قراءة في كتاب” ما الثورة الدينية؟” لداريوش شاياغان

أستاذ الحضارة بالجامعة التونسية

31 أغسطس , 2015 كل المناطق


عندما تَختزِل الرؤى الاستشراقية الدينَ في التصوّف:

ما الثورة الدينية؟ عمل فلسفي يهتم بوضعية الحضارات التي يسميّها المؤلف “حضارات تقليدية” ويعني بها تحديدا الحضارات الإسلامية والهندية والصينية مع تركيز واضح على الحضارة الإسلامية. هذه الحضارات تعيش مرحلة انتقالية؛ فلا هي ظلت وفية لمخزونها الروحي الكبير؛ ولا هي استطاعت تمثل قيم الحداثة الغربية التي بدأت منذ انبثاق العصر العلمي التقني في القرن السادس عشر للميلاد، تمثلا سليما. إنها تعيش بين ما لن يعود أبدا وما لم يحدث بعد. إنها في مرحلة تمزّق تجَسّد في ظهور فكر هجين لا هو تقليدي خالص ولا هو حداثي حقيقة، لا هو روحي ولا هو ماديّ. يسمّي المؤلف هذا الفكر “إيديولوجيا” أي وعيا زائفا يكتفي بأنصاف الحقائق ويخلط بين السياقات الثقافية ويجمع بين ما لا يُجمع من المصطلحات والمفاهيم. ويمثل له بـ “الثورة الإيرانية” باعتبارها نموذجا للثورات المسماة دينية.

   وبالفعل فقد صدر الكتاب في طبعته الأولى بعد انتصار الثورة الإيرانية بسنتين. وهي الثورة التي قادها رجال الدين بزعامة آية الله الخميني. وإذا كانت هذه الثورة مفاجئة لكثير من الدوائر السياسية والاستخباراتية الغربية من حيث توقيتها ونتائجها، فإن المفاجأة الأكبر بالنسبة إلى المؤلف أتت من جهة زعاماتها ومضمون شعاراتها وبرنامجها، فهي ثورة دينية في زمن اطمأن فيه أهل الفكر إلى أنّ ” زمن الدين باعتباره نظاما اجتماعيا وسياسيا قد أفل”. ولذلك فإنّ الحديث عن “ثورة دينية” هو حديث بلا موضوع sans objet فــ “هذان المصطلحان ( الدين من جهة والثورة من جهة أخرى) وهذان العالمان (عالم الشرق وعالم الغرب)،، ليست بينهما أية وشائج أنطولوجية[1]، إنهما يتحركان في مدارات مختلفة، وليس لهما نقاط الارتكاز نفسها ولا المحور المركزي نفسه الذي تنتظم حوله الأفكار المرتبطة بهما، إذ تحيل نقاط الارتكاز هذه على مضامين مختلفة ومتناقضة. فعندما نقارن بينهما يتبيّن لنا أن عالم أحدِهما هو مغامرة العقل عبر الزمن الذي ينعم بأولوية أنطولوجية يترقى التاريخ معها إلى مستوى أقنوم وتصبح فيه الثورة النتيجة المباشرة لسلبية العقل، في حين أنّ العالم الآخر، أي الإسلام، يبقى خارج قلق التاريخ ويكشف عن قيم أزلية غير متموضعة لا في الجغرافيا ولا في التاريخ. وبعبارة أ

خرى، إنّ الأحداث التي تتواتر عليه لا تستمد مشروعيتها من ضرورة تاريخية ولكن من حوادث سبق أن وقعت – بمعنى ما – في ما وراء التاريخ. إن التوافق بين الزمان والمكان يكتسب ضمن عالم الإسلام محتوى آخر محملا بمعنى باطني، وذلك لأن الأحداث التي تحدده لم تحصل في هذه الفترة التاريخية أو تلك، كما هو الشأن مثلا بالنسبة إلى ثورة 1789م، ولكن في زمان ومكان رؤيويين (من الرؤيا) حدثا في الأزل ( = الزمان في هذه الحضارات دائريّ بمقتضى حركتيْ النزول والصعود: فالله ينزل إلى الوجود يبث فيه حقائقه والإنسان (المتصوّف) يصعد نحو الإله باحثا عن المعرفة وعن الاتحاد، فكل أحداث الوجود تتم ضمن هذا القوس أي في عالم الروح اللطيف). لقد ظهر المَلَك جبريل للرسول في عالم الروح وأوحى له بالقرآن بطريقة خارقة للعادة.، ولذلك فإنّ اختلاف الإسلام عن الثورة ليس مجرد اختلاف في الآراء والمناهج، وإنما هو اختلاف جوهري. إنه اختلاف كوكبتين ثقافيتين متعارضتين.

   والحقيقة أنّ هذا التعارض بين الحضارات التقليدية والحداثة الغربية لم يكن شأنا خاصا بهذا الكتاب بل نجده مبثوثا في كلّ مؤلفات شاياغان ( مفكر إيراني ولد سنة 1935) . فقد انطلقت مسيرته هذه منذ أن أنجز أواخر الستينيات أطروحته عن ” الهندوسية والصوفية ” Hindouisme et Soufisme التي انتهى فيها إلى وجود تجانس بنيوي بين الحضارتين الإسلامية والهندية، ليقرر المقارنة بين هاتين الحضارتين من جهة والغرب الحداثي من جهة ثانية في كتابه “النظرة المشوّهة” Le Regard Mutilé ثم جاء كتاب ” م

ا الثورة الدينية؟”[2] مستخلصا النتائج الفلسفية لهذه المقارنة.

