لحظة تحول


مقالة من كتاب هذه شريعتنا ومقالات أخرى لمحمد أسد

نعيش الآن أوقاتًا استثنائية يميزها تحول عنيف وارتباك يجتاح العالم أجمع – أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا – وقد خلّف هذا الارتباك حربان عالميتان وما نتج عنهما من انهيار صيغ اجتماعية وأخلاقية واقتصادية عتيقة. الاضطراب يجتاح العالم، ولا يمكن لنا، نحن المسلمين، ولو أردنا، أن نستمر في حياتنا بالطريقة التي كنا نعيش بها من قبل. أي أن ننعم بوهم أن نسق الحياة الذي كان مقبولًا وملائمًا فيما مضى لابد أن يظل كذلك أبدًا. هذا الشعور بالاطمئنان والرضا عما لدينا من قناعات أو أوهام، بدده ما ألمّ بنا في القرون القليلة الماضية.

   ولابد لنا في زمن كهذا أن نراجع مخزوننا الثقافي، ولا يكفي أن نقول: “نحن مسلمون، ولنا أيديولوجية خاصة”. كما ينبغي أن نكون في موضع “يثبت أن أيديولوجيتنا حية بما يكفي لتحمل ضغط تحولات هذا الزمان، وأن نقرر كيف سيؤثر انتسابنا إلى الإسلام مسار حياتنا، أي ينبغي أن نعرف كيف للإسلام أن يتيح لنا توجيهات دقيقة لصياغة مجتمعنا، وأن نعرف هل سيبث فينا من الدافعية ما يكفي لترجمة هذه التوجيهات إلى أعمال.

   وحتى نصل إلى إجابة عن هذا، لابد أن نبدأ في التفكير بطريقة جديدة في الإسلام، عن معناه الحقيقي، شرائعه الحقيقية، لأننا توقفنا عن ذلك لقرون طويلة، واكتفينا بالاعتماد على ما أثمرته الأجيال السابقة من فكر ’عن‘ الإسلام. نتيجة لذلك، فإن علم الكلام والفقه لدينا، يشبهان متجرًا لبيع الملابس القديمة حيث تُباع أثواب الفكر القديم وتُشترى آليًا دون أن ندرك مغزاها الأصلي، ثم تُرتق ويعاد بيعها، ولا يملك المشتري إلا أن يمتدح مهارة الخياط القديم.

   لا يمكننا أن نستمر على هذا الحال في زمن يقع فيه العالم الإسلامي في قلب أزمة من شأنها أن تثبت صلاحية الإسلام بوصفه مشروعًا عمليًا لقرون كثيرة قادمة أو تنفيها. ولم يأت علينا زمن قط كانت الضرورة فيه أكثر إلحاحًا للتفتيش في القلب وفي العقل من هذا الزمن. فالأمر واضح لكل ذي عينين أننا في قلب عالم سريع التحول، ومجتمعنا يخضع لقانون تحول حتمي. وسواء شئنا أم أبينا فالتغيير واقع؛ بل هو يقع فعلًا أمام أعيننا، والعالم الإسلامي “يمر الآن” بمرحلة تحول – وهي حقيقة جلية وتحمل إمكانات ضخمة، سلبية أو إيجابية. ذلك أننا لا ينبغي أن ننسى أن “التحول” صنو “الحركة”، والحركة في الكائن الحي يمكن أن تكون خلاقة أو هدامة. وبرغم عجز أي قوة على الأرض عن رد التحول عن مجتمعنا، فما زلنا نملك حرية تحديد “الاتجاه” الذي يمكن أن يتخذه هذا التحول. وفي أيدينا أن نقرر هل سنبني مستقبلنا على قيم الإسلام الحقيقية أم سنبتعد عنه تمامًا، ونصير مجرد تابعين متطفلين على غيرنا من الحضارات؟هذه-شريعتنا

   لا بديل عن ذلك، وليس من شيء أغبى من محاولة إقناع أنفسنا أننا لو أردنا لتمسكنا بأفكار الماضي وتقاليده كاملة، ومن يفعلون ذلك – وهم للأسف كثيرون – يدفنون رءوسهم في الرمال كما يشاع عن النعام، حتى لا يواجهوا حتمية اتخاذ قرار. وهذه لعبة خطيرة، كما أنها بالغة السخف. فمثل النعامة، يحرم أصحابنا أنفسهم ولو بحسن نية من فرصة مواجهة التحدي القادم، وفي هذه الحالة يتجنبون مواجهة تحدي اختبار الصلاحية الأبدية للإسلام بوصفه قوة منتجة للثقافة، وكأن عقولهم تفترض أن ماضينا القريب كان “إسلاميًا”. ومن ثم كل شيء يتعلق بتقاليد الأمس القريب يخالف الإسلام، سواءً كان يتعلق بعاداتنا الاجتماعية أو منهجنا في حل المشكلات التشريعية. ومن ناحية أخرى، يتصورون أننا سنكون في حالة مثالية لو استطعنا أن نحافظ على الأشكال الاجتماعية والمنظومة الفكرية التي كان أجدادنا يعيشون بها. بتعبير آخر، هؤلاء النعام يفترضون أن الإسلام وأعراف المجتمع الإسلامي شيء واحد (وهذا بالطبع كلام فارغ)، وأن بقاء الإسلام يعتمد على الحفاظ على الأحوال ذاتها التي تمنع المسلمين حاليًا من العيش طبقًا للأسس الحقيقية للإسلام (وهذا بالطبع منطق ظاهر الفساد). وبرغم فساد هذه الافتراضات فهي تمثل الأساس الذي يحكم عمل عقول كثير من مسلمي اليوم، وإن رفضهم الإذعان لضرورة “أي” تغيير يدفع بأعداد غفيرة من غيرهم من المسلمين إلى محاكاة يائسة للغرب في تجلياته الرأسمالية أو الماركسية، أو إلى اعتقاد أعمى انهزامي بحدوث “إحياء إسلامي” على طريقة “المهدي المنتظر”.

