قيمة مفهوم الهوية


من الملحوظ أن مفهوم الهوية وما يتعلق به من محددات ومفاهيم كاللغة والثقافة والعرق والخصوصية… من المفاهيم كثيرة التداول والاستعمال في العلوم الإنسانية، وخاصة منها السوسيولوجيا، والأنثربولوجيا، والاثنولوجيا. لذا من المفيد عند تحليلنا لمفهوم الهوية أن نستحضر هذه الإسهامات المعرفية المتوسلة لمنهجيات علوم الإنسان لنستفيد منها في إضاءة المفهوم، وإدراك مدلوله، وتعيين ماصدقه في الواقع؛ خاصة وأن الاشتغال بهذا المفهوم ملحوظ في نصوص كبار رموز هذه العلوم مثل إشنشطاد وأنطوني جيدنز، ويورغن هابرماز، وبيير بورديو، وكلود ليفي ستروس… فضلا عن وروده في حقل الفلسفة في أعمال هيدغر وبول ريكور… بل وقِدَمِ استعماله كمقولة منطقية في الفكر الفلسفي منذ الفلسفة الإغريقية.
لكن هل يصح أن نتوقع من مجرد استعمال مفهوم الهوية في حقل العلوم الإنسانية، أنه سيكون مفهوما محدد الدلالة ومنضبط المعنى؟ وقادرا على أداء دوره الإجرائي في توصيف الظاهرة المجتمعية؟

غموض والتباس مفهوم الهوية … وتحولاته

رغم نزوع العلوم الإنسانية، نحو تحديد وضبط مدلولات مفاهيمها، فإن مفهوم الهوية لا يخلو من غموض والتباس. بل يذهب روجرز بروبكر وفريدريك كوبر إلى أن العلوم الاجتماعية لم تنقذ هذا المفهوم من التباسه. ولذا يخلصان إلى أنه مفهوم غير ضروري للعلم. وفي منحى مشابه يذهب ألبرتو ميلوسي في بحثه “صيرورة الهوية الجماعية”، حيث ينتقد استعمال هذا المفهوم داخل حقل العلوم الإنسانية.

لكن رغم نقد هؤلاء لتداول هذا المفهوم علميا، فإن حضوره واقع. ولذا نجد باحثين آخرين رافضين لاستعماله، يستشعرون الحاجة إليه فيضطرون لتقديم بديل لوصف ما يدل عليه، وذاك واضح مثلا في أعمال مرجريت سامرز التي اقترحت عوض مفهوم الهوية مفهوم السرد المحدد للكينونة الثقافية للجماعة.
إن هذا الاضطرار الى إيجاد بديل للمفهوم يعبر، في تقديري، عن وجود موضوع مجتمعي نحتاج لمقاربته إلى استعمال مفهوم الهوية أو ما يشابهه دلاليا. وهذا ما يؤكده ستيوارت هال الذي يخلص في بحثه “من يحتاج إلى الهوية؟” بعد اعترافه بأن هذا المفهوم قد تغيرت دلالاته في الأبحاث المعاصرة، إلى القول بأن الهوية هي “الفكرة التي لا يمكن أن نفكر فيها اليوم بنفس الطريقة القديمة، لكن بدونها لا نستطيع أن نفكر في العديد من المسائل الأساسية”.
ثمة إذن حاجة معرفية تلزم العديد من العلماء إلى توسل هذا المفهوم، أو ما يشبهه ويؤدي وظيفته، فيجعلونه أحد محددات جهازهم المفاهيمي.

