في عصر التحولات: المجتمع بين هيمنة الفردانية والعودة للأنسنة

30 أكتوبر , 2014


borisz-iStock-Vectorsborisz-iStock-Vectors

في الحديث عن سيناريوهات التحولات الحضارية التي بدأنا نشهد ملامحها الأولى بوضوح في عالمنا المعاصر، لا نعني مجتمعا بعينه وأمة خاصة عند الرصد والتحليل، لكن المتأمل في جذر التحولات ومنبعها الذي يؤثر في العالم اليوم، نجده في العالم الغربي وأقصد به أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان، وهذا التسيّد الواقعي أصبح كالأنموذج الذي ينتقل ويتمدد في أغلب بقاع الأرض، لذلك يكثر الاستشهاد به، لأن مداه الشمولي يتردد بين جنبات العالم كله.

كما لا يخفى أن من أبرز الآليات التي توسلّت بها حداثة العالم الغربي في إقامة مشروعها الدنيوي، هو ما سماه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن “آلية تفريق المجموع” أو “آلية فصل المتصل” ولما كان الدين يتصل بمختلف مجالات الحياة، وكان اتصاله بها يتخذ أشكالا وأقدارا متفاوتة، فقد انبرت الحداثة لهذه الأشكال المختلفة من الاتصال، لتعطل قانون الدين من هذه المجالات الحيوية، حتى تستقل تلك المجالات بنفسها، تدبيرا وتقديرا.

وهكذا فصلت الحداثة العلم عن الدين، وفصلت عنه الفن والقانون، كما فصلت السياسة والأخلاق.[1]

فما كان أصله الجمع قد فُرّق، وما كان أصله الكلية قد جُزّئ، وهذا الملمح العام في الحداثة الغربية وما يدور في فلكها من حداثات عالمية، شمل مكوّنات رئيسة في الدين والأخلاق والتدابير المعاشية، وما عادت الجماعية تبرز في تلك المعطيات،لهذا يظهر هذا التحلل نحو الجزئي أيضا على الفرد،الذي بدأ يعيش حياته دينيا وأخلاقيا ومعاشيا وفق صور جزئية لا تشترك مع الآخرين، فيكوّن لنفسه عقيدته التصورية الخاصة، وأنماطا معينة من التخلّق، وطريقة حياتية تتسم بالعزوف والأنانية عن المشاركة مع الآخرين، فالعيش المفرد وعدم الرغبة في الزواج والتحرر من قيود المسؤولية الاجتماعية تجاه أسرته،كلها أصبحت مظاهر لهذا التحلل نحو الجزئي، وتعمق هذا الحال في المجتمعات الغربية حتى أصبح فلسفة أو هو نتاج فلسفة، يجمعها وصف “الفردانية”.

الفردانية: السياق والدلالات، وتجلياتها

ويطلق هذا المصطلح وأقصد به “الفردانية” على مجموعة النظريّات والاتجاهات السياسيّة والاجتماعيّة أو التاريخيّة التي تقدّم الفرد وتمنحه الأولويّة على الجماعة، أو تعمل على استبعاد النظريّات والنماذج الكلّيّة؛ فالفرد هو مرجع القيم وأساسها، وإرادته وحدها هي الحَكَم في تفسير الظواهر الاجتماعيّة والتاريخيّة. والمذهب الفردي في السياسة هو ذاك الذي ينادي بالحدّ من سلطان الدولة ودعم الحرّيّة الفرديّة من أجل ضمان رفاهية الفرد في المقام الأول.

وبرزت الفلسفة الفردانية مع النهضة الأوروبيّة ابتداء من القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلادي، حيث أضحى “الفرد وحدة مرجعيّة أساسيّة بالنسبة إلى ذاته وإلى مجتمعه في وقت واحد. إنّ الفرد حرّ، وهو الذي يقرّر مهنته ويختار شريكه، ويمارس “معتقداته” بكلّ حرّيّة، ويعبّر عن آرائه..” [2]

فازدهار نظريات الحق الطبيعي والذاتية والحرية والعقلانية الجزئية وما بعد البنيوية،كلها أسهمت في تفكيك النزعات اللاهوتية وسطوة الماورائي والديني وتمكين الإنسان الفرد أن يكون بذاته المجردة مرجعا رئيسا لما حوله من أنساق معرفية ولاهوتية.

وهذا المنزع نحو الفردانية، أشبع تمرد الفرد وانفكاكه عن كل القيود والثوابت والمسلمات الأخلاقية وغيرها، وعليه؛ ازدهرت المادية والأنانية وغيبت حقيقة الإنسان الكامل إلى إنسان ناقص عابث يتمحور على إشباعاته المادية.

ويمكن أن يكون القرن الماضي ظاهر المعنى في توصيف الفردانية في الحياة الغربية، بينما عالمنا الإسلامي بدأ يعيش مظاهرها بشكل متدرج، أسهم الإعلام الفضائي وانتشاره في كل بيت مع وجود الشبكة العنكبوتية، في سرعة التلبس بأنماط التحلل نحو الجزئي من خلال صور عديدة معاشية وفكرية واجتماعية.