يحتوى الكتاب على مقدمة وستة أبواب. الأبواب الثلاثة الأولى هي ” مجرد” استطراد ذكّر فيه المؤلف بكيفية انهيار” البنى الكبرى للفكر التقليدي” (الإسلامي والهندي والصيني) أمام الحداثة الغربية منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. أما البابان الرابع والخامس فقد خصصهما لبيان “الوضعية الراهنة للحضارات التقليدية”. وأخيرا حدد المؤلف في الباب السادس الكيفية التي تمكن هذه الحضارات من الخروج من ” مأزقها التاريخي”.

 

لنبدأ بعرض محتوى الكتاب:
توجه روحي واحد

في أغلب الدراسات المهتمة بحوار الحضارات أو صراعها تختزل الأنا الحضارية في العرب والمسلمين إلا أنّ شاياغان يوسّع من هذه الأنا الحضارية لتشمل الحضارتين الهندية والصينية وذلك إيمانا منه بوجود ما يسمّيه ” التجانس البنيوي في التجربة الميتافيزيقية ” لهذه الحضارات. وقد أبان عن هذا التجانس اعتمادا على منهج مقارن يرتكز على ما يعرف في مجال الفلسفة المقارنة ” بالمماثلات التناسبية”.les analogies de rapport وهي طريقة لا تعتمد على إثبات تماثل أو تغاير مفهومين وإنما على البحث على تماثل وظائفهما بالنظر إلى نقاط ارتكازهما. مثال ذلك المقارنة بين مايا Mâya(الوهم الكوني) في الهند والحب المتجلّي في الإسلام، فوجه التشابه بينهما يتمثل في أنّ لكلّ منهما وظيفتين: فمايا هي في الوقت نفسه خيال خلاّق ( أو توهمي) وقوّة خادعة تحجب عنّا الواقع المطلق الحقيقي. أمّا وظيفتا الحب المتجلّي في الإسلام فهما :الخيّال الخلاّق – بما أنّ الله قد تخيّل العالم حتّى ينفّس عن كرب الوحدة المطلقة – والحجاب بين الله ومخلوقاته. إنّ الوهم الكوني في الهند، والحب المتجلّي في الإسلام، لم يكن من الممكن أن يكونا متماثلين لو لم يحدّد كلّ من الإسلام والهندوسية، وبالطريقة نفسها، كيفيّة التحوّل من الواحد إلى الكثرة، ولو لم يقرّا، بالكيفية نفسها كذلك، استحالة اختزال الكثرة إلى الواحد. فلكي يستطيع التجرّد من بساطته المتجانسة والمستقلة، ولكي يستطيع اجتياز الفجوة التي تقابل المطلق بالنسبي، لا بدّ له من وسيط (مايا – الحب) يسوّغ المراحل المتتالية للتنزّلات الأنطولوجية من دون المساس بثبات المبدأ غير المتميّز أو الإضرار به.

هذا التجانس البنيوي في التجربة الميتافيزيقية لهذه الحضارات ينكشف انطلاقا من تجانس البنى الكبرى لهذه الحضارات المتمثلة في ذلك “المركز اللامرئي للوجود” (الإله باعتباره المركز الخلاق الذي شكّل منذ البداية بنية جامعة تشدّ كلّ الموجودات إلى مدارها الخاص) وفي تجربة النزول والصعود: نزول الواحد إلى الكثرة وصعود الكثرة باتجاه الواحد: رحلة الإله باتجاه الكون ورحلة الإنسان باتجاه الإله (يعتمد الصوفية في هذا الإطار على الحديث القدسي الشهير ” كنت كنزا مخفيا لم أُعرف، فخلقت الخلق فبي عرفوني” . وعلى هذا الأساس فلكي يعرف الإنسان ربه عليه أن يرتقي في الأحوال والمقامات من عالم المادة الكثيف باتجاه عالم الروح اللطيف فكلّما تخلص من كثافة المادة، عن طريق الرياضات الروحية، قرُب من الحلول في الذات الإلهية) مع ما يترتب عن ذلك من وجود عوالم متراتبة: عالم الروح – عالم الخيال – عالم الظواهر الحسية (على عكس جمهور المسلمين يؤمن الصوفية بوجود ثلاثة عوالم لا اثنين إذ يضيفون عالم الخيال أو عالم المثال أو البرزخ وهو عالم وسيط بين العدم والوجود، ويسمّى أيضا عالم الأعيان الثابتة بحيث إنّ عملية الخلق ليست من عدم وإنما ما بين العدم والوجود هناك عالم المثال Archétype . ويستندون في ذلك إلى الحديث الشهير ” إنّ الله قد خلق آدم على صورته”، فهناك صورة آدم التي سبقت آدم نفسه) وفي بنية الكون الثلاثية ( تطابق العوالم الثلاثة سابقة الذكر مع الثلاثي : جسم، نفس، روح) وفي تماثل العالم الكبير والعالم الصغير (الإنسان في عالم التصوّف عالم صغيرMicrocosme أي هو يختزل بداخله كلّ حقائق العالم الكبير Macrocosme المتفرقة، فعلى سبيل المثال إذا كان الوفاء والمكر والجبن حقائق متفرقة في الكون يمثلها على التوالي الكلب والثعلب والأرنب فهي مجتمعة في الإنسان.

تهدّم البنى الكبرى للفكر التقليدي

لقد أحدث انبثاق العصر العلمي التقني في القرن السادس عشر الميلادي تغييرا مذهلا في وعي الإنسان بذاته وبمركزه في العالم ومهّد لحدوث ثاني تحوّل ثقافي عرفته البشرية ( التحوّل الأول حصل ما بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد). عبّر فرويد عن هذا التغيير المذهل بما سمّاه ” الصدمات الثلاث”، الكوسمولوجية والبيولوجية والسيكولوجية.