فلنبحث إذن مكانته وكيفية استعماله:

مفهوم الهوية … المكانة والتوظيف

يحضر مفهوم الهوية في الاستعمال العلمي خاصة عند تحليل الظواهر والإشكالات الثقافية والسياسية المتعلقة بقضايا التعددية الثقافية. وحضوره هذا ليس مجرد حضور عادي، بل يحضر كمفهوم إجرائي، حيث يتم تشغيله كمقولة تحليلية في علم الانثربولوجيا، وسوسيولوجيا الجماعات والأقليات الإثنية والدينية… في هذا السياق يلاحظ بروبكر و كوبر أن مفهوم الهوية يشغل وظيفة مزدوجة، فهو من جهة “مقولة تحليلية”، ثم من جهة ثانية “مقولة عملية” بمعنى أنه ليس مفهوما من ابتداع العلوم الاجتماعية، فينحصر استعماله داخلها كأداة تحليلية، بل هو أيضا مقولة دلالية متداولة بين الفاعلين الاجتماعيين في تأطيرهم لجماعاتهم ورؤيتهم لذواتهم وللآخرين.

لكن الاستفهام الذي يطرح هو :
ما الدافع إلى استعمال مفهوم الهوية كمقولة تحليلية في العلوم الاجتماعية؟
ما الداعي إلى توسل هذا المفهوم الملتبس المعقد كمحدد إجرائي تحليلي؟

بطبيعة الحال لا يمكن تفسير هذا الاستعمال بكون السبب هو أن المفهوم موجود ومتداول في الواقع السياسي والمجتمعي؛ إذ ليس جميع المفاهيم المتداولة في الفكر الشائع في المجتمع، تصير مفاهيم إجرائية يتوسلها العلم كأدوات ومنظورات.

أجل يمكن للعلم الاجتماعي أن يتخذ ما هو متداول من مفاهيم وأفكار وتصورات موضوعا لدرسه، لكن ليس بالضرورة أن يتخذه منظورا لنظم كيفية درسه؛ لأنه بانتقال المفهوم من مستوى الموضوع المطروح للدرس إلى مستوى المنظور المحدد لمنهجية الدرس، يصير أداة ناظمة لتفكير العالِم. ولهذا الانتقال شروط ومستلزمات لابد من توفرها لتسويغه. فكما يصح للأنثروبولوجي أن يجعل التصورات السحرية السائدة في مجتمع ما موضوعا لدرسه وبحثه، فإنه لا يصح أن يتخذ من هذه التصورات وسائل إجرائية، لأنه إِنْ فَعَلَ سيصير متبنيا لهذه التصورات؛ فيتحول من ثم من أنثروبولوجي إلى ساحر أو مشعوذ!

والأمر كذلك على مستوى المفاهيم، فتبني مفاهيم الفكر الشائع، أي المتداولة في المجتمع واتخاذها مفاهيم إجرائية تحكم التفكير والبحث العلمي – كما هو الحال بالنسبة لمفهوم الهوية- أمر يستوقف الانتباه ويثير الاستفهام. خاصة وأن ثمة مفاهيم قريبة من مفهوم الهوية لم ترق إلى أن تصبح مفاهيم إجرائية، أي تصير من جملة الجهاز المفاهيمي المشتغل به في حقل العلوم الإنسانية، كمفهوم الوطن مثلا. فالوطن والوطنية ليسا مفهومين إجرائيين علميين، بل هما مجرد مفهومين متداولين، أي لم يتحولا من مقولات عملية إلى مستوى مقولات إجرائية.

الصدارة وأوجه التميز والاستعمال

فبماذا يمتاز إذن مفهوم الهوية عن غيره من المفاهيم القريبة منه دلاليا، حتى يحظى بالاستعمال كمفهوم إجرائي؟
وما هي وجوه الاستعمال الدلالي لهذا المفهوم في حقل العلوم الإنسانية؟

من نافل القول الإشارة إلى أن الدلالات التي يتمظهر بها هذا المفهوم في المتن السوسيولوجي والأنثروبولجي… متعددة ومتباينة، وهي في تعددها وتباينها تعكس وتؤكد في آن واحد الالتباس الدلالي للمفهوم. حيث إذا تتبعنا التعريفات، التي يقدمها الباحثون في حقل العلوم الإنسانية لمفهوم الهوية، سنجدها تتعدد وتتنوع إلى درجة التباين والاختلاف. هذا فضلا عن أنها من الكثرة بحيث يصعب الإتيان عليها بالعد والإحصاء؛ لذا فالمسلك المنهجي الممكن سلوكه لاستيعاب هذا التعدد، هو اختزاله في وجوه دلالية كلية قابلة لأن تُصَنِّفَ مختلف التعاريف المعطاة.

