحية البحوث الواقعية الميدانية؟

لبيان أهمية تفعيل العلوم الاجتماعية أستحضر مساهمة السوسيولوجي الأمريكي بول لازارسفيلد (1976-1901) Paul Lazarsfeld الذي انتقد الاعتراض على البحث الميداني في تعليقه على نتائج دراسة المؤرخ أرثر شليزينجر Arthur Schlesinger المعنونة بـ”الجندي الأمريكي”The American Soldier الصادرة عام 1949 (في جزئين). وقد اخترته؛ لأنه في تقديري من أفضل الكتابات السوسيولوجية الدارسة لجدوى البحوث الميدانية، واعتماد المداخل المنهجية للعلوم المجتمعية لتأسيس مواقفنا وآرائنا في الشأن المجتمعي!

يقول بول لازارسفيلد: “إن وصف السلوك الإنساني، وتغيراته من جماعة إلى أخرى حسب الظروف هو مشروع واسع وصعب. لأنه يتطلب صياغة علاقات وترابطات دقيقة. لكن هذه الصياغة تؤدي إلى إحداث العديد من ردود الفعل التي تثير سوء الفهم. فمن الصعب إيجاد سلوك بشري لم يسبق أن لوحظ من قبل، ولذا عندما نتوصل إلى صيغ تفسر سلوكا بشريا ما، سرعان ما يعلق القراء بأن هذا الشيء كان بدهيا و معروفا لديهم.”( [1])

أي إن البحث السوسيولوجي الميداني لا يأتي بجديد. ومن ثم فالمعرفة العفوية التي لدينا عن الظواهر الاجتماعية لا تختلف جوهريا عن المعرفة العالمة. ولإيضاح ذلك، استحضر بول لازارسفيلد نتائج دراسة أرثر شليزينجرArthur Schlesinger ، وعلق عليها بما “يؤكد” عدم قيمة البحث الاجتماعي الميداني!

واختصارا سأقتصر هنا على إيراد ثلاث نتائج من تلك الدراسة مع التعليق النقدي:

– تقول النتيجة الأولى: إن الجنود الأمريكيين ذوي المستوى الثقافي الأعلى كانوا الأكثر تعرضا إلى مشكلات التكيف النفسي مع شروط العيش الصعبة في جزر الباسيفيك، من الجنود الآخرين الذين لديهم مستوى تعليمي و ثقافي ضعيف.

– التعليق :

لاشك أن هذا الأمر لا يحتاج إلى بذل عمل سوسيولوجي وبحوث ميدانية لتوكيده، إذ من المعروف أن نفسية الإنسان المثقف تكون أكثر هشاشة وقلقا واضطرابا.

النتيجة الثانية: إن الجنود ذوي البشرة السوداء كانوا أقل طموحا في الترقي في السلم الوظيفي، من الجنود ذوي البشرة البيضاء.

– التعليق:

إن هذا أيضا أمر معروف؛ فمعلوم أن المجتمع الأمريكي بفعل الرواسب التاريخية للعبودية، وبفعل ظروف التمييز العنصري الذي لا يزال حاضرا على مستوى العلاقات المجتمعية، يفسر بلا شك إفراغ الإنسان الأسود من الفاعلية والأمل في الترقي الوظيفي.

النتيجة الثالثة: إن الجنود ذوي الأصول الجنوبية – أي جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي منطقة تتميز بحرارة المناخ عكس الشمال البارد – أظهروا تحملا أفضل من الجنود ذوي الأصول الشمالية، للمناخ الحار الذي يسود جزر الباسيفيك.

– التعليق:

وهل يحتاج هذا الأمر إلى بحث سوسيولوجي ميداني لإثباته؟!

إن سكان الجنوب الأمريكي متعودون على الحرارة، أكثر من سكان الشمال البارد، لذا من الطبيعي أن يكونوا أقدر على تحمل المناخ الحار.

هذه نماذج من “النتائج” التي يصوغها البحث الميداني، وتلك هي بالضبط التعاليق النقدية التي تستحقها. فكيف نؤسس عليها دعوتنا للخطاب العربي المعاصر إلى تقدير أهمية العلوم الاجتماعية وإجرائياتها البحثية الميدانية، وضرورة اعتمادها للتقليل من النزوع الإنشائي ، لتحقيق النقلة إلى بلورة فهم علمي لواقعنا المجتمعي؟!

أليس من حق القارئ أن يعترض على ما سبق بالقول: إن كل سطورك السابقة هي نفي لقيمة البحث الاجتماعي، وإثبات لعدم جدوى البحوث الميدانية أصلا، لأنها لا تفعل إلا تبذير الجهد والفكر والوقت… من أجل تقرير أشياء معروفة سلفا؟ و الدليل أن تلك النتائج التي استحضرها لازارسفيلد لم تأت بأي جديد!

سيخيب ظن المعترض!

لأن كل التعليقات السالفة خاطئة تماما، وتلك النتائج الثلاث التي ذكرناها نتائج كاذبة، إذ تعبر بالضبط عن نقيض النتائج الحقيقية التي توصل إليها البحث الميداني!