لم تعد الأرض مع كوبرنيكCopernic مركز الكون وبالتالي لم يعد للإنسان موضع مركزي وثابت في العالم كما كان يعتقد سابقا، لأنّ العالم لم يعد هو نفسه شيئا ثابتا، بل هو صيرورة تاريخية – روحية في سياق فلسفة هيغل، وطبيعية بيولوجية مع داروين وسبنسر، واجتماعية – اقتصادية مع ماركس. وعوضا عن أن ينفتح أفق الإنسان عموديا على الدوائر السماوية وعلى ” العُلويات” من حيث تنزل الرسالات الإلهية، فإنّه يصطدم في الوقت الحاضر بالمستوى الأفقي لصيرورة خطّية. ولئن طردت الثورة الكوبرنيكية الإنسان من بيته وملاذه، فقد كان للصدمة البيولوجية نتائج أكثر أذى. فعلى الرغم من أنّ الإنسان وصل في تطوّره إلى وضعية مهيمنة إزاء مواليد الطبيعة الأخرى، إلاّ أنه انتهى به الأمر، لعدم رضاه بهذه السيادة، إلى حفر هوّة بين طبيعته وطبيعتها وأدرك أنّ شجرة نسبه لم تعد ترجع إلى الأنبياء وآلهة الأزمنة الأولى، ولكنه ينحدر من القردة التي تشبهه. كما أدرك أنّ أساس العالم لم يعد ذلك النور الطبيعي للعقل، ولكنه طبيعة عمياء تعمل بانتقاء الأصلح. ولم يتفطن الإنسان مع “الصدمة السيكولوجية” إلى أنّ ذاته لم تعد سيّدة حماها الخاص وحسب، بل أيقن أيضا أنه متربع فوق بحور من القوى اللاواعية واللاعقلية. وما اعتاد على تسميته التاريخ، ليس إلا المسرح المأساوي الذي تتجابه فيه الغرائز المتناقضة. أمّا تلك الحضارة التي كان فخورا بها إلى أقصى حدّ، فليست سوى صرح هش مبني على مبدأ العزوف عن الدوافع الغريزية.

هذا التغيير المذهل حطّم في الآن نفسه البنى الكبرى للحضارات التي لم تشارك في صنع هذا التحوّل ولم يشملها: أي الحضارات غير الغربية. فاضمحلت تبعا لذلك الغائية وانهارت التراتبية الأنطولوجية إذ تمّ التخلي عن الروحي le spirituel في تفسير الطبيعة وأضحى بذلك العالم المفرغ من جوهره السحري مجرّد امتداد هندسي ذي قوانين رياضية.

مأزق الحداثة: العدمية

   مرت أكثر من خمسة قرون من الحداثة الغربية التي لولاها ما كنا نصل أبدا إلى المفهوم الدنيوي للديمقراطية ولما كانت لنا علوم طبيعية ولا عرفنا طبيعة الإنسان العضوية والنفسية. ولكن كل ذلك تم على حساب ثراء عالم الروح وعلى حساب القيم الروحية. تجسّد ذلك في ميلاد العدمية le nihilisme بشقها الغربي الذي تمثله فلسفة نيتشهNietzche ، والشرقي الذي تمثله فلسفة الأديب السوفيتي الشهير دستيوفسكيDostoïevski .

   إنّ الطريقة التي تكشّف بها الله في الميتافيزيقا الحديثة، أي بالنسبة إلى العقل وحده لا بالنسبة إلى الإيمان، تحمل في ذاتها بذور العدمية. فالعدمية إذن هي هذا الانفصام بين الإيمان والمعرفة الذي وجد تعبيره الأشدّ والأرقى في ” إرادة القوة ” لدى نيتشه. كتب نيتشه يقول : ” كنا نبحث قديما عن مقاصد العناية الإلهية في التاريخ، ثمّ بحثنا بعد ذلك عن غائية لاواعية، مثلا في تطوّر بعض الأفكار في تاريخ شعب ما. وبدأنا نفهم، اليوم فقط، بفضل إمعان النظر في التاريخ الحيواني، تاريخَ البشرية على حقيقته. وأوّل ما ينبغي أن نستنتجه من ذلك أنّه لم تكن هناك قطّ خطة إلهية لفائدة الإنسان، ولا لفائدة شعب ما. وبصفة إجمالية، كانت للصدف الأكثر فظاظة الكلمة الأخيرة، ومازالت لها إلى الآن الكلمة الأخيرة. وثاني ما ينبغي استنتاجه هو أنه لا شيء يسمح لنا بأن نفترض وجود عالم آخر أو وجود شيء في ذاته ذي نصاب إلهي، ويتمثل في الأخلاق المتجسدة… وإذا كان كلّ شيء في ذاته مفرغا من المعنى، ولن توجد مستقبلا أخلاق متجسّدة في عالم آخر مفارق لعالم الصيرورة الحسّي، فينتج عن ذلك أنّ العالم المفارق ذاته فاقد للمعنى، وكلّ القيم التي أسست عليها حقيقة الدين والفلسفة متقادمة بالضرورة. ويرتبط غياب كلّ معنى نتيجة لذلك بموت الله، ولا سيّما أنّ تاريخ الفلسفة لا يمكنه أن يكون تاريخ الحقيقة، بل تاريخ صرح عضوي من الأخطاء تلتحم بالجسد والروح، وتنتهي إلى أن تتحكم بالمشاعر والغرائز”.