في هذا السياق يختزل روجرز بروبكر وفريدريك كوبر في دراستهما “ما وراء الهوية” الأوجه الدلالية لاستعمال مفهوم الهوية في العلوم الإنسانية في خمسة استعمالات هي :

1- الهوية بوصفها “مرجعية للفعل الاجتماعي والسياسي”، بمعنى أن الهوية في هذا المستوى الدلالي غالبا ما تطرح في صيغة مبدئية تستبعد الارتكاز على ما هو نفعي. ومن ثم تكون علامة على استدعاء مفاهيم ومعاني مبدئية “لا أداتية”، ناظمة للفعل الاجتماعي والسياسي. حيث أن الفاعلين الاجتماعيين بسلوكهم، القائم على استحضار الانتماء إلى هويتهم الجمعية، يمتثلون لمفاهيم وتصورات مبدئية تخص رؤيتهم إلى ذواتهم، وكيانهم الجماعي، على نحو لا يتم فيه التعلق بمصلحة نفعية مباشرة.

2- الهوية بوصفها “ظاهرة جمعية” دالة على وجود تشابه بين أعضاء جماعة ما. ويعمل الباحثون الذين يستعملون مفهوم الهوية بهذا المعنى على الانطلاق من توقع وجود تشابه سيتمظهر في تضامن أعضاء الجماعة/المجتمع، وفي طرق تصرفهم وملامح وعيهم المشترك. ويرى بروبكر وكوبر أن هذا المعنى المعطى لمفهوم الهوية يستعمل خاصة في الأبحاث المتناولة “للحركات الاجتماعية، والجندر… والانتماء الإثني، والنزعات الوطنية”.
3- الهوية بوصفها “نواة فردية أو جماعية”، ويُقصد بها في هذا الاستعمال أنها “حالة أساسية” دالة على وجود “أساس مرجعي عميق”، يتجاوز ما هو ظاهر إلى ما هو مؤسس لذلك الظاهر. ويرد هذا الاستعمال في الدراسات السيكولوجية، وخاصة تلك التي ترتكز على أبحاث إيريك إيركسون كما ترد أيضا في الكتابات المتناولة للجماعات الإثنية.

4- الهوية بوصفها “نتاج الفعل الاجتماعي والسياسي”، وترد خاصة في الخطابات السياسية، حيث تستعمل كمحرض على الوحدة والتضامن.

5- والهوية بوصفها نتاجا لتعدد وتنافس الخطابات، وهذا المعنى متداول في كتابات فوكو وأدبيات مابعد الحداثة عامة.

وبالنظر إلى هذه الوجوه الدلالية الخمسة يتبين أن مفهوم الهوية شديد الالتباس والتعقيد؛ فهذه الاستعمالات ليست فقط دالة على التنوع، بل هي “مختلفة”.

وهذا التعدد والاختلاف الملحوظان في مدلول مفهوم الهوية، والوضعية الإشكالية للمفهوم جعلا بعض الباحثين يستثقلون استعماله في الدراسات العلمية، بدعوى أن الخطاب العلمي يجب أن يحترس من توسل مفهوم كهذا، مشروخ باختلافات تشتت مدلوله. حيث إن طبيعته تلك تشكك في إمكانية أدائه لدوره الإجرائي في مقاربة الظاهرة الإنسانية، غير أننا نلاحظ أنهم باستبعادهم لدال”الهوية ” لم يستبعدوا مدلوله؛ فإذا دققنا النظر في نصوصهم سنلحظهم يستعملون مفاهيم مقاربة لمدلول مفهوم الهوية، مما يبرهن على وجود حاجة معرفية الى هذا المفهوم لقراءة الظاهرة الإنسانية.