وإنني أوجه هذه الصفحات إلى من يعرفون أن لعبة دفن الرأس في الرمال لا تحفظ وجود أحد. وأوجهها تحديدًا إلى أولئك المسلمين الذين يدركون الأزمة الخانقة للحضارة وللحياة الاجتماعية الإسلامية، ولمن يحبون أن يفكروا لأنفسهم، ويرفضون أن يتغذوا على مجرد كلمات فارغة وأوهام، ويعرفون أن خداع الذات من أكبر الكبائر، ويملكون الشجاعة لمواجهة الحقائق كما هي، وليس كما يحبون أن تكون. وبإيجاز، من يرغبون ليس فقط في خدمة الإسلام بل في أن يعيشوا الإسلام.

   أقدم لهؤلاء هذه المساهمة في إحياء الفكر الإسلامي. فإذا ظن بعض قرائي أن نقدي شديد القسوة أو متجاوز أحيانًا، فليذكروا أن الريح التي تأتي قبل الفجر غالبًا ما تكون قاسية، وأحيانًا مؤذية. لكن هذه الريح هي ما نحتاجه، ريح جديد تعصف ببيوت العناكب التي خلفها انحطاطنا، ريح تدفع بنا مرة أخرى إلى مصدري الإسلام الأصيلين: القرآن والسنة، التي بدأت منهما حياة أمتنا ولابد أن تعود إليها إن أردنا ألا تختفي من الوجود.

   ولنكن أمناء مع أنفسنا ونعترف أننا شردنا بعيدًا عن الأيديولوجية التي منحنا إياها القرآن والسنة. فمثلنا كمثل ابن الرجل الثري في القصة القديمة، الذي بدد ميراثه ويتمرغ الآن في الوحل. فقد مرت قرون من التيه الفكري والتمسك الأصم بصيغ جاهزة، وأحط الصراعات الداخلية والكسل والخرافة والفساد الاجتماعي؛ مما تسبب في طمس الآمال الكبار التي بشرت بها بداياتنا. فمنذ قرون مضت، توقفنا عن إعمال عقولنا في البحث عن المعرفة، رغم أن ديننا فرض علينا ذلك فرضًا، فأخذنا نذكر الفارابي وابن سينا والبتّاني[1] وابن حيان، ونتكل على ما أنجزوه، ثم نمضي إلى حال سبيلنا دون أن نزيد عليه شيئًا. وأخذنا نتحدث عن المنهج الاجتماعي الإسلامي الرائع عن العدل والفطرة السليمة الساكنة في مبادئه – وفي الوقت نفسه يمسك أحدنا بخناق الآخر، ويستغله أو يذعن راضيًا لكل ألوان الاستغلال على يد حكام فاسدين. وقد كنا نتظاهر دائمًا بأننا نؤمن بأن القرآن هو الهدي الحق في كل ما يتعلق بحياة الإنسان – ومع ذلك نتخذه مجرد نص أدبي لتهذيب الأخلاق يصلح لأن نتلوه في الصلاة وفي المناسبات، ويوضع في غلاف حريري ليزيّن الرفوف العليا في غرفنا، لكننا لا نتخذه دليلًا يوجه سلوكنا. زعمنا أن الإسلام دين العقل (وهو كذلك) مع ذلك رضينا، بل رحبنا، بمن يقمع العقل لمجرد أن في يديه سلطة. وكان أغلب علمائنا يقولون لنا إن الفكر المستقل في أمور الدين زندقة، وإن المسلم الحق هو من يتبع ما انحدر إلينا من صيغ قديمة نشأت على مر السنين (وما نشأت إلا على أيدي علماء من البشر يصيبون ويخطئون) وكأنه ببغاء حفظ كلامًا وأخذ يردده.

   وهل نتيجة هذا إلا قائمة من الإخفاقات تطول إلى ما لا نهاية؟

   بالعالم اليوم مئات الملايين من المسلمين، وليس بين هذه الملايين مجتمع واحد يعيش حقًا طبقًا لأصول الإسلام، ولا يوجد مجتمع واحد يستطيع أن يقدم للعالم نموذجًا لما يمكن للإسلام أن يطرحه من حلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق البشر. ولا يوجد مجتمع واحد يستطيع أن ينتج في مجالات العلوم أو الفنون أو الصناعة “أي شيء” يفوق ما يقدمه أي مجتمع غربي، أو يستطيع أن ينافس رأسًا برأس ثقافيًا وسياسيًا أي مجتمع غربي في مثل حجمه. وإن كل حديثنا الصاخب عن أمجاد الماضي، وتصويرنا الواثق لما يمثله الإسلام من رقي لا يمكن أن يغير واقع ما نعيشه من مهانة.

   هذه هي الحقائق – بعض الحقائق – ولا مجال لإنكارها.

_________________________________________

1- محمد بن جابر بن سنان البتاني هو عالم الفلك أبو عبد اللّٰه محمد بن جابر بن سنان البَتّاني، المكنّى بـ”البَتّاني” نسبة إلى مسقط رأسه “بتان”. عالم فلك ورياضيات وأحد نوابغ العلم في وقته, لقبه البعض ببطليموس العرب. ولد في أورفة بتركيا عام 850 م، وتوفي في سامراء بالعراق عام 929م. (المترجم)