كل اعتقاد وكل رأي خاطئان لأنه لا يوجد عالم حقيقي ، ولا يوجد في الحقيقة سوى ظاهر ذي نزعة منظورية أصله موجود فينا. وهو تمثّل كاذب لأنّه، باعتباره وجهة نظر وربما وسيلة في خدمة الحياة، أصبح مقياسا لقيمة الحياة. إنّ الوجود مجرّد من كلّ قيمة وبالتالي فإنّ القيم لا توجد إلا بفعل إرادة القوّة…ذلك يعني في النهاية القبول بحيوانية الإنسان وتمهيد الطريق لقلب كلّ القيم بالإعلان عن قيام الإنسان الأعلى، هذا الإنسان، السيّد المطلق القادر على ممارسة إرادة قوّته.

لكن إذا كانت العدمية هي نفي الإيمان أفلا يكون محكوما عليها هي نفسها بأن تفضي إلى إيمان أي إلى الإيمان بغياب كل إيمان؟ ذلك ما عبّر عنه أحد أبطال رواية ” الأبالسة”Les Possédés لدستيوفسكي التي تنبأ فيها بمصير الأرثوذوكسية المسيحية وبخطر الدولة الشمولية محللا شخصية ستافروغين Stavroguine، بطل الرواية، بالقول : “عندما يعتقد فإنه لا يعتقد أنه يعتقد، وعندما لا يعتقد فإنه لا يعتقد أنه لا يعتقد”. إنها عبثية مرحلة “البين بين” التي هي نتيجة نفييْن اثنين، نفي النظام الجماعي ونفي النظام الفردي. فإذا كانت العدمية سعت في منعطف القرن العشرين إلى تحرير الإنسان من كلّ نظام جماعي وقمعي وإلى إطلاق سبيل الإنسانية إلى أبعد مدى وإثبات فردية الفرد إثباتا لا حدّ له، فإنّ الجيل الذي أعقب الحرب العالمية الأولى قد عاش، في المقابل تجربة اللاوجود وغياب كل قيمة للفرد. ولهذا السبب سعى هذا الجيل إلى الاندماج في مجموعات شاملة من شأنها أن تعطي معنى للحياة مثل الدولة أو الشعب أو العرق أو الطبقة الثورية. ولكنه عاش تجربة المرارة والخيبة الناتجتين عن انهيار الأنظمة الجماعية، فليست الدولة أو الأمة أو الطبقة سوى علب فارغة لحياة منهكة حتى العظم.

المصير التاريخي للحضارات التقليدية

في سياق التأريخ للحداثة الغربية منذ أن هدمت البنى الكبرى للفكر التقليدي وأفضت بها مسيرتها إلى “العدمية” تساءل المؤلف عن وضع الحضارات التقليدية اليوم وأساسا الحضارة الإسلامية؟ إنها في مرحلة ما لم يحدث بعد وما لن يعود أبدا: إنها تنساق، من ناحية،وراء حركة تاريخ ذي اتجاه واحد لم تشارك في صنعه، ومن ناحية أخرى تبقى محرومة من الوعي الذي يحمله هذا التاريخ بداخله…فلا هي واعية بالتحولات الغربية الأخيرة ولا هي واعية إزاء كنوزها الروحية العظيمة. تجسدت هذه الوضعية “الحرجة” في ما سمّاه المؤلف على التوالي بـ “فكر بلا موضوع” une pensée sans objet و” فن بلا محلّ”.un art sans lieu

   الفكر في ظل المجتمعات التقليدية هو فعل استذكار بامتياز، إنه يعني وصل الأـسئلة بالأجوبة المعدة سلفا. وكلّ فكر يحدد سلفا بالحلول المطروحة من قبل الحكماء القدامى والشيوخ الكبار. ولهذا فإنّ تراكم المعرفة يكمن في حفظ الأشياء عن ظهر قلب. إن الفكر في هذه الحضارات ليس في النهاية سوى تفعيل لما هو كامن في عمق الذاكرة الجماعية. أمّا الفكر الغربي الحديث فمنذ أن حاد عن المجرى الطبيعي للذاكرة الجماعية فقد أصبح متمردا وانفجاريا شبيها بالماء المحوّل عن النهر إذ يبحث دوما عن مجار جديدة. إنه فكر ثري ومتميّز ومتجدد وجريء لا يعرف الكلل، الحركة والتغيير والتطوّر قوانينه شبه الطبيعية.

   إننا، مع الأسف، لا نملك في الوقت الراهن لا فكرا استذكاريا ولا قدرة على العودة إلى عمق الذاكرة الجماعية، ولا حرية أو عزما للتمرد والجرأة. لقد ابتعدنا عن الأول ولسنا مهيئين للثاني. إننا ننتج فكرا بلا موضوع نطابق فيه بين ما لا يتطابق، فنطابق بين الإسلام والديمقراطية وبين الوضوء والوقاية الصحية وبين الصلاة والرياضة، ونجمع فيه بين ما لا يُجمع كالجمع بين الإسلام والماركسية الذي ظهر بموجبه أولئك الأخلاط الذين يسمّون أنفسهم ” الماركسيون الإسلاميون” (يشير المؤلف هنا إلى بعض الجماعات السياسية الإيرانية التي حاولت الجمع بين الماركسية والإسلام) ذلك أن الفلسفة الماركسية باعتبارها فلسفة حديثة لها تصوّر للوجود وللتاريخ لا يلتقي أبدا مع التصوّرات الدينية.