من فردانية التصور إلى فردانية الجغرافيا:

من ناحية أخرى يظهر التحلل نحو الجزئي بشكل جغرافي يعيد تفريق المجتمع وتفكيك الوحدات الوطنية، بالرغم من أن كل المعطيات الاقتصادية والسياسية تتجه نحو التكتلات والأحلاف الدولية التي تجمع القوى الفاعلة في رباط يمنحهم القوة والتأثير الدوليين، لكن من هذا المنطلق أيضا قد تتجه تلك الأحلاف القوية إلى تفكيك الدول والأحلاف المنافسة، بغية السيطرة والتوسع في الهيمنة، وكذلك إضعاف أي احتمال للقوة أو التهديد المستقبلي.

والدوائر السياسية ومراكز الدراسات الاستراتيجية تعجّ بالتوقعات والسيناريوهات لمزيد من التحلل الوطني والتفكيك نحو أقاليم مشتعلة تحقق هدوء وطمأنينة لجهات عالمية أخرى.

وإذا نظرنا إلى أهم المناطق العالمية والتي بها أهم موارد الطاقة والممرات البحرية والثقافات العميقة ومهبط الأديان السماوية؛ وجدنا أنها مهددة بشبح التقسيم والتحلل نحو أجزاء انشطارية تمهد لانفجارات عرقية ودينية وطائفية، مثل العراق وسوريا ولبنان ومصر وليبيا والسودان والصومال واليمن والخليج العربي، ما يعني أن وقوع هذا التقسيم والتشظي منذر بعودة الفوضى المروعة للمنطقة التي تعيش على كم هائل من براميل البارود المدفونة تحتها.

يؤكد ذلك ما كتبه الأستاذ سليم نصار في مقالة تحليلية حول شبح تقسيم الدول العربية بقوله:”في منتصف شهر سبتمبر 2013، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» وثيقة سياسية ادَّعت أنها جمعت معلوماتها من خبراء ومؤرخين ومختصّين في شؤون الشرق الأوسط. وكان من الطبيعي أن تثير تلك الوثيقة اهتمام زعماء المنطقة، خصوصاً أنها تحدثت عن «الربيع العربي» كمدخل لتفكيك الشرق الأوسط إلى دويلات إثنية وطائفية وعشائرية.

وتدّعي «نيويورك تايمز» أن المشرفين على مراكز القرار بالنسبة لهذه المسألة الخطيرة لا يتحدثون عن تقسيم دول المنطقة، بل عن تصحيح خطوط اتفاقية سايكس – بيكو. وهم يعترفون، بطريقة غير مباشرة، أن الحدود السابقة لم تصمد أكثر من مئة سنة أمام السيل الجارف الذي زاده انهيار المنظومة الاشتراكية زخماً واندفاعاً.” [3]

هذا السيناريو لو وقع وأظهرت الأرض والحياة خلافاتها خصوصا الدينية المتطرفة، فإننا أمام حالة تاريخية قد تتكرر أحداثها، قد وقعت بالفعل في أوروبا بعد القرن الخامس عشر واستمرت الحروب الدينية والفوضى السياسية لأكثر من مائة عام.

مفهوم “الأنسنة” بديلا

ولأجل ذلك نحتاج إلى مراجعة مفاهيم غير المتداولة في فضائنا العربي والإسلامي، تعزز مبادئ أصيلة تحمي الإنسانية من مغبة النزوع نحو الفردانية الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية التي تنذر بكوارث لا تحمد عقباها، ولعلي أركز على تأصيل وبلورة مفهوم “الأنسنة” إسلاميا وحقوقيا، كبديل معاصر يحمي الفرد والمجتمع من كارثية الفردانية والتحلل السلبي للمجتمع، فالأنسنة في بدايتها كانت ثورة مضادة للكنيسة، مع أن المسيحية لما دخلت أوروبا في القرن الثالث كانت تمثل الأنسنة في مقابل أوروبا الرومانية الوثنية، ولكن قبول المسيحية بالتعايش والتداخل مع روما الوثنية زاد من حدتها وجبروتها حتى مع حركة الإصلاح اللوثرية والكالفانية في القرن الخامس عشر، فالأنسنة أصبحت تناديا يستقطب دعاة الحرية والكرامة الإنسانية، وليست تياراً فكرياً منظماً ومتكاملاً بالمعنى المعروف، كما كانت أيضا رغبة جامحة في الانقلاب على الموروث الذي كانت الكنيسة قد قررته كمقدس لا يقبل النقاش، بجعل الإنسان كائنا مدنسا بالخطيئة الأصلية، فحركة الأنسنة جاءت لتحرير الإنسان من أي سلطة خارجة عن ذاته، ولتحريره أيضا من التبعية اللاهوتية، فالفرد الإنساني هو الذي يجب أن يضع المعايير والمقاييس التي ينبغي أن يسير عليها في حياته، ويرسم طريقه القيمي والفكري بعيدا عن أي سلطة لا تمثّل إرادته البشرية، ويمكن أن أستعير تعبير غوته الشاعري بقوله عن الأنسنة:”هي النزوع ضمن مجهود لا يكلّ، نحو أعلى مراتب الوجود”[4].