أجل إن المفاجأة هي أن البحث الميداني أثبت:

– أن الجنود الأقل ثقافة هم الأكثر عرضة لمشكلات التكيف.

– وأثبت أن الجنود ذوي البشرة السوداء هم الذين كانوا أكثر طموحا وعملا من أجل الترقي الوظيفي.

– وأثبت البحث الميداني أيضا أن الجنود الأمريكيين الجنوبيين المتعودين على حرارة الجو في بيئتهم، كانوا أقل تحملا لحرارة جو الباسيفيك مقارنة مع الجنود الشماليين الذين عاشوا في المناخ البارد!

ومن هذا الكشف لحقيقة تلك النتائج نخاطب عقلنا الإنشائي لنؤكد له أن من الخطأ الركون إلى معرفتنا العامية الشائعة، ونتخذها دليلا على معرفتنا بواقعنا المجتمعي، فكثيرة هي الأفكار التي نستند عليها في حواراتنا الفكرية والسياسية بوصفها حقائق يؤكدها وعينا بالمجتمع، بينما هي مجرد أفكار مغلوطة ليست ناتجة عن بحث ودرس إنما عن تخمين أو تلقٍّ للأفكار المتداولة.

ولذا فالعلوم الاجتماعية ووسائلها المنهجية في بحث الواقع شرط ضروري لترقية فهمنا للواقع. إذ هي المدخل المعرفي المؤدي إلى إدراك الظواهر المجتمعية وفهمها فهما علميا، وتخليصنا من تلك التمثلات والأقيسة الذهنية الصورية التي لم تتأسس على ملحوظات ولا على استبيانات معرفية منهجية.

صحيح أن حتى النتائج الحقيقة لو قيلت في البداية لما عدم القارئ من أسلوب لتسويغها وإدراجها هي أيضا ضمن ما هو معروف و”بديهي”، ولن يعدم تبريرها بصيغ من صيغ التأويل. لكن بصرف النظر عن هذا وذاك، فالقصد من إيراد ما سبق هو التوكيد على أن معارفنا التلقائية بمجتمعنا ينبغي أن تخضع للمساءلة العلمية، وأن لا تعد نتيجة علمية إلا بعد المرور ابتداء على قواعد التمحيص العلمي.

يقول أنطوني جيدنز في إيضاحه لقيمة السوسيولوجيا: “يُمَكِّنُنَا علم الاجتماع، بادئ بدء، أن نرى العالم الاجتماعي من وجهات نظر غير ما لدينا.”([2])، أي إن توسل علم الاجتماع وإجراء أدواته البحثية يؤدي بنا إلى كشوفات مدهشة تؤكد أن فهمنا المسبق للاجتماع مغاير لما يخلص إليه البحث الفعلي المتقوم بأدوات العلم.

وعَودًا إلى بدء:

إن الإشكالات الخانقة التي نعيشها اليوم، والتي تؤذن بحروب أهلية وطائفية يمكن أن تدفع المجتمعات العربية إلى مزيد من التفكك والتجزيء، دليل على أن الفاعل السياسي، بل وحتى الثقافي، مدخول بكثير من الاختلالات في وعيه وسلوكه.

وأكتفي هنا بمثال واحد للدلالة على افتقارنا الى فهم بنية الاجتماع العربي من حيثية تعدد مكوناته، إذ نجد خللا عميقا وقصورا في فهم حقيقة ذواتنا ومجتمعاتنا. أجل إن حاجتنا اليوم ماسة إلى أن نعرف من نحن!

والغريب أن كثيرا من الرؤى المتداولة تؤسس لمعرفة مصحوبة بعقلية إقصائية طائفية تختزل تعددية الـ “نحن” إلى أحادية نمطية تقصي ولا تستوعب، فتعكس تلك الرؤى جهلها بطبيعة الواقع الذي تتحرك فيه. بينما المطلوب هو عقلية قادرة على استيعاب النحن في كينونته الاجتماعية والثقافية المتعددة، والقبول باختلاف كيان الأنا الجمعي، بالتأسيس لقيم وتربية تُكَوِّن في الناشئة حس القبول بالمختلف معها. فهذا شرط أولي ليس بديلا عن الآليات الديموقراطية، بل هو الذي يضمن نجاح إجرائها.

كما أن مفهوم الـ “نحن”، لم يعد قابلا لأن يقرأ في سياج البنية الجغرافية المتعينة، بل ثمة انفتاحات مهولة تؤسسها ثورة الاتصال، تستوجب معاودة النظر في مقاييس تفكيرنا في الذات والهوية والآخر… وكل هذا لن يتأتى بدون تفعيل البحث العلمي .

فمتى ننتقل بوعينا الاجتماعي والسياسي … إلى مستوى المعرفة العالمة؟

____________________________________________________

[1] -Pierre Bourdieu “ Le métier de sociologue” Tome I p: 141-142, “Sciences et philosophie recueil de textes“ 3 Fasicule-M. Boissieu, et… Dar Elkitab Casablanca. P:270-271.
[2]- أنطوني جيدنز، علم الاجتماع ، ترجمة فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، بيروت 2005 ، ص 52 .