وبالمثل فإنّ ما ننتجه من فنّ لم يحفظ ذاكرة بنى فكرنا التقليدي ولا هو خضع لنفس مسيرة التفكك (فوضى الفن) التي عرفها الفن المعاصر. المثال الصارخ لهذا الفن بلا محل هو مجال الهندسة المعمارية، فتلك التي تظهر في مجتمعاتنا الإسلامية ليست غربية ولا شرقية. إنها تدنيس للفن الحديث وللفضاء العضوي للعقل التقليدي في الآن نفسه. فالمنازل الإسلامية الحديثة بعيدة كل البعد عن المنازل التقليدية حيث كان المسلم يحرص على فصل الفضاء الخارجي عن الفضاء الداخلي حيث الأسرار والحياء والحرمة. لقد أضحت مبنية بطريقة أصبح معها الفضاء الداخلي بمثابة استطالة مشوهة للفضاء الخارجي.

أفيون الأدلجة أو : الثورة الدينية المستحيلة

     إذا كان الأمر كذلك فبأي معنى يتحدث البعض عن ثورة دينية بل ويفخر بها؟ خصوصا وأن المفهومين متعارضين تعارضا أنطولوجيا بيّنا. ففكرة الثورة تجعلنا نستحضر أفكارا جمة فنتذكر الثورة الفرنسية وعصر الأنوار الذي مهّد لها الطريق، ونتذكر الموسوعيين les Encyclopédistes، وإعلان حقوق الإنسان، ومن ثمة نتذكر – والعبارة لهيغل – نابليون بونابارت، روح العالم، ممتطيا حصانا أبيض، ونتذكر الضرورة التاريخية التي لا أحد بإمكانه أن يتجاهلها ولا شيء يوقفها، وأخيرا نتذكر ماركس وصراع الطبقات والمصير الأخروي للبروليتاريا. وفلسفيا نتذكر قوّة السلبي فتظهر أمامنا بشكل جليّ البنية الجدلية للعقل الذي يتجاوز نفسه باستمرار بتحوله من سلبية إلى سلبية وصولا- من طريق تراكيب عليا- إلى حرية الذات واستقلالية العقل ووعي الإنسان بنفسه. في مقابل ذلك توحي كلمة إسلام بالتسليم بالإرادة الإلهية وبذلك تذكرنا بالقرآن، وبظاهرة الكتاب المقدّس، وبالوحي وبالروح النبوية…فنستحضر في أذهاننا دورة النبوة منذ آدم، أول إنسان خلق على صورة الله إلى محمد خاتم الأنبياء. إنها دورة تامة تمثل التجلي الكامل للحقيقة المحمدية – الكلمة – التي لا   يمثل الأنبياء السابقون سوى تجلّ جزئي لها. إن الإنسان أورث منذ الأزل، بحكم هذه الدورة، حدثًا ما فوق تاريخيّ ، عهدا مع الله، أمانة بعث الأنبياء لتجديد حملها من عصر إلى آخر، وصولا إلى محمد الذي ختم دورة النبوة نهائيا. وأخيرا – وفي السياق الشيعي – نتذكر، إضافة إلى ذلك، دورة الولاية التي تبدأ حالما تنتهي دورة النبوة. وفي دورة الولاية تحتجب الروح المحمدية في إمام بعد آخر، وتنتهي مع الغيبة الكبرى إلى التجسد في شخص الإمام الثاني عشر الذي ستختم رجعته يوما ما دورة وجودنا وتقيم العدل الإلهي على الأرض.

   ولكن ماذا يحصل عندما لا يكتفي الفكر الغربي بمجاله الجغرافي الأصلي، أي بأوروبا التي شهدت ولادته على حساب عالم العصر الوسيط العضوي، كما شهدت انتشاره في كل مكان غازيا القارات الواحدة تلو الأخرى، حتى غدا فكرا كونيا ماثلا في حياتنا الخاصة كما في حياتنا العامة؟ إن ما يحصل إذن هو بداية عصر تصادم الكواكب الثقافية، فيهجر المَلَك جبريل أرض الرؤى لينحدر إلى الزمن التاريخي مدافعا عن حقوق المستضعفين ومواجها المستكبرين إلى درجة يبدو فيها هذه الأيام مهتما بصراع الطبقات، أكثر منه راغبا في إكمال مهمة تبليغ الوحي. ثورة إسلامية ( أو هندوسية أو بوذية …) أي المفردتين أكثر حيوية وأكثر دلالة؟ الثورة أم الإسلام؟ أهو الدين الذي يغيّر الثورة ويطهّرها ويعيد تقديسها؟ أم هي الثورة التي تضفي – بالعكس – على الدين صبغة تاريخية وتجعل منه دينا ملتزما، أي باختصار إيديولوجيا سياسية؟ من البديهي، بكل أسف، أن الكوكبة الثقافية المهيمنة هي التي تربح المعركة. فهي التي تنزع الكوكبة الأخرى من مدارها وتدمجها رغما عنها في إطارها الخاص وتفرض عليها قوانينها. لذلك ليست الثورة هي التي تتأسلم فتصبح مصيرا وقيامة وربما تجلّيا رؤيويا للعالم كذاك الذي كان يتبدّى للحكماء والصوفيين، ولكن الإسلام هو الذي يتأدلج ويلج التاريخ ليقاتل الكفرة، أي الإيديولوجيات المنافسة، وهي في معظمها إيديولوجيات يسارية تفوقه عُدّة نَظَريةً، وفي كل الحالات هي أكثر منه توافقا مع روح العصر. وبهذه الكيفية يسقط الدين في أحبولة مكر العقل فيتغرّب وفي نيته مواجهة الغرب، ويتعلمن وفي عزمه روحنة العالم، ويتورّط في التاريخ كلّية وفي مشروعه إنكار التاريخ وجحده .