فمصطلح الأنسنة ولد ونشأ في الفكر الغربي نتيجة عوامل كثيرة ذكرتُ بعضها، ولكنه لم ينضج حتى الآن، سواء أكان على المستوى العملي أو الفلسفي؛ بدليل فكرة ميشيل فوكو الأخيرة حول (موت الإنسان) والتي طرحها في أوائل السبعينيات الميلادية، حيث ألغى الكائن الإنساني وجعله خاضعا لمنظومة لغوية أو أسطورية، وتفكيك البنية التي تتأسس عليها مطلقات وحقائق الإنسان، وربما أسهم تغول التقنية وارتداداتها على الحياة أثرا في فكرة (موت الإنسان) لدى فوكو[5].

مفهوم “الأنسنة” بين تراثين:

أما مفهوم الأنسنة في التراث الإسلامي فلم يستعمل لفظه كما حصل لاحقا في أوروبا؛ بل هناك فرق جوهري لابد أن يعلم من تناولنا للأنسنة أو الإنسانوية، فالغرب أراد أن يجعل من الإنسان آلهته التي لم يؤمن بها في مسيحيته، بينما الإسلام كان ينظر للإنسان كقيمة عليا وتكريمه كمقصد أسنى جاء مع الوحي الإلهي وليس متعارضا معه، فالأنسنة في مقصودي من هذا العرض هو “اعتبار إنسانية الفرد وطبيعته واحتياجاته أصلا للبيان والتأويل والتفكير العلمي والتنزيل العملي لقضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع” فمقاصد الدين جاءت لإسعاد الإنسان وتكريمه وليس لتهميشه والتقليل من قدره، يقول الإمام الشاطبي:” أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل”[6] وأثبت رحمه الله أن دليلنا في ذلك هو الاستقراء التام لنصوص الوحي المعلّلة بالمصلحة التي يدركها الإنسان وتعود له بالنفع ويكون بالتالي محورها الثابت ومرجعها في الأحكام.

وهذا يعني أن الأنسنة ليس صداما أو بديلا عن الوحي، ومحاولة اعتبار الإنسانوية مرجعا فكريا وقيميا بديلا عن الوحي المنزّل، قد تكون التفافا على الفطرة المستقيمة نحو أهواء الإنسان الغلّابة، فمع اهتمام الوحي بمرجعية مصالح الإنسان غير أنه حذّر من خضوع الشرع لأهواء الإنسان وملذاته لأن مآلها سيفضي إلى إفساد الإنسان والحياة، كما في قوله تعالى:”يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” (سورة ص: 26) ويقرر الإمام الشاطبي قاعدة كلية في هذا المقام بقوله:”المقصد شرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا”[7].

مظاهر الخطاب الأنسني في التصور الإسلامي:

أما مظاهر الخطاب الأنسني في الإسلام فكثيرة، ولكن يمكن أن نجمل بعضها في أهم سياقين يظهر فيهما الفكر والفعل الأنسني في الإسلام، أحدهما: سياق الفطرة الإنسانية وما جاء فيها من نصوص وتقعيد، ويمكن اعتبار الطاهر بن عاشور أهم المسهمين في بلورة الفطرة كمدخل لأنسنة الإسلام.[8]

والأمر الثاني: نصوص وقواعد التكريم الإلهي للإنسان: وأساسها ماجاء في قوله تعالى:” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ” ( الإسراء: 70) فهذا النص القرآني وغيره من نصوص التكريم والتسخير والاستخلاف والتعمير، كلها توحي بقدر الإنسان العظيم في الإسلام.

ختاما: يظهر لي أن العالم المعاصر يشهد تحولا عميقا في بنيته الاجتماعية ونشاطه الاقتصادي، وأفكاره تناسب وتنسجم مع ذلك التحول، حيث أصبح الإنسان فردا حرا مستقلا بلا قيود أو محددات قبلية، ما يجعل عودة الإنسان إلى إنسانيته، واكتشاف كينونته الحيوية الروحية أمرا ملحّا لتخفيف موجات الفردانية ولتحقيق التوازن الداخلي لإنسان اليوم داخل غابته المادية.


[1](انظر: كتاب بؤس الدهرانية.النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، للدكتور طه عبد الرحمن، طبعة الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2014م ص 11)
[2](انظر: كتاب المفاهيم الأساسيّة في علم الاجتماع.للدكتور خليل أحمد خليل (ط.1). بيروت-لبنان: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع ص 174)
[3](انظر: جريدة الحياة في 12 يوليو 2014م، وللاطلاع على اهتمام مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية بتقسيم المنطقة العربية[3].
[4]( انظر: كتاب قواعد لغة الحضارات ص 387)
[5](انظر: د.عبد الرزاق الداوي. موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر. بيروت: دار الطليعة، 1992م).
[6]( الموافقات، تحقيق عبدالله دراز 2/6، طبعة دار المعرفة).
[7](المرجع السابق 2/168)
[8].( انظر: مقاصد الشريعة 61، طبعة الشركة التونسية للتوزيع)