   هذه الظاهرة يسميها شاياغان ” أدلجة المأثور الديني ” إذ لا يمكن الحديث عن ” ثورة دينية “، في رأيه، إلا بإفراغ الدين من معناه أي من روحانيته ليصبح نظاما اجتماعيا وسياسيا مثله مثل أية إيديولوجية بشرية. ويمثل لهذه الأدلجة بفكر علي شريعتي الذي يعتبره نموذجيا في هذا الإطار.

   يرغب شريعتي، انطلاقا من مجمل كتاباته أن يجعل من الإسلام عموما والتشيّع تحديدا ” فلسفة للتاريخ” على النمط الماركسي إذ يعتبر الصراع بين قابيل وهابيل باعتباره صراعا بين نمطين إنتاجيين ، زراعي ورعوي، هو بداية التاريخ الذي سيكون “مسرح الصراعات بين الفئة القابيلية القاتلة والفئة الهابيلية المقتولة، أي هو مسرح الحرب بين الظالم والمظلوم … وبين الشرك والتوحيد”. ومن هذا المنطلق فإنّ تاريخ الإسلام هو تاريخ الصراع بين الظالمين القتلة (أهل السنّة) والمظلومين (الشيعة). ذلك يعني في المحصلة أنّ “الشهادة” هي محرّك التاريخ مثلما أنّ الصراع الطبقي هو محرّك التاريخ لدى الماركسيين.

   هذا الفكر يعتبره شاياغان فكرا إيديولوجيا بامتياز ففيه تنبيل للذات (النظام الهابيلي) وشيطنة للآخر (النظام القابيلي)، وفيه خلط بين السياقات الثقافية (خلط بين التاريخ والأسطورة : خلق آدم وقصة قابيل وهابيل ليست سوى أسطورة حدثت وقائعها في الأزمنة الأولى أي في ما وراء التاريخ )، وفيه أفكار ماركسية مسطحة ومشوهة عن صراع الطبقات.

الرحلة المتبادلة

ولكن هل قضي علينا أن نعيش هذا الوضع إلى الأبد؟ هل قضي علينا بأن نعيش هذا التمزق بين ما لن يعود أبدا وما لم يأت بعد؟

بالتأكيد لا. فهناك مخرج أجمله المؤلف في نقطتين، أولهما فصل السياقين الثقافيين، الغربي والشرقي، عن بعضهما لأنهما سياقان ينتميان إلى رؤيتين مختلفتين وإلى طريقتيْ حضور في العالم متوازيتين، وذلك بأن نعي بأنّ لكل حضارة فكرها وقوانينها ومفاهيمها المترابطة ضمن سياق ثقافي موحد ومترابط وبالتالي لا يمكن لهذا السياق أن يستوعب مفاهيم غير متجانسة مع تجربته التاريخية والوجودية فعندما نعتبر الصلاة رياضة فنحن نجمع بين مفهومين غير متجانسين، مفهوم معلمن وآخر مقدس فتكون النتيجة مفهوما ثالثا هجينا، لا هو معلمن ولا هو مقدّس، بل الأخطر من ذلك أن يتم بموجب هذه الفعلة تخفيض مفهوم مقدس إلى مستوى دنيوي مدنّس.

وثانيهما، وارتباطا بالأولى، القيام برحلة متبادلة يتم فيها اعتراف الغرب بروحانية الشرق التي هي، بمعنى ما، باطنية الغرب كما يتم فيها سعي الشرقيين إلى استيعاب مغامرة الوجود التي عاشها الغرب منذ فجر الفكر اليوناني.

لقد أنجز الغربيون هذه المهمة في شخص المستشرق الكبير هنري كوربان Henry Corbin، الذي أوقف كلّ حياته العلمية على البحث عن كنوز الشرق الروحية ممثلة في التصوّف الغنوصي الإيراني تصوف ابن عربي والسهروردي وغيرهما راسما بذلك خطّ سير من هيدغر Heidegger ( الحضارة الغربية) إلى السهروردي ( الحضارة الإسلامية )، أمّا الشرقيون فيبدو أنهم عاجزون حتى الآن عن القيام برد الرحلة في الاتجاه المعاكس أي من السهروردي باتجاه هيدغر لأن ذلك يتطلب ولوجا إلى روح الغرب الذي يتطلب بدوره استيعاب مغامرة الوجود الغربي من أفلاطون وأرسطو (براديغم الطبيعة والعقل) إلى عصر التقنية مرورا بالعصور الوسطى (براديغم الوجود) والعصور الحديثة (براديغم الذات والموضوع). ولتجاوز هذا العجز على الشرقيين أن “ينزلوا إلى الجحيم” حتّى يتحمّلوا مسوخات التاريخ ويعيشوا أهوال موت الإله.

هذه فكرة كتاب “ما الثورة الدينية؟” فإلى أي مدى كانت موفّقة؟

رؤى خاطئة

   هذه الرؤية للـ” الثورة الدينية” نراها اختزالية لأنها تختزل الدين في التصوّف ونراها كذلك وضعانية لأنها تزعم أن لا مكان للدين في زماننا، زمن العلم، ونراها استشراقية من جهة قسمة المؤلف العالم إلى شرق روحاني وغرب مادي وأخيرا نراها إيديولوجية من جهة غلبة الخلفية السياسية على صاحبها رغم ما يوحي به الكتاب من نزعة علمية أكاديمية.

1-اختزالية: للاختزالية معنيان، إبستيمولوجي وأنطولوجي. فأمّا الإبستيمولوجي فلا يعنينا في هذا المقام، وأمّا الأنطولوجي فهو اختزال التنوع والكثرة والمركبات إلى عامل واحد على غرار حديث غرامشي عن “الاقتصادوية” في معرض نقده للفكر الماركسي الأورثوذوكسي.أي اختزال كل العوامل إلى عامل واحد هو الاقتصاد.

   إن حرص المؤلف على “هذا التجمع الروحي الواحد” هو الذي دفعه إلى اختزال الدين في التصوف نظرا إلى تجانس التجارب الصوفية الإسلامية والهندية والصينية التي قامت في ما قامت عليه، على تجاوز اختلافات الأديان التي يمثلها الفقه والكلام. فهو تجانس جزئي وليس كليا. ثمّ إنّ اختزال الإسلام في التصوف جرّ المؤلف جرّا إلى اختزال صورة الإله لدى المسلمين في الإله الذي يحل في موجوداته (نظرية وحدة الوجود). في حين أنّ هناك تصورا آخر للإله يمثله الفقهاء والمتكلمون (الإله المتعالي الذي ليس كمثله شيء) وهو التصور الذي عليه جمهور المسلمين. من ناحية أخرى اختزل المؤلف الثورة الدينية في الثورة الإيرانية رغم خصوصيتها الشيعية (دور الذاكرة الكربلائية وولاية الفقيه) كما اختزل الفكر السياسي الإسلامي في فكر “علي شريعتي” رغم خصوصيته المذهبية وظرفيته التاريخية.

2-استشراقية:اختزال الإسلام في التصوّف ليس فقط نهجا اختزاليا يفقر الإسلام بل هو يصب كذلك في “مشكاة” الاستشراق. يقول في المقدمة : “فالدين يستطيع، بوصفه حاوي كنوز الإنسانية الروحية، المساهمة في الثورة الروحية والفردية للإنسان، ويقدر حتى على إلهام حركات سياسية كما كان الشأن في أحيمسا Ahimsa غاندي ولكنه لا يستطيع تكوين نظرة جماعية إلى العالم لأنّ الشكل المهيمن في عصرنا يبقى شكلا فكريا مؤدلجا. والمقصود بالكنوز الروحية الرؤية الصوفية لله وللوجود والمعرفة، وإننا نجدها واضحة في جملة المصطلحات المستعملة في تعريف الإسلام: دورة النبوّة – التجلّي – الحقيقة المحمدية – دورة الولاية – الإمام – الغيبة الكبرى – الرجعة …

   إنّ هذه الرؤية ليست في النهاية سوى استعادة لمقالة لوي ماسينيون Louis Massignon في الإسلام الذي كان يقول على الدوام بأنّ أعظم أبطال الإسلام ليس محمدا (صلّى الله عليه وسلّم) أو ابن رشد وإنما الحلاج. وليست سوى صدى لأعمال هنري كوربانHenry Corbin حول روحانيات الإسلام.

   الرؤية الاستشراقية ليست مجرد تقسيم جغرافي للعالم بين شرق روحاني وغرب مادي بل هي مبنية بالأساس على إثبات تفوق الغرب بمقتضى طبيعة الاستشراق. إذ يتم التمييز الوجودي والمعرفي بين شرق بدائي مليء بالأسرار وغرب عقلاني متقدم ومتطوّر. ولإثبات ذلك يسلك الاستشراق منهج التعميم فيتم الانطلاق من التفاصيل الدقيقة الخاصة بالإنسان إلى التعميمات التي تتجاوز الإنسان الفرد لتشمل حضارة بكاملها وهكذا، وعلى سبيل المثال، ينطلق المستشرقون من التصوّر الصوفي للزمن لنزع كلّ صبغة تاريخية عن الإسلام. وهو ما فعله شاياغان عندما أكّد، طول الكتاب وعرضه، على أن رؤية الإسلام للزمان روية دائرية في حين أن روية الغرب االحداثي هي رؤية خطية تاريخانية.

   وتبلغ هذه الرؤية الاستشراقية منتهاها لدى شاياغان عندما سعى جاهدا إلى إثبات سلطة الغرب المعرفية على الشرق فتحدث بإسهاب وإعجاب بالجهود الغربية المبذولة في سبيل الكشف عن الكنوز الروحية للشرق. وقد تجسدت هذه الجهود في أعمال هنري كوربان الذي ” كرّس أكثر من أربعين سنة من حياته للبحث في المكتبات المغبرّة لتحقيق المخطوطات ولإعادة بناء هذا الفكر الثري بمهارة الصائغ وعنايته. ولولا مجهوداته لظل هذا الفكر منحصرا في يد نخبة لن تعمّر طويلا. ولكن هنري كوربان توصّل بخيال الرائي وبدقة البحاثة إلى أن يعيد بناء هذا المأثور الديني الضارب في القدم، وإلى أن يعيد تفعيله في الزمن وربطه بمنابعه”. ثم يحوصل قائلا :” ولكن ما فعله كوربان هو حج في اتجاه واحد.”

3-وضعانية: كتب شاياغان في مقدمة كتابه :” ولكننا نشهد منذ وقت قصير ظاهرة جديدة تبدو وكأنها تكذّب توقعات التاريخانية، هي الانفجار المفاجئ للإنسان المتدين … ” ثم أضاف معلقا : “إنّ التراجع إلى المستويات العتيقة للفكر ليس ظاهرة جديدة، فقد عوّدتنا الحركات القومية الاشتراكية والفاشية، التي ظهرت ما بين الحربين في ألمانيا وإيطاليا على مثل هذه الآلية. على أن هذه الحركات لم تكن دينية بأتم معنى الكلمة. ثم يضيف في موضع آخر من المقدمة : ” لقد أفل زمن الدين باعتباره نظاما اجتماعيا وسياسيا …» ويقول في موضع ثالث :” حساسية إنسان اليوم لا تطيق ” البنيان الانفعالي” الذي تنطوي عليه الأشكال العتيقة للدين” . إنه تقييم ينطق عن رؤية وضعية أورتودوكسية تجزم بأنّ زمن الدين قد ولّى وتعتبر هذه العودة للإنسان المتديّن ظاهرة مرضية وتقهقرا .وهو بذلك ” يلوك” إشكالية لم يحسمها الغرب نفسه بعد مرور أكثر من قرن ونصف من وفاة رائد الوضعية ” أوغست كونت”.

4-إيديولوجية. هل من العلم في شيء أن يسارع المؤلف إلى مهاجمة الثورة الإيرانية وهي مازالت غضة طريّة؟ وهل من العلم تقييم الثورات تقييما علميا بعد سنتين فقط من قيامها؟ وهل هناك كتابات استشراقية موضوعية حقا؟

   لقد طرح الموضوع إدوارد سعيد عندما تحدث عن ثنائية المعرفة البحتة والمعرفة السياسية مبيّنا أن وجود أعمال أكاديمية محايدة تعلو على مستوى المعتقدات والمذاهب الحزبية لا يعفينا من البحث عن الظروف السياسية التي أنتجت فيها هذه الأعمال؟ “وهكذا فليس الاستشراق مجرد موضوع أو مجال سياسي يتجلى بصورة سلبية في الثقافة والبحث العلمي أو المؤسسات، وليس أيضا مجموعة كبيرة غير مترابطة من النصوص المكتوبة عن الشرق، بل وليس تمثيلا وتعبيرا عن مؤامرة امبريالية “غربية” دنيئة تهدف إلى إخضاع العالم “الشرقي”. لا بل إنه الوعي الجغرافي السياسي المبثوث في النصوص العلمية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية واللغوية”. لقد كان كتاب “ما الثورة الدينية”، ورغم طابعه العلمي الأـكاديمي، جزءا من الكتابات السياسية والإعلامية التي تعاملت آنذاك مع الثورة الإيرانية بكثير من الشيطنة والعجائبية بفعل المفاجأة وانطلاقا من النزعات المركزية الأوروبية.

الخلاصة

   بعد مؤتمر باندونج عام 1955 كان الشرق كله قد حصل على استقلاله وبدأ يواجه القوى العظمى. وبذلك أصبح الاستشراق يواجه شرقا يتحداه ، شرقا مدججا بالسلاح السياسي. ويبدو أن شاياغان ينطق باسم هذه الموجة الاستشراقية. لقد هدمت حركات التحرر الوطني في المستعمرات السابقة في الشرق التصوّرات الاستشراقية عن “الأجناس المحكومة” وما ينسب إليها من مواقف سلبية وتسليم بالقضاء والقدر. فقد كان المستشرقون من رينانRenan إلى جولديزهرGoldziher يرون أنّ الإسلام “تركيب ثقافي” (العبارة لـ ب . م. هولتPeter M.Holt ) ومن الممكن أن يدرس خارج إطار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للشعوب الإسلامية. لذلك اختزل في الخيمة والقبيلة وفي أحسن الحالات في التصوّف.

إنّه في الوقت الذي علت فيه موجة مناهضة الامبريالية وتوحّد الشرق كله، نجد أن المستشرقين هذه الحركة برمتها لا باعتبارها مصدر مضايقة وحسب؛ بل باعتبارها إهانة موجهة للديمقراطيات الغربية حاملة الحضارة إلى هذه الشعوب، ولسان حاله يقول “اتق شرّ من أحسنت إليه”!

على سبيل الخاتمة

   لقد استشعر المؤلف “المآزق” الكبيرة التي أوقعه فيها الكتاب لذلك ســارع في مقدمة الطبـــعة الثانية (1991) إلى “توضيحات” ملخصها أنّ الكتاب فلسفي أي صعب الاستيعاب من جهة اللغة والمصطلحات ونوعية المقاربة وثراء المفاتيح المعرفية (دينية – سياسية – فلسفية – سوسيولوجية – سيكولوجية ..الخ). ومع ذلك ظل مصرا على أنّ الأحداث اللاحقة للثورة الإيرانية «لم تنل قطّ من فعاليته” بل “اشتدّ عوده …فأصبح بذلك قادرا على التكيّف مع المستجدات”.

هذه الثقة الكبيرة في النفس مردها الأساسي أنّ المؤلف، وكما صرح بذلك في نفس المقدمة، يتوجه خصّيصا للجمهور الفرنسي ذي الإرث العلماني اليعقوبي المتطرف. وبعد أحداث 11 سبتمبر التاريخية أصدر شاياغان كتابا بعنوان “النور يأتي من الغرب”La Lumière vient de l’Occident مواصلا في نفس النهج ومتشبثا بنفس الفكرة. وهكذا يوفر المسلمون أحداثا تُستلهم وتُستوحى ويُبقون الشرقَ مادة للدراسات الغربية فيثبتون النظرة الاستشراقية. وتظل كتاباتهم ذات راهنية “أبدية” . فهل استوعبنا الدرس؟ ليس بعدُ.

 ———————————————–

[1] الأنطولوجيا ،ontology ( ontologie ) كلمة يونانية تعني الكينونة وتعني في الفلسفة ” علم الوجود” أي دراسة الكائن أو الوجود ( أنماطه وخصائصه).

[2]تكفلنا بنقل الكتاب إلى اللغة العربية وقد صدرت الترجمة في طبعتها الأولى عن دار الساقي والمؤسسة العربية للتحديث الفكري سنة 2004 . وصدرت طبعة ثانية سنة 2011 عن دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب.